بكلمة (نصّ) المثبتة أسفل العنوان على غلاف الكتاب، يحاول محمود درويش أن يبعد قارئه عن حيرة التصنيف، ليتعامل مع المادة المكتوبة كلحظة تخطّ للحدود بين الجنسين الأدبيين اللذين تمايزا بنائياً مع بداية انفكاك الأجناس ما بين العالم القديم والعالم الجديد بثقافتيهما وآليات تفكيرهما. وبهذا المعنى، فإن نصّ «في حضرة الغياب» أشبه بالعودة إلى الوراء بضع خطوات، ليسافر في زمن الملحمة وأبعادها الرمزية والتراجيدية، على اعتبار أن الملحمة مازالت تعتبر الأرضية المشتركة التي ينطلق منها الأدب وخصوصاً في شكله الروائي، وهي إلى ذلك مازالت حاضرة في الوجدان الجمعي بكلّ غناها البنائي والدلالي.

إنها تجربة جديدة تستعيد الموروث السومري وربّما رحلة جلجامش تحديداً من ناحية بنائية النصّ، حيث يتناوب السرد والشعر على تقديم الحكاية بالشكل الذي وصل إلينا. السرد الجميل الناهض على بنية حكائية سيرية سيمنح الشاعر إمكانية التحرر من ضغوطات الجملة الشعرية الغنائية بأوزانها وتفاعيلها وإنشائيتها المأثورة عنه، وربّما نحو شكل وأسلوب قصيدة النثر، سيما وأن البنية السردية هنا تنهل من معين السيرة الذاتية لشاعر مبدع ومثقف مشهود له بقراءاته الواسعة وبتمثّله للتراث الإبداعي العربي والإنساني، وتنهل من معين سيرة الشعب الفلسطيني، وفلسطين التي استباحها الليل فبعثر سكانها في المنافي.

وإذا كان النص الملحمي تنهض بنيته على المزاوجة ما بين السرد والشعر في لغة خاصّة، فإن نصّ محمود درويش ينهض بدوره على فعل السرد وفي لحظة درامية قدرية مشابهة، ونعني بالقدرية هنا: صراع البطل أو البشر مع القوى الغامضة والمصائر التي ستنجم عن هذا الصراع غير المتكافئ في زمن واضح ومعلوم، هو الزمن الحديث، وليس زمن الملاحم والأساطير، ولكنه مع ذلك يشبهه كلّ الشبه من حيث منطق القوّة وممارسة العنف، واستعباد أو تهجير الشعوب بفائض من القوّة والغطرسة بدعوى الحقّ الإلهي.

ومن هنا، فإننا لا نميل نحو الآراء المعرّفة للنصّ بأنه نصّ رثائيّ اعتماداً على تصدير الشاعر لكتابه ببيت مالك بن الريب:

يقولون لا تبعد وهم يدفونني وأين مكان البعد إلاّ مكانيا

ومعروف أن مالك بن الريب هو أوّل شاعر في التراث العربيّ عانى من الاغتراب فرثى نفسه قبل الموت، ولكن شتّان ما بين النصّين سواء في البنية النصّية أو في المضامين المنشودة، فقصيدة ابن الريب غنائية رثائية بسيطة، بينما نصّ محمود درويش سيرتقي بموضوعة الاغتراب أو الغياب إلى أبعاد تراجيدية وملحمية توضّح آثاره المختلفة على الذات الإنسانية المبعدة عن أرضها قسراً، وفي رؤية فلسفية تدرك مقدار العطب الذي أصاب ضمير الإنسانية، فتعبّر عن كلّ ذلك خير تعبير.

وإلى ذلك لا يمكننا اختزال موضوعة الغياب في الجانب الذاتي للشاعر وخصوصاً في هذا النصّ المركّب، وإنما في أسباب هذا الغياب، وفي آثاره المدمّرة لذوات شعب أقصي عن أراضيه ومدارج طفولته قسراً، وبالتالي فإن ارتباط الخاص بالعام سيكون هنا ضرورة بنائية ووجدانية أيضاً، بينما في الجدارية قصيدته الطويلة المعروفة، كنا التمسنا هذا الشعور المتزايد بلحظة الغياب ذاتياً، بمعنى غياب الجسد وفنائه فراح الشاعر يواجه الموت بمزيد من الكتابة،

وقلنا: إن محمود درويش مثله مثل جلجامش مغبون بهذه المعادلة العمرية المكتوبة على البشر، وربّما هو يحتاج عمراً إضافياً، أو عمرين لكي يواظب على صياغة ملحمته الخاصّة وتأريخ اللحظة فنياً، ولكنه من البشر وقد حكمت الأقدار أن يعيش فترة محدودة من الزمن، ولذلك فإنه سوف يتصدى للموت بمزيد من الإبداع لتغدو أعماله الشعرية بمثابة القلعة الصامدة بوجه الموت لآلاف من السنين القادمة تماماً كملحمة جلجامش.

