مؤلف هذا الكتاب هو المفكر السوري جورج طرابيشي، الذي ولد في حلب، وتخرج من جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة العربية، وعمل مديراً في إذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيساً لتحرير مجلة «دراسات عربية»، وأصدر وترجم العديد من المؤلفات. من مؤلفاته: «سارتر والماركسية»، «والماركسية والمسألة القومية»، «النزاع الصيني السوفييتي»، و«الاستراتيجية الطبقية للثورة»، و«لعبة الحلم والواقع في أدب توفيق الحكيم»، و«الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية»، و«شرق وغرب، رجولة وأنوثة».

و«الدولة القطرية والنظرية القومية»، و«معجم الفلاسفة»، و«المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي»، و«مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة»، و«في ثقافة الديمقراطية»، و«مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام»، و«من النهضة إلى الردة»، و«العقل المستقيل في الإسلام: نقد نقد العقل العربي (4)»، و«وحدة العقل العربي: نقد نقد العقل (3)»، و«إشكاليات العقل العربي: نقد نقد العقل العربي (2)»، و«نظرية العقل: نقد نقد العقل العربي (1)».

ومن ترجماته: مؤلفات «جان بول سارتر»، ومؤلفات «سيمون دي بوفوار»، ومؤلفات «روجيه غارودي»، و«زوربا - نيكوس كازنتزاكي»، و«موسوعة علم الجمال: هيغل»، ومؤلفات «سيغموند فرويد». أول ما يثير الانتباه في كتابه الجديد «هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية» هو استخدامه كلمة «هرطقات» في العنوان، ولا شك في أن اختياره للعنوان كان مقصوداً، ويرجع إلى طبيعة ما يطرحه في مقالات الكتاب التي تخرج عن ما هو سائد في الدروب المطروقة، وتكاد تكون أقرب إلى الهرطقة التي كانت على الدوام فعل اتهام وإدانة،

حيث اقترنت بالذمية والتقية، وتقابلها، مسيحياً وإسلامياً، البدعة في الدين، أي الخروج عن العقيدة القويمة، والمفارق في الأمر أن البدعة مشتقة في العربية من ذات المصدر الذي تشتق منه كلمة إبداع، حيث ورد في لسان العرب: « بَدَعَ الشيءَ: يبتدعه بَدْعاً وابتدعه: أنشأه وبدأه، والبِدْع: الشيء الذي يكون أولاً، والبدْعةُ: الحَدَثُ، والمبتدعُ: الذي يأتي أمراً على شبه لم يكنْ ابتدعه.. فالمبدع والمبتدع سابق لمن بعده في إبداعه أو في ابتداعه». ويمكن القول إن المهرطق هو من يأتي بما يخلخل المألوف والسائد ويخرج عنه، ويصح القول كذلك على أنه الخارج عن الإجماع والفكر الجماعي.

لكن الهرطقة التي ينحاز إليها جورج طرابيشي تعني بالنسبة إليه سلوك أحد السبل المتاحة للمقاومة في عصرنا الذي تسوده أنظمة الهيمنة والاستبداد والأصوليات والنكوص العربي نحو قرون وسطى جديدة. وبوصفه كاتباً لازمه النقد، فإنه لا يكف عن طرق وطرح الإشكاليات التي لا تنقطع بجواب، ويشدها الانتظار إلى تربة توفر لها شروط الإمكان لإجابة تحقق رؤية واضحة، ولا تكف عن الاعتناء بإعادة صياغة الأسئلة التي تحث الوعي على البحث عن الأجوبة الجديدة التي تعيد بدورها صياغة الإشكاليات، وهي كثيرة في مجالنا العربي، ليس أولها إشكالية الديمقراطية، وليس آخرها إشكالية الحداثة والممانعة العربية.

يجترح طرابيشي ستة إشكاليات حول مسألة الديمقراطية، أولها إشكالية المفتاح والتاج التي تتجسد في القول بأن الديمقراطية ليست المفتاح الذي نفتح به جميع الأبواب المفلقة، بل على العكس من ذلك الديمقراطية هي التاج الذي يتوّج التطور العضوي للمجتمع المعني، أي هي نتيجة وحصيلة لتطور مجتمع بعينه. وثانيها إشكالية الثمرة والبذرة التي ترى الديمقراطية بذرة برسم الزرع وليست ثمرة يانعة برسم القطف.

