أجرى فيل هوغان المحرر الثقافي بصحيفة «الأوبزرفر» اللندنية هذه المقابلة مع الروائي الأميركي ريتشارد فورد بمناسبة صدور روايته «انعطاف الأرض» التي تشكل الجزء الثالث والأخير من ثلاثية بيسكوم التي استغرق الروائي عقدين من الزمان للانتهاء من كتابتها. ويلقي فورد في المقابلة الضوء على الرواية والثلاثية وما يعنيه الإبداع الروائي بالنسبة له، ويشدد على أن الرواية في تقاليدها الأدبية الراقية هي، خلاف لما يتصوره الكثيرون، ملاذ للنزوع إلى التفاؤل والاقتدار في الانجاز. وفيما يلي نص المقابلة:

بذل الروائي الأميركي ريتشارد فورد جهداً مكثفاً، واستغرق وقتاً طويلاً في انجاز كتابه الجديد، الصادر مؤخراً، بحيث أنه لا يتردد في القول إنه لن يكتب أبداً شيئاً بمثل هذه الضخامة، لا عن شخصيته بطل ثلاثيته فرانك بيسكوم ولا عن أي شخص آخر. وهو يقول في هذا الصدد: «لن أكتب أبداً رواية أخرى تضم في صيغتها المطبوعة قرابة خمسمئة صفحة. وليس مرد ذلك إلى أنني أعتقد أنني عجوز وفاتر الهمة وأنا في الثانية والستين من عمري، وإنما لأنني لا أرغب في القيام بذلك، فقد كتبت مافيه الكفاية».

وقد شهدت الرواية الأولى في الثلاثية، وهي بعنوان «المحرر الرياضي» تقديم أسلوب نثري ثعباني، تأملي، شكل مفارقة بارزة لقصص فورد الأولى، التي تدين بالكثير للأعراف النثرية المشدودة والمختزلة التي قدمها همنغواي أو فولكنر. وقد بدا أن فورد قد اكتشف في فرانك بيسكوم ما يزيد على شخصية، لقد اكتشف صوتاً لكل شيء أنجزه منذ ذلك الحين. فهل كانت تلك هي اللحظة التي هتف فورد فيها قائلاً: وجدتها؟! يقول فورد إن الأمر كان بالنسبة له شبيهاً بذلك .

ويضيف: كنت محبطاً، وعملت بجد، وحسبت أنني قمت بتأليف كتابين جيدين، ولم يرد أحد أن يقرأهما بلهفة. وحدثت نفسي بأنني بحاجة إلى تحسين ما أقوم به وإلى العمل بمزيد من الجد على ما أعكف على انجازه، وكنت حقاً بحاجة إلى الارتفاع بمستوى المشروع الماثل بين يديَّ. وقد أمضيت الجانب الأعظم من عام بكامله في مجرد التخطيط ومراكمة المادة، بحيث أنني عندما أنغمس في هذا الكتاب، أي «المحرر الرياضي» فإنني لن أجد نفسي عاجزاً عن الاستمرار فيه. وكنت أعرف أنني إذا انتهيت منه ولم يكن موفقاً فإنني سأكون في موقف دقيق وصعب للغاية. وستكون تلك هي النهاية.

وقالت لي وكيلتي الأدبية أماند إيربان: فورد، إذا لم ينجح هذا العمل، فستكون تلك نهايتك. وربما أخافني هذا القول الذي صدر عنها.

ولم أحدث نفسي بأنني سأموت إذا لم ينجح هذا الكتاب، ولكنني سأضطر إلى التخلي عن احساس وظيفي تشبثت به طوال خمسة عشر عاماً. وتعين عليّ جعل هذا الكتاب جيداً كأقصى ما يمكنني انجازه». ويتابع فورد: إن الصوت الذي برز في غمار هذا الجهد كان صوتاً: «راشداً، وجاداً، وواثقاً فيما يتعلق بما يتحدث عنه» وقد ولدت شخصية فرانك بيسكوم من جراء ذلك الجهد.

ولم تكن هناك خطة لكتابة جزء ثان لرواية «المحرر الرياضي»، ولكن عندما كان فورد يقوم بتجميع المادة لروايته التالية، كانت شخصية فرانك هي التي تشغل باله، وهي التي تتحدث. وكانت جمله الاستكشافية الممتدة هناك في الكراسات التحضيرية التي يعمل فورد من خلالها. الروايات الثلاث تربطها علاقة هيكلية، توالدية، فهي في مجملها يجمعها أن كل رواية منها تغطي يوماً واحداً أو يومين في صحبة رجل عادي لديه أمور يتعين عليه القيام بها، مهام مهنية ينبغي أن يقوم بها، صديقة يتعين أن يقابلها، رحلة برية عليه الانطلاق فيها، ولكنه ليس على تلك الدرجة من العادية، ومن خلال تأملات فرانك يتدفق طوفان أميركا ذاتها ويوسع نطاق الغرض من الكتاب إلى حد الانفجار.

وعندما نلتقي فرانك للمرة الأولى فإنه يكون قد تخلى عن كتابة الروايات ليعيش حياة أقل تعقيداً، أولاً كمحرر كادح في مجلة رياضية ثم لاحقاً كوكيل عقاري. ورداً على سؤال لفورد عما إذا كان قد أعطى فرانك خلفية أدبية ليجعل الجانب الفكري فيه أكثر قدرة على الاقناع، يقول: «كنت مصمماً على عدم تأليف كتاب يدور حول كاتب، ولكنني كنت بحاجة إلى جعله مقنعاً باعتباره شخصية تميل إلى التأمل. ومع صوت فرانك الذي يواصل الحديث، والذكاء الذي يفترضه هذا الصوت ضمناً، فإنه يستطيع نقل الشحنة الثقافية المطلوبة إلى القارئ.

