تسيوشي هازيغاوا، مؤرخ أميركي من أصل ياباني، يعمل مديرا لمركز دراسة الحرب الباردة في جامعة سانتا بربارا في كاليفورنيا. سبق له ونشر العديد من المؤلفات منها «أقاليم الشمال المتنازع عليها والعلاقات الروسية ـ اليابانية» و«روسيا واليابان: معضلة لا حلّ لها بين جيران متباعدين» و«سياسة الإصلاح في روسيا والسياسات الداخلية والخارجية الروسية» و«أمن الولايات المتحدة واليابان في سنوات التسعينات» و«ثورة فبراير: بيتروغراد 1917»، الخ.

قبل نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 كان السؤال الكبير الذي طرح على المنتصرين وخاصة الرئيس الأميركي ترومان والرئيس السوفييتي ستالين هو: من الذي سوف يسيطر على اليابان وأبعد منها على آسيا بعد أن انتهت الحرب كما هو معروف عندما ألقت الطائرات الأميركية قنابل نووية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين لتعلن اليابان عن استسلامها واستعدادها لتوقيع السلام ممثلة بإمبراطورها هيروهيتو.

وتتم العودة إلى مسلسل الأحداث انطلاقا من بداية شهر ديسمبر 1941، وتحديدا في يوم السابع من ذلك الشهر، عندما قامت الطائرات اليابانية بهجوم مباغت على الأسطول الأميركي الراسي في جزيرة بيرل هاربر في جزر هاواي بالمحيط الهادئ الباسفيكي، الأمر الذي ردّت عليه الولايات المتحدة الأميركية بإعلان الحرب على اليابان في اليوم التالي، أي الثامن من ذلك الشهر.

واعتبارا من شهر مارس 1942 أعطى الجنرال ايزنهاور مباركته للشروع بصناعة القنبلة الذرية ليتم الانطلاق بمشروع مانهاتن الذي ضم عدداً من العلماء الألمان وغيرهم من الأوروبيين الذين كانوا قد هاجروا إلى الولايات المتحدة. وتمّ الحرص على أن يبقى ذلك المشروع في غاية السريّة. وفي شهر مارس 1943 بُدئ بتشغيل مركز «سري جدا» هو الآخر في «لوس الاموس» في ولاية المكسيك الجديدة.

وقامت الولايات المتحدة بتاريخ 16 يوليو 1945 بأول تجربة نووية في صحراء المكسيك الجديد وكان رمز تلك العملية هو «ترينيتي». وبتاريخ 27 يوليو 1945، عند نهاية مؤتمر بوستدام، وجّه الرئيس الأميركي إنذارا لليابان بأن تلقي السلاح. ويوم السادس من شهر أغسطس ألقى الأميركيون أول قنبلة ذريّة في التاريخ على مدينة هيروشيما؛ والنتيجة كانت مائة وأربعين ألف قتيل.

وبعد ثلاثة أيام فقط تلقّت مدينة ناغازاكي القنبلة الذرية الثانية وسبعين ألف ضحية هذه المرّة. وبتاريخ الثاني من شهر سبتمبر 1945 تمّ توقيع وثيقة استسلام اليابان بحضور الجنرال الأميركي «ماك آرثر». ما يؤكده المؤلف في هذا الكتاب هو أن ثلاثة أشخاص كان يمكنهم أن ينقذوا هيروشيما وناغازاكي هم الرئيس الأميركي ترومان والسوفييتي ستالين والإمبراطور هيروهيتو. أما السبب الذي يقدمه فهو أنه لم يكن بين هؤلاء الثلاثة من يفكر بذلك، وإنما كان الشغل الشاغل لهم هو من سوف يسيطر على اليابان بعد نهاية الحرب.

ويرفض المؤلف بقوة الحجة التي كان قدمها الرئيس الأميركي ترومان وقال فيها إنه لم يلجأ إلى استخدام القنبلة النووية إلا ك«حل أخير» ويقصد حماية حياة نصف مليون من الأميركيين. وهو يعود إلى مذكرات ترومان التي أكّد فيها أنه كان أمام خيار رهيب فإمّا اجتياح اليابان وخسارة نصف مليون من الجنود الأميركيين أو استخدام السلاح النووي. وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن هذا القول هو مجرد «اختلاف» لا يبرره الواقع.

