قال الروائي الأميركي الكندي الأصل سول بيلو الذي فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1976، «أعتقد أن الفن له علاقة بزمن الكمون المثمر في خضم الفوضى. كمون أشبه بخلوة الدعاء وبعين العاصفة». كان لبيلو الذي ولد في مقاطعة كيبيك في كندا عام 1915، تأثير كبير على الأدب الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية، واعتبر من عمالقة الروائيين الأميركيين في المنتصف الثاني من القرن العشرين.
ومن أشهر شخصيات أعماله، أوغي مارش وموسى هيرزوغ وآرثر ساملر وتشارلي سيترين. وتجمع هذه الشخصيات ما بين الريبة والمرح والتألق والوهم والنرجسية مع الذكاء ورصد الحياة الأميركية الحديثة. عاش في مونتريال حتى سن التاسعة في حي المهاجرين من روسيا واليونان وإيطاليا وأوروبا الشرقية، وانتقلت العائلة في عام 1924 إلى شيكاغو لتستقر فيها. وتناول في روايته الأولى «الرجل المتدلي» ونشرت عام 1944، مرحلة طفولته في ذاك الحي إلى جانب جزء من سيرته الذاتية والخاص بطلاقاته العديدة التي شاركه فيها عدد من شخصياته. وقد ساعدته دراسته للعلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة على تعميق رؤيته الإنسانية ورصده الدقيق لتحولات المجتمع في جميع رواياته. وقد تخلى عن متابعة دراساته العليا بعد تخرجه عام 1937 ليصبح كاتبا وبدأ بالتدريس في عدد من الجامعات ثم انضم إلى مشاة البحرية الأكاديمية في نهاية الحرب العالمية الثانية.
تابع الكتابة بعد الحرب حيث نشر روايته «الضحية» عام 1947 وتجسد رؤية واقعية للحياة في مدينة نيويورك، أما مقر رواياته التالية فكان مدينة شيكاغو، ويبين أسباب ذلك بقوله، «يفتخر أهل شيكاغو بنزعتهم للاحتيال. وهي مقر السياسيين الهمجيين منذ القدم على الرغم من ادعاءاتهم بغير ذلك». وفي عام 1953 نشر روايته التي حققت له شهرة واسعة «مغامرات أوغي مارش»، والتي سمح لنفسه من خلالها في التحرر من أسس وقواعد كتابة الرواية، كما يذكر بأنه بدأ بها في باريس وأنجزها خلال سفره بين عدة بلدان من دون أن يكتب حرفا واحدا في شيكاغو.
تأثر بيلو في البداية بمجموعة من المفكرين التروتسكيين والبارتسيين، كما رفض أسلوب إرنست همنغواي في كتابة الأدب الخيالي، ثم تحول إلى فلسفة نيتشه وعقدة أوديب والثقافة الشعبية. درس منذ البداية العلاقة بين المؤلف - الشخصية - الراوي. ونظرا لاعتماده على صيغة المتكلم في السرد فقد ظن النقاد والقراء في البداية أن ما يذكره على لسان الراوي إنما يعبر عن أفكاره وتجاربه الشخصية.
وفي مسرحيته «التحليل الأخير» عام 1965 هاجم السذاجة الفرويدية، وأثار جدلا كبيرا في الأوساط الفكرية. وفي عام 1975 نشر روايته «هدية هامبولدت» التي فازت بجائزة بوليتزر ومن ثم بجائزة نوبل. وقد أثبت قدرته مجددا على إثارة الجدل من حوله من خلال روايته الثالثة عشر «رافيليستين» ونشرت عام 2000، وترسم صورة لحياة بروفيسور يعاني صراعا داخليا بسبب ميوله المنحرفة التي تسببت بوفاته بمرض الإيدز. وفي 5 أبريل 2005 وافته المنية في منزله في بوستون. وتعتبر روايته «هدية هامبولدت» من أهم ما كتب في أدب الخيال، والشخصيتان الرئيسيتيان في العمل هما الكاتب شارلي سيترين والشاعر فون هامبولدت.