ولو أنك قابلت فرانك في الحياة اليومية، لو أنه باعك داراً، فإنه لن يبدو لك كهذا الشخص الذي تلقاه في الصفحة، حيث أنه سيبدو شخصية لا أهمية لها، غارقة تماماً في همومها، ولكن لأنه شخصية روائية فإنه يقوم بما تقوم به الشخصيات الروائية، بحكم أنه لديه حياة فكرية وعاطفية أكثر مما لدى البشر العاديين، ومن ثم فإنه يصبح شخصية استثنائية».

لكن فورد، بعد الانتهاء من هذا القول، يبادر إلى إيضاح أنه لا يرى أن هناك تضارباً فيما يتعلق بفكرة وكيل عقاري يميل إلى التأمل، ويقول: «إن رؤيتي، وهي نوع من الرؤية الإنسانية، التقدمية، المفعمة بالأمل، قوامها أن أي شخص منغمس في تفاصيل حياته، سواء أكان عاملاً في السكك الحديدية أو حفاراً للأنفاق أو أياً كان عمله، لديه ما يقدمه لنا ما يفوق ما نعتقد أن بوسعه تقديمه. فمن نحن لكي نقول إن شخصاً يعمل في السكك الحديدية لن يحظى بحياة داخلية ثرية؟ إن الاعتقاد بأنه ليست لديه مثل هذه الحياة يبدو لي انعكاساً للنزوع إلى التشكك في البشر».

الرواية الأدبية الراقية هي ملاذ مدهش لنزعة التفاؤل الواضحة وللاقتدار، ولكن تلك الصفة هي على وجه الدقة إحدى الخصائص التي يعتمد عليها فورد في الوصول برواياته إلى ذروة مبيعاتها. فيما يتعلق بروح الريادة لدى فرانك، بطل ثلاثية فورد، يقول الروائي الأميركي: «إن موضوعة التأقلم مع مكان جديد ومحاولة دفع نفسك إلى الاستقرار في مكان لا يعرفك أحد فيه هي موضوعة دراماتيكية بصفة أساسية.

وفرانك ليس هناك لكي يحظى بموافقة الآخرين أو ليجدوه منسجماً معهم دوماً، وهذا لا ينطبق على أي منا، وإنما ليكون استفزازياً أو قادراً على الاقناع، لكي يرضيك بعقليته التي لا تكف عن التساؤل، وأنت قد تبادر إلى الابتعاد عنه، محدثاً نفسك بأن موقفه يجافيه الصواب، ولكن في غمار ذلك فإنني آمل أن ما لن تفعله هو أن تقول إن هذا الكتاب مجرد هراء». وأبادر إلى سؤال فورد أخيراً عن قصة سمعت بها، مفادها أن أحد الناشرين بعث له ذات مرة بمخطوطة رواية لكي يقرأها ويبدي موافقته على نشرها من عدمه، وأنه قد أعاد المخطوطة إلى الناشر وقد أحدثت رصاصة ثقباً فيها.

يضحك فورد لدى سماعه هذه القصة، ويقول: «لقد بعثوا ليَّ مخطوطاً أنجزه كاتب كان قد نشر عرضاً سلبياً للغاية لروايتي (المحرر الرياضي). وقد كانت زوجتي هي التي مضت بالمخطوطة إلى الفناء، وأطلقت عليه رصاصة من مسدس، ثم من خلال مصادفة ما بعث إليَّ شخص آخر بنسخة ثانية من المخطوط نفسه. وقد كان أمراً مرضياً للغاية بالنسبة لي أن أشاهد زوجتي وهي تطلق النار على المخطوط الأول إلى حد أنني مضيت بالمخطوط الثاني إلى الفناء وأطلقت النار عليه بدوري.

والمخطوط محفوظ الآن على رف في مكتب أحد المحررين بدار الفريد نوف للنشر في نيويورك وقد توسطه ثقب بفعل الرصاصة». يبتسم فورد، وهو يقول إنه لا يستطيع تذكر عنوان هذا الكتاب، ولكن الرصاصة من عيار 38,0 تركت في المخطوط أثراً واضحاً للغاية. محطات في حياة فورد* ولد الروائي الأميركي ريتشارد فورد في جاكسون بولاية مسيسبي عام 1944 وتخرج في عام 1966 من جامعة ولاية ميتشغان، وحصل على درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة كاليفورنيا في 1970.

* أصدر مجموعتي قصصه «منتهى الحظ الطيب» و«قطعة من قلبي» قبل أن يتوقف عن الكتابة الإبداعية، ويعمل في الصحافة الرياضية في مجلة «إنسايد سبورت» وذلك حتى توقفها عن الصدور في عام 1982. وفي ضوء عدم تقديم مجلة «سبورتس إلستريتد» موقعاً مقبولاً في صفوف العاملين بها لفورد، فقد عاد إلى كتابة الرواية. * أصدر في عام 1986 رواية «المحرر الرياضي» التي شكلت الرواية الأولى في الثلاثية، واختارتها مجلة «تايم» واحدة من أفضل خمس روايات.

* في عام 1994 تلقى جائزة ريا الأدبية عن مجمل مساهماته في القصة القصيرة. * وصلت مسيرته الإبداعية إلى ذروة رفيعة في عام 1995 مع إصدار الرواية الثانية في الثلاثية بعنوان «عيد الاستقلال» والتي نال عنها جائزة بوليتزر وجائزة فولكنر، لتكتمل الثلاثية بإصدار روايته «منعطف الأرض» مؤخراً.