وثالث الإشكاليات هي إشكالية مفتاح المفتاح، بمعنى أنه قبل أن تكون الديمقراطية مفتاحاً لجميع الأبواب الأخرى، فإنها هي نفسها بحاجة إلى مفتاح، أي أن الديمقراطية مشروطة بشرط الحامل الاجتماعي لها، وهو البورجوازية التي مازالت البلدان العربية تدفع ثمن تغييبها وإفقادها اعتبارها الإيديولوجي. ورابع الإشكاليات هي إشكالية الشرطي ورجل المباحث، حيث يستحيل الشرطي إلى رمز للقانون، أي رمز للدولة، في حين يمثّل رجل المباحث السلطة المتسلطة على الدولة والمجتمع، وتغيب أمام سطوته سلطة القانون وتختفي الدولة.

وإن كان لا ديموقراطية مع رجل المباحث، فإنه لا ديموقراطية أيضاً بدون رجل الشرطة. وخامس الإشكاليات هي إشكالية الذئب والحمل التي تعبر عن نزعة شعبوية تختصر في شعار: «الدولة ضد الأمة»، فالدولة ذئب والأمة حمل، حيث يحمل منطق تأثيم الدولة وتبرئة «الأمة» أو الشعب» بين طياته جرثومة شمولية جديدة، والمؤسف أن الفكر الديموقراطي الشعبوي يضع كل رهاناته على الشعب، فيؤبلس الدولة ويُؤمثل الأمة، ولا يقيم بينهما إلا علاقة جلاد وضحية.

وسادس الإشكاليات وآخرها هي إشكالية الصندوقين، صندوق الاقتراع وصندوق الجمجمة، حيث تنطلق من الصندوق الأول وتختمر فيه جمجمة الرأس، فإن كانت الأنظمة العربية لا تتحمل انتخاباً حراً، فإن المجتمعات العربية لا تتحمل رأياً حراً، بمعنى ان المجتمع يريد الديمقراطية في السياسة، ولا يريدها في الفكر أو الدين أو الجنس.

وبخصوص العلاقة ما بين السياسيي الديني، يعتبر طرابيشي أن التصور القائل بتدامج السلطتين السياسية والدينية في الإسلام، قد سكن الوعي الإيديولوجي السائد في أيامنا هذه في العالمين العربي والإسلامي وبشكل لم يعد أحد يماري في صحة المقولة التي كانت وراء هذا التصور، وهي مقولة أطلقها حسن البنا في ثلاثينات القرن العشرين المنصرم حين عرّف الإسلام بالقول: الإسلام دين ودولة».

مع العلم أن كلمة دولة لم يرد ذكرها قط في القرآن الكريم، ولا حتى في الأحاديث النبوية، سواء الصحيح منها أم الموضوع أم الضعيف. وكان الإسلام قد ميّز ما بين الدنيا والآخرة تمييزاً واضحاً، عززه الذكر الحكيم وقول رسول الله على أنه بشر مثل سائر البشر، وعلى أنه قد كُلف بالرسالة السماوية، لكن ذلك لا يعصمه عن الخطأ في سلوكه الدنيوي مثل سائر البشر، ويدعمه الحديث الشريف:

«إنما أنا بشر، وإنكم لتختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه، فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من نار». ولا شك في أن علاقة الديني بالسياسي قد عرفت في الإسلام توترات ومشادات كثيرة، ووصلت أحياناً إلى حدّ الفصام. وفي سياق الصراع على السلطة في الإسلام سفكت دماء كثيرة بالرغم من قدسية الأشخاص والأماكن الإسلامية.