ومن هنا فإننا نظنّ أن الاستهلال الذي تحدث عن موت الجسد في النصّ الجديد، إنما هو لغرض بنائي بحت، بحيث يتمكن الكاتب السارد من السيطرة على الخطاب وتوجيهه الوجهة التي يشاء من حيث المقارنة، على نحو خاص، بين الجسّد المعطّل والذات الشاعرة الذي ظلّت حاضرة وبكامل وعيها، لتسافر بنا خفيفة كنسمة في ممالك اللغة الفيّاضة بإبداعها الخاص ذي النكهة الدرويشية إياها؛ النكهة التي تدوم طويلاً حتى بعد الانتهاء من قراءة الكتاب. سنقرأ عن محمود درويش الطفل الذي ولد في قرية صغيرة وعن حياة الأهل فيها، وعن الطبيعة الأم الحاضنة والمعلّمة، فيتعامل مع مفرداتها مبكراً: الخضرة والفراشات أو (المشاعر الطائرة) والثعالب والذئاب والضباع وفوق كلّ هذا عوالم الضوء وطيوفه المدوّخة.

عن بدايات الوعي الأوّل بهذه المفردات، وعن بداياته الأولى في رحلة الحروف التي منها ستتوالد اللغة بسحرها الخاص ورموزها التي تفاعلت مع مخيلة طفل استهوته لعبة الخيال والمجاز، فراح عبر تجميع الحروف إلى بعضها يكوّن عوالم حقيقية، «يحكّ حرفاً بحرف فتولد نجمة، يقرّب حرفاً إلى حرف فيأتيه صوت المطر»، ومنذ تلك اللحظة الموغلة في الصفاء والنقاء سيولد الشاعر، وتبدأ مسيرة الزهر والثمر، حيث كلّ الحروف باتت طوع بنانه وباتت جاهزة لاستقباله استقبال الفاتحين.

واليوم إذ يضيء الشاعر ما تبقّى من سيرة ممالكه التي سرقت منه مبكراً، كما سرق منه عمره بفعل الاحتلال الصهيوني لبلاده، وحرمانه من التعايش مع هذه اللحظات المثيرة من التعايش الأمثل مع الحاضنة الأولى والناس في الزمان والمكان الأصليين، سوف يتساءل بكلّ براءة الطفولة عن سبب هذا الإقصاء القسري، وعن معنى كلمة لاجئ.

وسرعان ما تحتل الظلمة بقاعه النيّرة، ظلام يخيّم بدءاً من الفصل الخامس، ليسافر بنا في رحلة التيه، حيث تصبح الأشجار عمياء بلا أسماء وبلا ظلال «كأن الموت الذي لم يعرفه بعد ينصب فخاخه بسرية كبيرة»، وسيعبّر عن ذلك قائلاً: «وخيّل إليك أن الليل هذا هو خباء الموت الواسع، وأنت تمشي أو تزحف أو تقفز كالجندب في برية الذئاب الخالية من المارة، وخيّل إليك أن الضوء من نجمة شاردة أو من سيارة بعيدة ، هو أحد الأدلاء السريين لصاحب هذه البريّة، وعليك إذا لاح الضوء من بعيد أن تتخذ هيئة شجرة واطئة أو صخرة صغيرة، وأن تحبس أنفاسك لئلا يسمعك الضوء الواشي».

وربّما الفكرة المحورية تتكثّف هنا في تساؤل الشاعر: من أنت في هذه الرحلة؟ أشاعر طرواديّ نجا من المذبحة ليروي ما حدث، أم خليط منه ومن إغريقيّ ضلّ طريق العودة؟ في إشارة إلى عودة أوليس الذي شاخ وهو في طريق عودته إلى دياره وزوجته وأولاده. وهكذا فإن التساؤل سوف يعيدنا إلى الملحمة من جديد والحبكة السردية البطولية للشاعر وهو يجتاز العقبات التي واجهته خلال مسيرة العودة إلى الحاضنة، ولكنها إلى ذلك ليست سيرة تفاصيل وتواريخ، وإنما أشبه بالومضات المشهدية المنتقاة على طريقة التقطيع المشهدي السينمائي لرصد رحلة التيه وآثارها المدمّرة،

ومن ذلك وعلى سبيل المثال مشهد الطرقات التي يسير فيها المنفيون: طريق يعلو ويهبط، يتموّج ويتعرّج ويطول، ويتفرّع إلى طرق لا حصر لها، ولا نهاية تجتمع بالبداية؟ ونجونا من موت كثير، وهزمنا النسيان، وقلت ليك نحن ننجو ولا ننتصر، وقلت لك: النجاة هي انتصار الطريدة الممكن على الصياد.. وسال دمٌ غزير على السواحل والصحارى.. دمٌ فاض عن حاجة الاسم إلى هوية، وحاجة الهوية إلى الاسم.

