قام بتأليف هذا الكتاب صحافي وكاتب ألماني معروف يدعى فولكر سكركا. ومعلوم أنه أمضى سنوات طويلة في أميركا اللاتينية كمراسل لجريدة ألمانية كبرى، وقد تلقى جائزة ضخمة على مجمل أعماله ومقالاته الصحافية. وفي هذا الكتاب يسرد المؤلف قصة حياة أحد أشهر القادة العالميين الذين ما زالوا على قيد الحياة حتى الآن: فيديل كاسترو. فالكبار جميعهم مضوا ولم يبق إلا هو.
مضى ستالين، وخروتشوف، وماو تسي تونغ، وجون كيندي، وجمال عبد الناصر، وشارل ديغول، وعشرات غيرهم ولم يبق في اليدين إلا حديدان! ولكن إلى متى؟ منذ البداية يقول المؤلف بما معناه: ولد فيديل كاسترو في الثالث عشر من أغسطس عام 1926، وهذا يعني أنه بلغ الآن الثمانين من العمر. وهو القائد الوحيد لكوبا منذ اندلاع ثورتها الماركسية اللينينية عام 1958-1959، أي قبل نصف قرن تقريبا. وهذه الثورة هي التي قلبت النظام السابق التابع لأميركا والذي كان يقوده الجنرال باتيستا. ولذلك فإن أميركا لم تغفر له فعلته تلك، وقد حاولت المخابرات المركزية الأميركية اغتياله مرات عديدة دون أن تنجح في ذلك. ولا يوجد الآن قائد واحد على وجه الأرض حكم بلاده كل هذه الفترة الطويلة وبشكل متواصل دون انقطاع مثل فيديل كاسترو.ثم يردف المؤلف قائلا:ولكن ثورته في البداية كانت ذات طابع ديمقراطي وقومي ملون باللون الاشتراكي فقط. ثم أصبحت شيوعية محضة بعد اصطدام كاسترو بالإدارة الأميركية وتحت تأثير الثائر الكبير ارنستو تشي غيفارا وأخيه القائد العسكري راؤول كاسترو الذي يشاركه الحكم. وقد حصل ذلك في بداية الستينات، وهكذا أصبحت كوبا عبارة عن محمية سوفييتية تقريبا. نقول ذلك على الرغم من أن كاسترو ذا شخصية قوية ولا يقبل أن يكون أجيرا عند أحد.
وكاسترو يجمع كل السلطات في يديه، فهو رئيس للجمهورية ورئيس للوزراء وأمين عام للحزب الشيوعي الكوبي. والشيء الغريب أن كاسترو الذي أصبح ثوريا ماركسيا ليس من عائلة عمالية أو فلاحية فقيرة. وإنما هو من عائلة بورجوازية تمتلك المزارع والأراضي الواسعة. وقد كان أبوه مهاجرا إسبانيا إلى كوبا.والشيء الأغرب هو أن فيديل درس لدى اليسوعيين: أي في مدارس دينية مسيحية ثم أصبح فيما بعد ماركسيا ملحدا! وقد دخل جامعة هافانا عام 1945 ثم تخرج من كلية الحقوق بعد خمس سنوات، أي عام 1950.
وقد اشتغل كمحام لفترة قصيرة قبل أن يرشح نفسه للانتخابات النيابية عن الحزب الأرثوذكسي المتدين. ولكن الانقلاب الذي قام به الجنرال باتيستا ألغى هذه الانتخابات عام 1952، وحرم كاسترو من منصبه كنائب في البرلمان. وقد اشتكى عليه كاسترو أمام المحاكم، ولكن عبثا. وعندئذ لجأ إلى القوة لنيل حقوقه. فقد قاد هجوما مسلحا بمساعدة إحدى الثكنات العسكرية عام 1953 ولكن النتيجة كانت كارثة.
فقد قتل فيه عدد كبير من رفاقه، أي حوالي الثمانين متمردا. وأما كاسترو فقد اعتقلوه وحكموا عليه بالسجن مدة خمسة عشر عاما. وفي تلك الفترة دبج خطابه الشهير الذي يحمل العنوان التالي: التاريخ سيبرئني، وفيه يبرر تمرده الثوري ويبلور أطروحاته السياسية.ثم يردف المؤلف قائلا:وبعدئذ حصلت موجة عفو عن المعتقلين لأسباب سياسية أو غير سياسية وخرج كاسترو من السجن عام 1955، ثم ذهب إلى المنفى مع أخيه راؤول.
وقد اختار المكسيك أولا ثم الولايات المتحدة ثانيا. ومن هناك راحا ينظمان صفوف المعارضة للإطاحة بنظام الديكتاتور باتيستا.في تلك الفترة لم يكن كاسترو ماركسيا ولا لينينيا وإنما كان ديمقراطيا على الطريقة الأميركية: أي على طريقة توماس جيفرسون كاتب الدستور الأميركي وأحد الآباء المؤسسين للنظام الجمهوري الديمقراطي.
