ريجين شانياك وجان بيير جيزيكيل، هما عالمة اجتماع وباحث اقتصادي، ومسؤولان في مجال البحث بالمعهد الوطني الفرنسي للسمعيات-البصريات، وكلاهما اختصاصيان بالتلفزة من حيث تطور البرامج وشروط الإنتاج وأنماط سلوك جمهور المشاهدين. كانا قد قدّما كتابا مشتركا تحت عنوان «التلفزيون والسينما».

«التلفزيون» في فرنسا خاصة وفي العالم عامة هو موضوع تحليلات هذا الكتاب، من وجهة نظر اجتماعية وثقافية واقتصادية، وذلك على قاعدة حالة «التبدّل العميق» التي تعرفها القنوات التقليدية في ظل الصعود الكبير للتلفزيون «الرقمي»، وأيضا التصاعد الكبير للنشاطات المتداخلة التي ولّدتها ثورة المعلوماتية بكل مجالاتها في الاتصالات وفي الميدان السمعي ـ البصري. هذا التداخل الذي وصل إلى حد طرح المؤلفين للسؤال التالي: هل سيكون ممكنا الحديث غدا عن التلفزيون؟

لا شك أن التلفزيون يشكل اليوم أكثر وسائل الإعلام انتشارا. فمثلا تدل إحصائية فرنسية أخيرا على أن 94 بالمئة من بيوت الفرنسيين فيها جهاز تلفزيوني واحد على الأقل. هذا الواقع يمثل في حد ذاته تبدلا كبيرا إذ لم تكن «الشاشة الصغيرة» موجودة في عام 1958 سوى في 5 بالمئة من بيوت الفرنسيين، ووصلت هذه النسبة إلى 82 بالمئة عام 1974 لتصبح 94 بالمئة اعتبارا من عام 1987.

والتلفزيون هو وسيلة إعلام «منزلية» تشكل جزءا من الحياة اليومية للبشر. ويدل المؤلفان على مؤشرين للدلالة على أهمية الشاشة الصغيرة لدى كل فرد. هذان المؤشران هما «إيقاع» مشاهدة التلفزيون و«مدة» هذه المشاهدة. وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى استطلاع للرأي حديث العهد حول الممارسات الثقافية لدى الفرنسيين أن 77 بالمئة منهم يشاهدون التلفزيون كل يوم بينما كانوا 65 بالمئة عام 1973.

وبدا من الواضح أن هذه النسبة قد ازدادت مع «الأجيال الجديدة» التي عرفت التلفزة منذ سنوات الصغر. أما «مدّة» مشاهدة التلفزيون فقد بلغت معدّل 202 دقيقة للفرد الفرنسي خلال عام 2003. وهذه المدّة كانت قد عرفت، هي الأخرى، خطا بيانيا متصاعدا منذ بدايات التلفزيون. كما أن المدّة تختلف حسب الأفراد، إذ كلّما تقدّم الناس في السن وأصبحوا لا يمارسون نشاطا مهنيا تزداد مشاهدتهم للتلفزيون. طبعا لهذه القاعدة استثناءاتها.

بكل الحالات يؤكد المؤلفان على القول أن التلفزيون يمثل بالنسبة لشريحة هامة من الناس مصدر المعلومات الرئيسي وكذلك أداة تكوينهم الثقافي إذ غدوا لا يقرؤون الصحافة والكتب ولا يترددون على السينما والمسرح والمتاحف إلا قليلا. هذا في الوقت الذي يحرك فيه التلفزيون «انفعالاتهم» أكثر من أية وسيلة إعلامية أخرى.

ومن هنا تحديدا تأتي قدرة جذبه للجمهور العريض ودفعه لتبني بعض القيم وأنماط السلوك التي يراد تعميمها. ثم إن النجاح الشعبي الكبير الذي حققه التلفزيون سمح له أن يجمع حوله شرائح متنوعة ومختلفة في أنماط عيشها وفي آرائها وثقافتها وعمرها وأحيانا جنسياتها حيث يرى الجميع «نفس الحدث» مما يخلق نوعا من الرابطة بينهم.

الفصلان الأول والثاني من هذا الكتاب مكرّسان لشرح آليات كسر الاحتكار الذي مارسه «التلفزيون العام» في مختلف البلدان الأوروبية لصالح «التلفزيون التجاري» مع شرح النتائج على صعيدي المنافسة وعرض البرامج. ويتم التأكيد في هذا الإطار على أن الهيئات التلفزيونية في مختلف البلدان الأوروبية كانت قد أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية - ضمنيا- على نفس المبدأ المتمثل في احتكار السلطات العامة لها والإشراف على تمويلها وتشغيلها،

وكانت إسبانيا هي الاستثناء الوحيد، إذ كانت الإذاعة والتلفزة الإسبانية ممولتين حصرا من الإعلانات، ومنذ الأصل، أما في فرنسا فقد قررت الدولة فرض ضريبة على حيازة جهاز تلفزيون اعتبارا من عام 1949 وزادت هذه الضريبة كثيرا على أجهزة التلفزيون الملونة اعتبارا من عام 1974.