وفي سياق بحثه عن أسباب قتل الترجمة في الإسلام، يشير طرابيشي إلى أن مصائر الترجمة في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية تبدو معاكسة لمصائرها في الثقافة العربية الحديثة، لا في ساعة الممات فحسب، بل كذلك في ساعة الميلاد. وكانت أول حركة ترجمة في الإسلام هي حركة نقل الدواوين وتعريبها في القرن الأول من عهد بني أمية بشكل أولي، وكان لا بد من انتظار الدولة العباسية كي تنشط حركة الترجمة وتبلغ شأناً عظيماً. ولم تكن فردية أو صدفة

كما يحاول البعض إشاعة ذلك، بل جاءت ـ وخاصة في عهد المنصور وصاعداً ـ تعبيراً عن تطور حضاري جمعي، وتلبية لحاجة الحضارة العربية الإسلامية، في لحظة تجاوزها لذاتها ولسائر الحضارات التي تقدمتها، إلى هضم تراث هذه الحضارات في عملية انفتاح على الآخر يقلّ نظيرها ـ من حيث الاتساع ـ في التاريخ الحضاري ما قبل الحديث.

لكن طرابيشي يميل إلى الاستعانة بالعامل المذهبي، أو الإيديولوجي بلغة عصرنا، مستنداً إلى شواهد من ابن خلدون الذي يرفض تدخل العامل المنفعي في تحفيز الترجمة، لأن «الرغبة في العلم» التي صدر عنها المأمون وهو يبني أكبر ورشة للترجمة في الإسلام، وهو «بيت الحكمة»، إنما كانت متعينة، بحسب التعبير الخلدوني، «بما كان ينتحله». ونِحلة المأمون هي الاعتزال. فهو لم يحتضن العقيدة المعتزلية ولم يبوئ أصحابها مناصب عالية في الدولة فحسب، بل تدخل أيضاً سلطوياً ليجعل منها عقيدة رسمية للدولة، أو أيديولوجياً سائدة كما بتنا نقول اليوم.

ويعتبر طرابيشي أن اعتزالية المأمون التي فتحت الباب على مصراعيه أمام حركة الترجمة هي نفسها التي قدمت الذريعة للخصوم، خصوم الاعتزال والفلسفة معاً، ليعيدوا إغلاق ذلك الباب. فالسياق الاعتزالي الذي تطورت فيه حركة الترجمة ساعة المخاض سيظل يطاردها كاللعنة حتى ساعة الممات. وقد تخطت حركة الترجمة فلسفة اليونان وعلومهم لتشمل آداب الفرس وحكمة الهند وعلومها، فضلاً عن قليل أندر من كتب القبط والنبط والسريان.

وصارت حركة الترجمة واسعة النطاق، ولم يكن لها نظير في تاريخ العصرين القديم والوسيط، لكنها قمعت ابتداء من القرن الخامس الهجري في سياق حركة الإبادة الشاملة التي تعرض لها الاعتزال، ومن ثم النزعة العقلية في الحضارة الإسلامية. وانتشرت محارق الكتب في المشرق والمغرب، ثم طاول الأمر مبدأ الترجمة بالذات، حين فقد مشروعيته النظرية منذ أن سادت الأيديولوجيا المتشددة والانغلاقية في القرون المتأخرة التي تسمى «عصر الانحطاط».

وينتقل طرابيشي إلى نقد توفيقية محمد جابر الأنصاري، الذي يعتبر الحضارة العربية الإسلامية الحضارة الأولى بين الحضارات التاريخية الكبرى التي جمعت ووفقت للمرة الأولى في تاريخ البشرية بين العنصر الهلنستي الروماني (الأوروبي الغربي) والعنصر الفارسي ـ الهندي (الآسيوي الشرقي) في نسيج حضاري واحد، فكانت بهذا المعنى مشروعاً توفيقياً عالمياً، بالغ الضخامة والامتداد. لكن التوفيق قانون جميع الحضارات كما يلاحظ طرابيشي، ولا سيما حضارات منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.

وليس مختلف عليه الطابع التوفيقي للحضارة العربية الإسلامية، كونها لم تبدأ بالانحطاط إلا عندما أغلقت الدائرة على نفسها، وبدأت تجتث إرثها التوفيقي.

عمر كوش

*الكتاب:هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية

*الناشر: دار الساقي ـ بيروت 2006

*الصفحات: 229 صفحة من القطع الكبير