مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي من أصل روسي فلاديمير فيدروفسكي، وقد كان دبلوماسيا في السابق أثناء الحقبة التي شهدت انهيار الشيوعية في روسيا وبلدان أوروبا الشرقية. وهو كاتب معروف بالفرنسية وقد ترجمت مؤلفاته إلى لغات عديدة. ومن أشهر ما كتب ثلاثيته التي تحمل العناوين التالية: رواية سان بطرسبورغ، ورواية الكرملين، ورواية روسيا الفريدة من نوعها.
وقد نالت هذه الثلاثية عدة جوائز من بينها: جائزة أوروبا للآداب. واشتهر الرجل أيضا برواياته عن الروح السلافية والفرق بينها وبين الروح الأوروبية. ومعلوم أن روسيا سلافية بقدر ما أن ألمانيا آرية جرمانية، وفرنسا لاتينية، وإنجلترا أنغلوساكسونية، الخ. ويتميز المؤلف بأسلوب رائع وسلس في اللغة الفرنسية. وفي هذا الكتاب الجديد يروي قصة العلاقات التاريخية بين فرنسا وروسيا أو بين باريس وسان بطرسبورغ التي كانت عاصمة روسيا في عهد القياصرة قبل أن يحولها النظام الشيوعي إلى لينينغراد، أي مدينة لينين. ولكنها استرجعت اسمها الأول مؤخرا بعد سقوط الشيوعية. وبالتالي فالعاصمة في ذلك الزمان كانت سان بطرسبورغ وليس موسكو، بعدئذ انتقلت إلى موسكو.
إن المؤلف يروي قصة انجذاب روسيا والروسيين إلى فرنسا والحضارة الفرنسية عموما. فقد كان يوجد تيار كبير مولع بالثقافة الفرنسية. وقد استمر على مدار التاريخ منذ عهد القيصر بطرس الأكبر وحتى يومنا هذا.ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن العلاقات بين روسيا وفرنسا كانت نادرة حتى بداية القرن الثامن عشر، ولم تبتدئ فعلا إلا في عهد محدِّث روسيا، بطرس الأكبر.
معلوم أنه أدخل الحضارة الأوروبية إلى هناك مثلما فعل محمد علي في مصر إبان القرن التاسع عشر، ومثلما فعلت سلالة الميجي في اليابان أيضا. كلهم كانوا معجبين بحضارة أوروبا وتفوقها ويرغبون في إدخال بلادهم في سلك الحضارة عن طريق تقليدها.والواقع أن بطرس الأكبر عبر عن رغبته بزيارة فرنسا منذ أن استلم الحكم تقريبا. وراح يجزل المديح والثناء على العبقرية الفرنسية، ولكنه لم يستطع تحقيق أمنيته إلا بعد موت الملك لويس الرابع عشر الذي كان ضد هذه الزيارة.
وعندما زار بطرس الأكبر باريس عام 1717 استقبلته السلطات الفرنسية بكل حفاوة. وقد تجول في عدة مناطق من العاصمة، وتعرف على البرلمان، والأكاديمية الفرنسية، وأحد المصانع، وحديقة النباتات، الخ. ثم عبر عن رغبته في الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي الفرنسي. ولذلك أجزل العطاء لبعض المهندسين والخبراء الفرنسين وطالبهم باللحاق به في موسكو لتطوير بلاده ومرافقها من عسكرية ومدنية، وهذا ما حصل.
وعندئذ ابتدأت النهضة الروسية بالفعل، عندئذ ابتدأت سياسة التحديث لإخراج البلاد من تخلفها في كل المجالات.ثم يردف المؤلف قائلا: وبعد موت بطرس الأكبر بفترة من الزمن استلمت الراية الامبراطورة كاترين الثانية. فقد سارت على هديه لأنها كانت مولعة بالحضارة الفرنسية مثله. وقد فهمت هذه الملكة الذكية جدا أن السلطة بحاجة إلى دعاية المثقفين لها. ولذلك حاولت أن تكسب ودّ الفلاسفة الفرنسيين وعلى رأسهم فولتير، ودعتهم فورا لزيارتها في سان بطرسبورغ.
ولكن بما أن فولتير كان قد أصبح عجوزا ويخشى صقيع روسيا فإنه رفض الدعوة بأدب. وعذرته الملكة ولكنها طلبت منه أن تشتري مكتبته الشخصية لكي تضعها في القصر الامبراطوري. ودفعت له أموالا طائلة بالطبع، ولذلك راح فولتير يمدحها ويلهج بذكرها أمام الناس بل ويكتب عنها النصوص الداعمة لها والمؤيدة لسياستها.أما الفيلسوف ديدرو فقد ذهب إلى هناك بعد أن أجزلت له العطاء وكرست له راتبا شهريا يحميه هو وزوجته وعائلته من نوائب الزمان.
