مؤلف هذا الكتاب هو الشاعر والناقد العراقي محمد جواد الغبّان الذي ينحدر من مدينة النجف نفسها التي ينحدر منها الجواهري. تلقى تعليمه في هذه المدينة المقدسة، ونشأ في أحضان أسرة تهتم بالعلم والفقه وعلوم اللغة، شأن أغلب الأسر النجفية، فقد كان والده عبد الكاظم الغبّان شاعرا، وكذلك خاله محمد علي اليعقوبي، وهو وجد نفسه يميل إلى الشعر أكثر من أي شيء آخر، وقاده هذا الاهتمام إلى إصدار عدة كتب تتعلق بالشعر، فقد صدر له كتاب «المعارك الأدبية حول الدعوة إلى تحرير المرأة في الشعر العراقي المعاصر».
وكذلك اصدر مجلدا في أربعة أجزاء تحت عنوان «مختارات الغبان من ديوان الشعر العربي»، وهو معجب إلى حد بعيد بشاعرين كبيرين هما المتنبي كشاعر قديم، والجواهري كشاعر معاصر، وكتابه «الجواهري..فارس حلبة الأدب» يأتي كنتاج لإعجابه بهذا الشاعر، وصداقته له، وقناعته بان الجواهري، ورغم الدراسات الكثيرة التي صدرت عنه، غير انه لم يأخذ حقه من الاهتمام، فمنجزه الشعري الوافر يحتاج إلى إعادة القراءة بصورة مستمرة.
ثمة دراسات كثيرة تناولت شعر الجواهري (1901 ـ 1997)، وسعت إلى قراءة تجربته الشعرية الفريدة التي امتدت لسبعين عاما، فالجواهري الذي عاش ستة وتسعين عاما بدأ بنظم الشعر قبل بلوغه العشرين، ولم يهجر القصيدة حتى أيامه الأخيرة، وهو وخلال هذه التجربة الطويلة، أبدع شعرا غزيرا وعميقا، وكان هذا الشعر حافزا للنقاد ليقولوا فيه كلمتهم، وتكاد الدراسات تجمع على أن الجواهري هو آخر الشعراء الكلاسيكيين العرب،
وقد لقب بـ «صنّاجة العرب»، و«شاعر العرب الأكبر»، وتشيد هذه الدراسات بعبقرية الجواهري كشاعر نجح، من ناحية الأسلوب، في السبك والنظم والقول الجزل المحكم، ونجح، من ناحية المضامين، في مقارعة الاستبداد والقمع والتسلط، ومناصرة المظلومين والبسطاء، ففي كل مناسبة شهدها العراق والعالم العربي على امتداد القرن العشرين كان للجواهري موقف منه يعبر عنه بالشعر، حتى كاد شعره أن يصبح «ديوان العرب في القرن العشرين».
تندرج دراسة محمد جواد الغبان ضمن هذا الإطار الساعي إلى قراءة تجربة الجواهري الشعرية، وما يميز هذه الدراسة هي أنها، وفي جزء كبير منها، تنطلق من تجربة ذاتية شخصية، لا من المصادر والمراجع ونظريات النقد الأدبي، فالغبان مؤلف الكتاب ينحدر كالجواهري من بيئة النجف، وهو بدوره شاعر، وعلاوة على ذلك كان على صلة وثيقة بالجواهري، وهذه الصلة أتاحت له أن يوثق هنا الكثير من الذكريات التي جمعته بالجواهري،
ومن خلال قراءة الكتاب نكتشف، دون عناء، أن الغبان كان متابعا لتجربة الجواهري منذ بدايتها الأولى في النجف، وحتى رحيله في دمشق أواخر التسعينات، ولئن فرّقت بينهما الأيام، بسبب مغادرة الجواهري للعراق في نهاية السبعينات، غير أن الغبان بقي على تواصل مع صديقه، وكان مهتما بكل ما يخطه الجواهري، وهذا الاهتمام اللافت وفّر له مادة توثيقية أغنى بها كتابه، ومهد له أرضية خصبة كي يغوص في العالم الشعري للجواهري، فارس حلبة الأدب بحسب وصف الشاعر له، علما أن «حلبة الأدب» هو اسم أول ديوان صدر للجواهري في العشرينات، وفيه يرد على كبار الشعراء وهو لم يزل شابا فتيا.
يصغي الغبان في هذا الكتاب إلى أصداء الماضي، وهو يفتح دفاتر الذاكرة المتدفقة فيعود إلى سنوات الخمسينات، والستينات حين كان رفيقا ملازما للجواهري في سهراته مع الشعراء والأصدقاء في بغداد، ويدرج في الكتاب جانبا من تلك الجلسات واللقاءات التي كانت تتمحور حول الشعر والفنون والفكر، وهو إذ يعود إلى تلك السنوات الحافلة بالتحولات السياسية الجذرية، والإرهاصات الفكرية الحديثة، فانه يشير إلى «أن الجواهري متواضع إلى ابعد حدود التواضع، في مجالسه مع جلسائه، حتى مع المبتدئين والشداة من الحاضرين، ليس في حديثه تعال،
وليس في سلوكه كبرياء، وليس في نفسه غرور، بل أنك لابد أن تلاحظ حين تجالسه، أنك أمام إنسان عادي لا يميزه شيء عن الحاضرين، مع أنه العملاق العظيم الذي يتميز بكل شيء، فحيثما جالسته فانك تجالس ذلك الإنسان الوديع، الهادئ المزاج والطباع، الرقيق النبرات والتعبيرات والملامح، يجلس معك على سجيته، ويتحدث معك ببساطة وعفوية، ويستمع إليك على السجية من غير ما تصنع أو تكلف»، ويلاحظ الغبان بان الجواهري «كان يمتلك حافظة عجيبة ونادرة ومذهلة، فهو يحفظ عن ظهر قلب عشرات القصائد، ومئات المقاطع، وآلاف الأبيات من الشواهد والنوادر والأمثال».