فعلى صعيد الخسائر في حالة اجتياح اليابان كانت التقدير الذي قدّمه العسكريون الأميركيون هو 000 31 جندي بالتحديد، أي بأقل من 15 مرّة مما قاله ترومان. كما يؤكد أن مشكلة الاختيار تلك لم تكن قائمة عام 1945. وإنما كان ترومان قد تخيّل ذلك، إذ كان في صيف تلك السنة على قناعة أنه ينبغي فعل الاثنين، أي إلقاء القنابل أولا ثم الاجتياح ثانيا.

ثم إنه لم يعقد أي اجتماع كي يوازن بين «حسنات» و«سيئات» السلاح النووي.لكن لماذا اختيرت هيروشيما؟يقول مؤلف هذا الكتاب أنه في نهاية شهر أبريل 1945 طلب وزير الدفاع الأميركي «هنري ستيمسون» من الرئيس ترومان أن يحسم أمر النزاع الذي كان قائما بينه وبين الجنرال «غروفيس» المسؤول عن البرنامج النووي آنذاك الذي كان يريد إلقاء القنبلة الذرية على مدينة «كيوتو» عاصمة اليابان القديمة والتي كان عدد سكانها يبلغ نصف مليون نسمة. كان يعتقد أن الصدمة ستكون كبيرة إلى درجة أنه لم يكن أمام الإمبراطور سوى إعلان استسلامه.

لكن وزير الدفاع «ستيمسون» كان يرى أن مسح «كيوتو»، المركز الفكري والديني لليابان، سوف يسيء جدا إلى صورة أميركا وحيث يمكن للرأي العام العالمي أن يرى في تدمير تلك المدينة عملا «بربريا» لا يقل همجية عن أعمال النازية نفسها. ولذلك اختار هيروشيما، المدينة الصغيرة نسبيا والتي لا تحظى إلا بقدر كبير من المعلومات حولها في الغرب. ويؤكد المؤلف أن ترومان قد رجّح رأي وزير الدفاع لكن لم تخطر له فكرة أن تدمير هيروشيما، ذات الثلاثمائة ألف نسمة، هو أيضا قد يبدو في نظر الرأي العام العالمي «عملا بربريا» أيضا.

ولماذا ناغازاكي أيضا؟

المنطق الذي حكم ذلك كان «بسيطا» وارتأى ضرورة الضرب مرتين بالسلاح النووي، المرّة الأولى لإظهار قوة السلاح النووي، والمرّة الثانية كي يفهم الجميع أن سلاح الجو الأميركي لا يمتلك قنبلة واحدة وإنما عدة قنابل. وكانت ناغازاكي، تحتل المرتبة الثالثة في «أولويات» الأهداف، إذ كانت مدينة «كوكورا» هي التي تحتل المرتبة الثانية. لكن في ذلك اليوم الذي كانت القنبلة جاهزة، لم يسمح سوء الأحوال الجوية فوق كوكورا بإنجاز العملية فاتجه الطيار نحو ناغازاكي.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن الرئيس الأميركي ترومان كان قد أمر منذ شهر مايو 1945 بعدم قصف المدن اليابانية الموجودة على «قائمة أهداف» السلاح النووي بأية قنابل أو أسلحة تقليدية. ذلك أنه كان يريد أن يُظهر للعالم كله مدى قوة تدمير القنابل النووية.

وما يؤكده المؤلف أيضا هو أنه لم يكن هناك ما يستدعي اللجوء إلى السلاح النووي. ففي صيف عام 1945 كانت القوات الأميركية تحرز انتصارات عسكرية على الأرض. وكان ستالين قد وعد بإعلان الحرب على اليابان بعد ثلاثة أشهر من هزيمة ألمانيا. وكان الجميع ينتظرون ذلك الهجوم السوفييتي الذي كان أكثر ما يثير رعب القادة اليابانيين لأنه يجلب معه شبح الشيوعية.