وقد أمضى عندها ثلاثة أشهر وقدم لها كل خبرته العلمية والفلسفية لكي تستفيد منها في إصلاح روسيا وتحديثها على الطريقة الأوروبية. ثم استقدمت هذه الإمبراطورة خبراء آخرين عديدين ومثقفين ومدرسين لتعليم الروس مبادئ الفكر والعلم الحديث. وعلى هذا النحو انتشرت اللغة الفرنسية بشكل واسع في الطبقات الأرستقراطية الروسية. وأصبحت هذه الطبقة العليا تتمايز عن الشعب بكونها تعرف الفرنسية وتتكلمها بطلاقة، وكانت تفتخر بذلك لأن الفرنسية هي لغة الحضارة. واستمر إعجاب الروس بفرنسا منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.
ثم يردف المؤلف قائلا: وأكبر دليل على ذلك غورباتشوف نفسه وزوجته رايسا ، فقد كانا من محبي فرنسا وحضارتها إلى أبعد الحدود. ولذلك فإن أول زيارة إلى الخارج بعد استلامه الحكم كانت إلى باريس عام 1985.ويقال إن غورباتشوف عندما وصل إلى ساحة التروكاديرو المطلة على برج إيفل والعاصمة الفرنسية ورأى كل هذا التناسق العمراني والجمال الحضاري لباريس قال لمرافقه الشيوعي الفرنسي: أحسنتم إذ لم تتبعونا ولم تفعلوا مثلنا! وكان ذلك بداية لبريسترويكا أو سياسة الإصلاح والشفافية والخروج من العهد الشيوعي الستاليني التوتاليتاري.
فالرأسمالية أكثر جمالا وجاذبية من الشيوعية.وقد فوجئ القادة الفرنسيون بغورباتشوف وزوجته ومدى انفتاحهما على الحضارة الرأسمالية التي كان الحزب الشيوعي يلعنها ويدينها صباح مساء! وعرفوا عندئذ أن عهدا جديدا في الكرملين قد بدأ، ولكن ما كانوا يعرفون أنه سيؤدي بسرعة إلى سقوط الاتحاد السوفييتي والشيوعية كلها.ثم يردف المؤلف قائلا: ويبدو أنه كان لرئيسة دور كبير في هذا المجال. فقد كانت تكره النظام وتتمنى انهياره وحلول نظام ديمقراطي على الطريقة الغربية محله. ويبدو أن تأثيرها السياسي على زوجها كان كبيرا إلى درجة أنه أغاظ أعضاء المكتب السياسي فراحوا يهاجمونها ويشيعون عنها الإشاعات المغرضة لإهانتها وزعزعتها.
ثم يتحدث المؤلف عن أراغون وزوجته الروسية إليزا التي طالما تغنّى بها في أشعاره إلى درجة أنه أصبح مجنون إليزا مثلما يوجد عندنا مجنون ليلى. وهناك ديوان الأراغون بهذا الاسم. ومن كثرة حبه لها راح يتعلم اللغة الروسية لكي يعرف ماذا تقول لعائلتها عندما تتحدث معهم بالتلفون من باريس إلى موسكو. ومعلوم أن أختها كانت زوجة الشاعر الروسي الكبير ماياكوفسكي، وعندما انتحر هذا الأخير في عز شبابه سافر أراغون وزوجته بسرعة إلى موسكو للمشاركة في جنازته ومواساة أخت إليزا.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: ولا ينبغي أن ننسى علاقة الروائي الكبير تورغنييف بفرنسا. فقد باع أراضيه في روسيا وكان من عائلة إقطاعية كبيرة وذهب إلى فرنسا للعيش فيها. ولكنه كان يقوم برحلات إلى بلاده الأصلية بين الحين والحين. وعلى الرغم من إقامته الطويلة في بلاد موليير وفولتير إلا أنه ظل يكتب بالروسية رواياته الممتازة. ومعلوم أنه أحد الثلاثة الكبار في الأدب الروسي: تورغنييف، تولستوي، دستويفكسي. وكانوا متعاصرين ومتنافسين في آن معا.
وأما محبة تولستوي للأدب الفرنسي وبخاصة كتابات جان جاك روسو فهي أشهر من أن تذكر. ويقال إنه كان يحمل ميدالية ذهبية في صدره عليها صورة صاحب العقد الاجتماعي. وما كان يحلف إلا بروسو، وكان يعتبره أعظم كاتب ومفكر في العصور الحديثة. كان قدوة عليا بالنسبة له. حقا إن فرنسا أثرت تأثيرا كبيرا على أدباء الروس وقادتهم ومفكريهم. وهذا الكتاب من أجمل وأمتع الكتب التي تروي قصة ذلك الحب الطويل.
*الكتاب: قصة حب كبيرة
*الناشر:مطبوعات النهضة - باريس 2005
* الصفحات: 287 صفحة من القطع المتوسط
Paris- Saint Petersbourg : une grande histoire d'amour
Vladimir Fedorovski
Presses de la renaissance Paris 2006
p.287