واللافت في الدراسة هو أن الغبان يصر في معظم صفحات الكتاب على تشبيه الجواهري بالمتنبي، فكلاهما ـ على حد قناعته ـ «ملأ الدنيا وشغل الناس»، ولعل اكثر جوانب الشبه بين الشاعرين الكبيرين ـ كما يرى الغبان ـ يتمثل في مسألة الاعتداد بالنفس، والانا المفرطة لديهما، والقلق الذي كان يغلي في دواخلهما، والطموح الذي لا يعرف الحدود الذي كان يقودهما نحو العظمة والتمرد والتفوق، ويحاول الغبان إيراد شواهد من قصائد الشاعرين كي يثبت وجهة نظره هذه،
وهو يشير في هذا السياق إلى فرضية لم يشر إليها أحد من قبل، فيقول بان الجواهري ظهر بعد المتنبي بألف عام، ويستنتج بان شعراء عظام من مستوى المتنبي والجواهري لا يظهرون إلا كل ألف عام، ثم يتساءل: هل سيحتاج الأمر لألف عام كي يظهر شاعر في العالم العربي بقامة الجواهري أو بقامة المتنبي.
وتطغى على الدراسة تلك النبرة الوجدانية المؤثرة، فالغبان لا يستطيع التجرد من عاطفته الشخصية، ولا يستطيع نسيان صداقته مع الجواهري، فهو ينطلق من هذه الأرضية ليرسم صورة ناصعة نظيفة، متألقة للجواهري إذ يمدحه بلا حدود، ويوجه له كلمات الإطراء دون حساب، ولئن كان هذا الإطراء، وذاك المديح دقيقا، ويليق بشاعر كالجواهري، إلا أن تكراره، والإصرار عليه ينأى بالدراسة، قليلا، عن الجانب النقدي، ففي جميع صفحات الكتاب لا نسمع رأيا ينتقص قليلا من مكانة الجواهري، فكل ما يكتب يكون مدحا بسخاء يعبر عنه العنوان: «الجواهري...فارس حلبة الأدب»، ويكرس هذا الوصف عبر صفحات الكتاب.
لا أحد، بالطبع، له الحق في أن يصادر رأي المؤلف تجاه الجواهري وشعره، ولكن هذه النبرة المبالغة في المدح تضعف قليلا منهجه النقدي، وتخلق انطباعا بان الغبان أراد من وراء هذا الكتاب أن يرسم صورة للجواهري لا تشوبها شائبة، وهو نجح في ذلك إلى حد بعيد لكن كان في مقدوره أن يشير كذلك إلى بعض مواقع الخلل في بعض القصائد لدى الجواهري أو على الأقل في بعض الأبيات التي نراها عادية، وبمعزل عن إطلاق الأحكام الحاسمة، فان الرأي الموضوعي يقول بان الجواهري هو واحد من ألمع الشعراء العرب،
وهو دافع عن قصيدة العمود في وقت كان المزاج الشعري يميل نحو شعر التفعيلة والنثر، ولئن استطاع هذا الشاعر أن يهز وجدان القارئ العربي بشعره العمودي فان هذا يؤكد بان السجال القائم بين من يدافع عن الشعر العمودي، وبين من يدافع عن قصيدة النثر ما هو إلا سجال مجاني، عقيم، فمقياس الشعر هو الإبداع لا التصنيفات الشكلية التي تؤطره ضمن هذا القالب أو ذاك.
كتاب الغبان بهذا المعنى هو بمثابة تحية حارة لشاعر استطاع أن يرسم بالقصيدة مسار الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية في العراق والعالم العربي خلال القرن العشرين، ولعل الغبان لا ينكر هذا المنحى الاحتفائي لكتابه، بل هو يؤكد على هذا المنحى إذ يدرج في نهاية الكتاب قصيدة مؤلفة من مئة بيت كتبها الغبان كرثائية للشاعر الكبير والصديق الوفي الجواهري، وهو يتساءل، بحرقة، في مطلع قصديته مخاطبا الجواهري: أترى لواء الشعر بعدك يخفق/ويجيء من يسمو به، ويحلِّق. ولعل مطلع القصيدة، هذا، يختزل فحوى الدراسة التي تناولت شعر الجواهري من زاوية خاصة قريبة جدا من قصيدة الجواهري، وصادقة في مقاربة عوالم أحد أعمدة الشعر العربي الذي لم يستطع أحد ترويضه سوى الموت.
ابراهيم حاج عبدي
*الكتاب:الجواهري...فارس حلبة الأدب
*الناشر: دار المدى ـ دمشق 2006
*الصفحات: الصفحات: 280 صفحة من القطع المتوسط
