مؤلف كتاب «كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار» هو الشاعر الواعظ الخطيب «عز الدين عبدالسلام بن غانم المقدسي» المتوفى سنة 678 هجرية، أي أنه عاش في نهاية العصر العباسي وبداية العصر المملوكي، وقد عاش حياة قصيرة، فلم يبلغ الخمسين من عمره بدأ حياته العلمية بحفظ القرآن الكريم ثم التفسير والفقه، وكان دائم الترحال بين بيت المقدس والقاهرة حتى وفاته، وكانت له خطب مشهورة حفظها الباحثون، وبخاصة خطبته في المسجد الحرام والتي قالها قبل وفاته بسنين قليلة، والتي كان معظمها في الوعظ، حتى ان المترجمين لحياته كانوا كثيراً ما يكتفون بقولهم: «الواعظ أحد المبرزين في الواعظ والنظم والنثر».

و لعل وصيته تخبر عن حاله، هذه الوصية التي كتب فيها كثيراً من الأشعار والتي جاء مطلعها:

يا من أناجيه في سري وفي علني.. ومن أرجيه في بؤسي وفي حزني

أفردتني عند جميع الناس يا سكني .. وأنت انسي إذا استوحشت في سكني

وأنت روحي إذا جردت عن بدني

وقد ترك لنا الشيخ «عز الدين» أكثر من ثلاثين كتاباً. أما هذا الكتاب «كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار» فهو كتاب فريد في بحثه، وهو رحلة بديعة قام بها هذا الشيخ في رحاب الطبيعة، ونظر بعين الفاحص المتفكر في عناصرها، فوجد فيها عالماً آخر يعج بالحركة والنشاط يشبه العالم الإنساني، غير أنه لا يزال على فطرته، فينطقه ويحادثه ليتعرف خصائصه وأوصافه الدالة على عظمة الخالق وحكمته في خلقه. يبدأ المؤلف عمله الإبداعي بحمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة على نبيه أفضل خلقه، ولكن حمده لم يكن مجرد تقليد أو سنة متبعة، بل مكان يحوي في ثنايا سره الحياة الدنيا والحياة الآخرة، وليس هذا فحسب بل كان يحملنا على التفكير والتفكير في كل كلمة.

ثم يبدأ بعرض فصول الكتاب القصار التي يسميها بالإشارات، ليحملنا على تأمل ما تشير إليه فصول الكتاب ورموزه، فيبدأ بالقسم الأول من الكتاب بإشارات الأزهار والنباتات وما يحيط بها، وهذه بداية منطقية، فيستفتح بإشارة النسيم، لأنه أول ما قابله في خروجه من رهج المدينة إلى نقاء الطبيعة، فيبث فيه الحياة، وينطقه ليعرفنا بكنهه وخصائصه ودوره في الحياة، مبرزاً عظمة الخالق وحكمته لتكون الإشارة في مجملها تذكرة وعظة وعبرة، إلى جانب قيمتها الفنية، ثم ينهي بأبيات يكون فيها صاحب الإشارة عنصراً أساسياً أو رمزا في أغلب الأحيان. وهكذا تتوالى الإشارات الأربع عشرة على هذا الترتيب: إشارة النسيم، الورد، المرسين، البان، النرجس، النيلوفر، البنفسج والمنثور،الياسمين، الريحان، الأقحوان، الخزام، الشقيق، وأخيرا السحاب.

ونلمح خيطاً دقيقاً واصلا بين جميع الإشارات، إذ يستأنف بالورد مؤثراً له على جميع الأزاهير، مانحاً إياه صفتي الحكمة والتعقل، ثم يأتي بمشهد المرسين رمز اللهو والطيش، فيرد الورد عليه وينصحه في المشهد نفسه، ثم يأتي مشهد إشارة «البان» الذي يتمايل طرباً وزهواً، فتلومه سائر الأشجار، فيبسط عذره. ونجد الكثير من عبارات الوصل بين الإشارات مثل: فلما سمع المرسين كلام الورد قال: «فأجابه النرجس من حاضره وهو ناظر لمناظره... فناداه منظوم المنثور»... وكل هذا في مشاهد حوارية متتابعة، أشبه بمائدة «أفلاطون» وأخيراً يختم السحاب الكلام ببيان فضله على جميع النباتات والمخلوقات.

أما القسم الثاني الموسوم بإشارة الأطيار، فانه يحتوي الكثير من الإشارات مما لا تدخل في قسم الطير، مثل إشارة النحل وإشارة الشمع وإشارة الفراش وإشارة النار، ولم يضع كلاً من إشارة النحل والفراش في قسم الحشرات بل وضعهما لكونهما تطيران في قسم إشارة الأطيار. في القسم الأول ابتدأ ابن غانم بإشارات الطبيعة الصامتة، واستطاع أن ينطقها ويسمع همسها وضجيجها وأن يستنبط منها خصائصها، وصفاتها الدالة على حكمة الخالق ومن ثم سلوكها تجاه مبدعها وأن يجعل منها مجتمعاً نباتياً له صفات المجتمع الإنساني نفسه أو بعبارة أخرى أن يسقط واقع مجتمعه الصاخب على المجتمع النباتي الصامت.

ويحاول الباحث أن يربط القسم الأول بالقسم الثاني ويجد بينهما جسراً منطقياً فيقول: «فبينما أنا مصغ إلى منادمة أزهارها على حافات أنهارها، إذ صاحت فصاحة أطيارها من أوكارها، فأول ما صوت الهزار».. وهنا تبدأ إشارة الهزار، ومن ثم تتوالى إشارات الأطيار، وبعد أن تنتهي إشارات الأطيار، تبدأ إشارات الحيوان ومن ثم إشارات الحشرات، دون أي فاصل، معتمداً في أسلوبه على المناظرات العقلية والحجج الكلامية والجدال المنطقي ويكثر من الاستشهاد بالقرآن الكريم.