وكان من المقرر أن يبدأ ذلك الهجوم السوفييتي يوم 15 أغسطس 1945 تحديدا، ولهذا أراد ترومان أن يسبق ستالين خشية أن يحتل الجيش الأحمر جزءاً من اليابان. ولهذا السبب أُزيلت هيروشيما يوم 16 أغسطس 1945 وبعدها بثلاثة أيام جاء دور ناغازاكي.ويؤكد المؤلف كذلك أن ترومان قد كذب إذ كان قد قال أنه لن يستخدم السلاح الذري إلا بعد أن ترفض اليابان إنذاره الأخير يوم 26 يوليو 1945.

لقد كذب إذ كان قد جرى يوم 25 من ذلك الشهر، إلقاء القنبلة الذرية منذ اللحظة التي كانت جاهزة فيها للاستخدام. وبالتالي لم يكن ذلك الإنذار سوى حجة في الواقع من أجل اللجوء إلى استخدام السلاح النووي. وإذا كان ترومان قد قابل بفرح كبير خبر إلقاء القنبلة على هيروشيما فإن الحقيقة صعقته عندما عرف بالتدمير الكامل للمدينة وبسقوط مائة وثلاثين ألف ضحية من بينهم الآلاف من الأطفال.وماذا عن ستالين؟

يقول المؤلف إنه لو لم يكن قد فعل كل ما في وسعه من أجل إطالة أمد الحرب بين أميركا واليابان فإنه ربما كان يمكن تجنب تدمير هيروشيما وناغازاكي. إذ كانت له مراميه الكبيرة في آسيا؛ وكان يريد مدّ سلطته على جزيرة «هوكيرو»، الجزيرة الثانية لليابان. وكان هذا يستدعي وصول قواته من أوروبا، وقام خلال ذلك بإفشال جميع المبادرات الدبلوماسية الرامية لإحلال السلام بين اليابان وأميركا، لاسيما وأن ستالين كان «الوسيط» في المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وكانت الاتصالات السرية السوفييتية-اليابانية قد بدأت منذ شهر يونيو 1945، بمبادرة من طوكيو، وكانت التعليمات الصادرة للدبلوماسيين السوفييت هي إطالة زمن المحادثات. ولم يفهم اليابانيون حتى الدقيقة الأخيرة أن السوفييت لم يكونوا ينقلون أية رسالة للأميركيين، وأنهم رغم ما يبدونه من صداقة كانوا يستعدون لمهاجمتهم.كان ستالين يعرف، عن طريق أجهزته السرية، أن برنامجا نوويا أميركيا كان بصدد الإعداد.

لكنه لم يكن يتوقع أبدا أن يستخدمه الرئيس ترومان بتلك السرعة ودون إخطاره. ويوم 6 أغسطس 1945 أدرك أن اليابانيين سيلقون السلاح وأنه لن يحظى بأية امتيازات في آسيا. أما الإمبراطور هيروهيتو فإنه جمع حكومته مساء 6 أغسطس 1945 وأعلن عن استعداده للاستسلام لكن ليس بأي ثمن. كان يريد تجنب الاحتلال الأميركي.

وما يؤكده المؤلف أن الخشية الحقيقية كان مصدرها تقدم القوات السوفييتية، وليس القنابل النووية. ويؤكد المؤلف أن العسكريين اليابانيين كانوا على استعداد للتضحية بمائة هيروشيما إذا كان ذلك يؤمن بقاء السلطة بيدهم. وكان هيروهيتو يريد البقاء على العرش واعتقد أن ترومان سيبقيه عليه.

وفي المحصلة يؤكد المؤلف أنه لو كان هيروهيتو قد قبل الخضوع لإنذار ترومان والاستسلام دون شروط، فلربما كان قد جنب هيروشيما وناغازاكي التدمير. لكنه تأخر ليقبل الاستسلام أمام تهديد الغزو السوفييتي.

*الكتاب:تسابق الأعداء - ستالين وترومان واستسلام اليابان

*الناشر:بليكناب برس ـ لندن 2006

*الصفحات: 432 صفحة من القطع المتوسط

Racing the enemy

Stalin, Truman and the surrender of Japan

Tsuyoshi Hasegawa

Belknap Press-London2006

p. 432