وهذه المأساة لا ترتبط بالحاضر أو في ماضٍ قريب، وإنما تتوغّل إلى الماضي البعيد، نحو البدايات الأولى للصراع وأسطورة «الأرض الموعودة» التي انبنت على أكذوبة صدّرها الغزاة الأوائل، وما زالت حاضرة في زماننا، ومازالت تسعى لإلغاء الشعب الفلسطيني من التاريخ والوجود، ولكنه على كلّ حال شعب أبيّ، ينهض من الرماد بعد كلّ موت كطائر الفينيق، حتى أن العدو أصابته حمّى الخوف من كلّ هذا الموت الذي راح يطارده حيثما حلّ وارتحل: «صرنا شبح القتيل الذي يطارد قاتله في النوم واليقظة وفي ما بينهما، فيضطرب ويكتئب ويشكو من الأرق ويصرخ: ألم يموتوا بعد؟ كلاّ فقد بلغ الشبح سنّ الفطام وسنّ الرشد وسنّ المقاومة وسنّ العودة».

وعلى هذا النحو سنتابع الكثير من المشاهد البصرية للمجازر التي ارتكبت بحقّ هذا الشعب المهجّر بدءاً من دير ياسين إلى صبرا وشاتيلا إلى السفن التي نقلتهم من لبنان في رحلة أوليسية جديدة نحو تونس، نظراً لأن الآلهة القديمة ذاتها اجتمعت وقررت إعاقة رحلة العودة إلى الديار، وهكذا ستبدو الحياة أشبه بعبث شيطاني مدمّر لذات المنفيّ الذي باتت العودة إلى الحاضنة الأولى بمثابة العودة إلى الفردوس ذاته، والذي لن تعوّضه أية ممالك بديلة حتى ولو كانت باريس التي وصل إليها الشاعر وعاش فيها.

ومن هنا فإننا سنلحظ أنه خصّ موضوعة الحنين في المنفى بفصل كامل، كحنين أوليس إلى إيثاكا الذي فسّره ميلان كونديرا فلسفياً ونفسياً في روايته (الجهل)، ليطرح في ختامها سؤالاً مهماً عن وجه التشابه بين «عودة» المهاجرين وعودة «أوليس» في الأوديسة، وهو سؤال ضروريّ، فالكلّ يحن إلى الحاضنة الأمومية، والبعض مثل «أوليس» جاهد في البحر عشرين عاماً كي يعود إلى إيثاكا، فما هي نتائج هذا الشوق على الصعيد الشخصي لأوليس وشاعرنا؟ وهل ثمة تشابه بين اللحظتين؟

رؤية كونديرا تتلخّص في فقدان شخوصه للذاكرة. حيث كلّما اشتدّ الحنين كلّما فرغوا أكثر من ذكرياتهم: «كلّما كان أوليس يزداد نحولاً كلّما ازداد نسيانه، لأن الحنين لا ينشّط الذاكرة، لا يبعث الذكريات، يكتفي بذاته، بعاطفته، يمتصّه..» أما رؤية محمود درويش فلا تختلف عمّا طرحه كونديرا من حيث الجوهر وربّما هي أعمق، إذ إن حنين المنفيّ يكون انتقائياً في الغالب، يتشبث بالجميل ويتناسى غير الجميل: «هو اختصاص الذاكرة في تجميل ما احتجب من المشهد»، والحنين لا يولد من جرح، وليس ذكرى، بل هو ما ينتقى من متحف الذاكرة.

ومن هنا فإن العودة إلى الحاضنة بعد ثلاثين أو أربعين عاماً وفي شروط الاحتلال ستكون بمثابة انتكاسة كبيرة لأولئك الحالمين بفراديسهم التي طالها التغيّر، فلم يعد المكان هو ذات المكان الذي يتذكّره المنفيون، ثمّ أورثوا أولادهم هذه الذكرى خوفاً من النسيان، والعدو الذي أقصاهم كلّ هذه السنين عن ديارهم، مازال موجوداً في سائر غرف المنزل ما عدا غرفة النوم التي تخلّى عنها بعيد الاتفاق الشهير: الاحتلال خرج من غرفة النوم، ولكنه يجلس في الصالون وفي سائر الغرف، يتحكّم بحنفية الماء وزرّ الكهرباء وزرقة البحر... ولكن لم كلّ هذا الصخب الاحتفالي الكاذب الذي يخدّر العالم بالصور، وأين أصوات القتلى السابقين والجدد، ثمّ ماذا بإمكان الشعر أن يفعل أمام جرافة التاريخ؟

عزت عمر

*الكتاب: في حضرة الغياب

*الناشر:رياض الريّس للكتب والنشر ـ بيروت 2006

*الصفحات:186 صفحة من القطع المتوسط