وكان يدعو آنذاك إلى التعاون بين الرأسمال والعمل: أي بين الرأسماليين والبروليتاريين من أجل تقدم المجتمع وازدهاره وتنميته. وفي عام 1959 صرح لوسائل الإعلام الأميركية بأنه إذا ما وصل إلى الحكم يوما ما فلن يؤمم الشركات والمصانع أبدا. ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1956 ذهب كاسترو مع أعوانه إلى شواطئ كوبا سرا، وكان ذلك في الثاني من شهر ديسمبر، وكان معه اثنان وثمانون محاربا من بينهم تشي غيفارا.
ولكن في اللحظة التي نزلوا فيها على شواطئ الوطن الحبيب كانت قوات باتيستا في انتظارهم! وجرت المعركة بين الطرفين غير المتكافئين ولم ينج من جماعة كاسترو إلا اثنا عشر شخصا من بينهم غيفارا وكاسترو وأخوه راؤول. فاعتصموا في إحدى المناطق الوعرة من أجل قيادة حرب المغاوير ضد قوات الدكتاتور باتيستا.
وارتكب هذا الأخير خطأ إستراتيجيا لأنه لم يجبر كاسترو وجماعته على إلقاء أنفسهم في البحر بعد محاصرتهم من كل النواحي.ثم ازدادت قوات كاسترو عددا وعدة بمرور الزمن وأصبحت واثقة من نفسها أكثر فأكثر. وقد استطاعت عن طريق هجوم ثوري مباغت أن تحتل ثاني مدينة في البلاد. وكان ذلك عام 1958.
وفي 31 ديسمبر من عام 1958 أحس باتيستا بالخطر وأن أيامه أصبحت معدودة فهرب من كوبا وفي جيبه 40 مليون دولار، وهو مبلغ محترم في ذلك الزمان، وكله مسروق من الخزينة العامة، أي من عرق الشعب الكوبي. ثم هرب بالطائرة إلى إسبانيا حيث لجأ إلى دكتاتور أكبر منه هو: فرانكو. وفي ذلك الوقت بلغت شعبية كاسترو ذروتها، ودخل العاصمة فاتحا على رأس قواته، وكان يبدو آنذاك قائدا ديمقراطيا ومعتدلا. كانت له صورة أخرى غير الصورة التي نعرفها لاحقاً.
وبعدئذ عرف كاسترو أن القوة السياسية الوحيدة المنظمة في البلاد هي الحزب الشيوعي الكوبي. ولذلك تحالف معه من أجل توطيد سلطته في البلاد . ثم وعده بتأميم القطاعات الاقتصادية الأساسية في البلاد وبخاصة قطاع صناعة السكر وقطاع الطاقة. وبعد أن وعد كاسترو القوى السياسية الكوبية بتنظيم انتخابات ديمقراطية حنث بوعده وألغاها.
وأصبح يحكم كوبا بيد من حديد بعد أن ذاق طعم السلطة وأغرته ممارستها. ثم قام بجملة من تصفيات ضد قوى الجيش والأمن والشخصيات التي حاربته عندما كان لا يزال في المعارضة. وكان الهدف منها إرهاب الجميع ومنع أي جهة من التفكير بالانقلاب عليه. ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: والشيء الغريب الذي نسيه الناس هو أن كاسترو كان مرضيا عليه في الولايات المتحدة آنذاك.
والواقع أن واشنطن اعترفت بنظامه فورا وبسرعة شديدة. ولكن المشكلات ابتدأت بين الطرفين عندما قام كاسترو بتأميم الشركات الأميركية العاملة في كوبا. وعندئذ طلب الرئيس ايزنهاور من نائبه ريتشارد نيكسون أن يقابل كاسترو لمعرفة فيما إذا كان شيوعيا أو أصبح تابعا للاتحاد السوفييتي.
وبعد اللقاء قدم نيكسون تقريره إلى سيد البيت الأبيض قائلا إن كاسترو شخص ساذج ولكنه ليس شيوعيا. ولكن الأيام كذبته وخيبت آماله، وكانت النتيجة أن أصبح زعيم الثورة الكوبية أكبر عدو للولايات المتحدة الأميركية. والغريب العجيب هو أنه استطاع تحديها والبقاء في السلطة كل هذه الفترة الطويلة على الرغم من أن كوبا لا تبعد عن شواطئ فلوريدا إلا أميال معدودة...
* الكتاب:فيديل كاسترو
*الناشر:بوليتي ـ نيويورك - لندن 2006
*الصفحات: 464 صفحة من القطع الكبير
Fidel Castro
Volker Skierka
Polity- New York- London 2006
p. 464