واعتبارا من سنوات السبعينات المنصرمة، بدأت في فرنسا عملية كسر الاحتكار العام على عدة مستويات تتعلق بالتمويل والتقنيات بل والتوجه السياسي المسيطر. وكان المنعطف الكبير الأول هو دخول «الإعلانات» لتأمين تمويل «إضافي» للتخفيف من الكلفة الباهظة التي تتحملها الميزانية العامة.

وكانت الدعاية والإعلان حصرا بالقناة التلفزيونية الفرنسية الأولى في البداية ثم امتدت إلى القناة الثانية لتمثل نسبة 25 بالمئة من تمويلهما؛ واعتبارا من عام 1975 أصبح ربع الإعلانات يمثل أكثر من 50 بالمئة من موارد هاتين القناتين. وكان اللجوء إلى الدعاية المدفوعة الأجر قد بدأ في ألمانيا منذ عام 1956 وفي إيطاليا عام 1957.

لكن ألمانيا حددت عدم بث دعايات بعد الساعة الثامنة مساء بينما حددت إيطاليا ومنا للدعاية لا يجوز تعدّيه في فترات البث. لكن الدعاية كانت سلاحا ذا حدّين، فإذا كان يساهم في زيادة الموارد الدولية للأقنية التلفزيونية فإنه حدّ من سيطرتها على سياستها في ميدان البرامج.

إذ دلّت إحصائية نشرها المرصد الأوروبي للسمعيات البصريات عام 2003 إن نسبة مشاهدي الأقنية العامة في ألمانيا عام 2003 إن نسبة مشاهدي الأقنية العامة في ألمانيا عام 2003 هي 5 ,40 بالمئة من عدد المشاهدين مقابل 5, 41 بالمئة للأقنية الوطنية العامة و18 بالمئة للأقنية الأخرى (الكابل، الأقمار الصناعية، الأقنية المحلية)، وفي إسبانيا 5,30 بالمئة للعامة مقابل 5 ,41 بالمئة للخاصة وفي فرنسا 5 ,41 بالمئة مقابل 5, 47 بالمئة وفي بريطانيا 46 بالمئة مقابل 30 بالمئة وفي البرتغال 5 ,26 بالمئة مقابل 63 بالمئة للخاصة.

ومع سيطرة «الموديل» التجاري ازدادت أهمية عدد المشاهدين لأن هذا يحدد «القيمة التجارية للشاشات التجارية».

والنتيجة هي أنه خلال عدة سنوات فقط جرت عملية تأقلم وتكييف للأدوات والطرق التلفزيونية مع متطلبات أصحاب الإعلانات. وقامت بنفس الوقت شركات «تقييم» عدد مشاهدي مختلف القنوات التلفزيونية ودراسة سلوك هؤلاء المشاهدين، مما كان له أثره الكبير بعد ذلك في تحديد سياسة البرامج.

وكان المستفيد الأكبر من هذا الوضع الجديد هو برامج المسلسلات، التي زادت حصتها من البرامج التلفزيونية في فرنسا عام 1983 من 864 ساعة إلى 359 10 ساعة عام 1989 بينما ازدادت مدة عرض الأفلام السينمائية في نفس الفترة من 777 ساعة إلى 1458 ساعة فقط. كذلك ازداد طلب البرامج من السوق الدولي وخاصة الأميركي.

الفصلان الثالث والرابع من الكتاب يدرس فيهما المؤلفان تطور «التلفزيون المدفوع الأجر» و«الأقنية المختصة حسب هذا الموضوع أو ذاك» بالتوازي مع زيادة عدد الأقنية العاملة بالكابل أو بواسطة الأقمار الصناعية ثم بالتوزيع الرقمي. وإذا كان «الكابل» و«الأقمار الصناعية» تعبيرا عن تقدم تكنولوجي هائل خلال عقد الثمانينات فإن التوزيع الرقمي كان قفزة حقيقية خلال عقد التسعينات.

وفي محصلة أشكال التقدم المحققة في ظل ثورة المعلوماتية بمختلف ميادينها، أدّى بروز «مشهد سمعي ـ بصري» محصور بأولئك الذين «يشتركون» بأجر في هذه المجموعة من الأقنية التلفزيونية أو تلك، إلى نوع من «القطيعة»، على صعيد العرض كما على صعيد الاستقبال، بالعلاقة مع النموذج التجاري السائد. ووصلت المنافسة إلى أوجها بين مختلف المجموعات التلفزيونية من أجل الفوز بـ «المشتركين».

وهذا يتماشى أيضا مع ظهور «الأقنية المختصة حسب الموضوع». ويتم تحديد «العائلة الأولى» من هذه الأقنية بتلك ذات الموضوع المحدد حقيقة، أو ذات المحتوى المحدد، مثل الأقنية الإخبارية والأقنية التاريخية أو القنوات المكرّسة للأسفار أو لنوع محدد من الموسيقى أو الطبخ أو الصحة... أمّا جمهور هذه القنوات فإنه يتراوح بين المشاهد «الهاوي» ذي الفضول المعرفي إلى المختصين.

*الكتاب:التلفزيون

*الناشر: لاديكوفيرت - باريس 2005

*الصفحات :122 صفحة من القطع الصغير

La télévision

Régine Chaniac, Jean-Pierre Jézéquel

La Découverte Paris- 2005

p.122