اعتمد في الأجزاء الأولى من العمل على سرد العديد من الأحداث غير المتسلسلة زمنيا على لسان شارلي، كما تفادى ترقيم أو عنونة فصول الكتاب مما يشعر القارئ بأنه يسير على درب جميع لوحاته الإرشادية خالية من أية علامات. بدأت علاقة الصداقة بين الاثنين حينما كان شارلي، الطالب الجامعي الذي يحلم بأن يصبح كاتبا والذي استدان قيمة تذكرة الحافلة للذهاب إلى نيويورك لحضور ندوة شاعره المفضل هامبولدت فليش. ومع مرور السنوات ومن خلال حبهما المشترك للأدب وشغفهما بالإبداع تقوى رابطة الصداقة بينهما.
وينجح الشاعر في إحدى المراحل في تأمين عمل لكليهما في جامعة برنستون حيث يستمران في الإبداع والعطاء. ولكن مع مضي الزمن تبدأ نجومية الشاعر بالأفول، وذلك لمعاناته من نوبات اكتئاب حادة حاول تجاوزها من خلال تكريس حياته للعمل إلى حين لتجاوز الأزمة. ومع نجاح شارلي وتألق نجوميته بعد عرض مسرحيته (فون ترينك) في برودواي، تتدهور حالة هامبولدت الذي يخون الصداقة معتبرا نجاح صديقه خيانة عظمى له، وينتهي به الأمر في مصحة للأمراض العقلية ليموت فيها وحيدا.
ومع وفاة الصديق تهيمن على شارلي فكرة الموت ومعنى الحياة حتى نهاية الرواية، وذلك من خلال مواجهة الصراعات الشديدة ليدرك أخيرا بأنه عاش في غفلة لعشرات السنوات من حياته.يبدأ بيلو بالسرد تبعا لتتالي الأحداث مع وصوله للحظة الحاضر حينما يجد شارلي نفسه في ظرف بائس، هذا الأمر لا يقلقه في البداية نظرا لثقته وحبه للأصدقاء من حوله الذين يحاولون مساعدته في حل مشاكله. وفي هذه الظروف كان يعتمد على مساعدة صديق طفولته المحامي الذي رشح له زميلا له ليتولى قضية طلاقة من زوجته دينيس التي عزمت على تدمير حياته بالكامل بمساندة قاضي المحكمة.
ولا يدرك شارلي عدم مبالاة محاميه إلا عندما يحكم القاضي لصالح زوجته ويخسر كل ثروته. كان شارلي حينها في مدريد بصحبة عشيقته ريناتا المتزوجة التي تتركه حينما يصلها خبر فقدان ثروته لتسافر مع زوجها لقضاء إجازة بمثابة شهر عسل، ولا تتوانى عن ترك طفلها بصحبة شارلي في أحلك ظروفه. وخلال تلك المحنة العصيبة وفي ليلة يكون فيها ثملا يبوح بالعديد من الخصوصيات التي يتلقفها منه رينالدو كانتابيل أحد أفراد العصابات ويلازمه كظله حتى نهاية الكتاب.
وفي النهاية يكتشف القارئ أن استخدام بيلو لكلمة هدية ليس أساسيا، فالهدية هي صحوته الفكرية من خلال تأمله في حياة وموت صديقه وإن أتى الجزء الأخير من الهدية عبر مخطوط سيناريو لفيلم كان هامبولدت وشارلي قد كتباه في شبابهما بدافع التسلية لا غير، وقد احتفظ به الشاعر طيلة تلك الفترة. وحينما حقق الفيلم نجاحا سينمائيا كبيرا حظي شارلي بالمال والثروة، ويقرر عندها أن يعيش ما تبقى من سنوات حياته لتعويض زمن الغفلة الذي ضاع منه.

