كلود هاجيج، عالم في ميدان الألسنيات، وأستاذ في الكوليج دو فرانس، أرفع مؤسسة علمية فرنسية، وحائز على الميدالية الذهبية للمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي. قدم كلود هاجيج العديد من الكتب من بينها «موت اللغة» الذي قدّمه ملحق «الكتب» في أحد أعداده السابقة، و«اللغة الفرنسية والقرون» و«نفحة اللغة» و«الأطفال مزدوجو اللغة».

«معركة من أجل اللغة الفرنسية، باسم تنوع اللغات والثقافات» هو كتاب ـ معركة يطلقها عالم اللسانيات الكبير ضد العولمة التي تسعى إلى فرض فكر واحد ولغة واحدة، هي اللغة الإنجليزية بالطبع باعتبارها لغة القوة العظمى الأميركية «قائدة العولمة»؛ هذا فضلا عن كونها المستفيد الأكبر من هذه العولمة. إن «هاجيج» يشير إلى، ويحذّر من الصعود الكبير للغة الإنجليزية في بلد مثل فرنسا نفسها حيث إن العديد من الشركات أصبحت تستخدم لغة شكسبير في اجتماع مجالس إدارتها. كما إن لجنة خبراء التربية الوطنية الفرنسية أكّدت في تقرير لها أن تعلّم «اللغة الإنجليزية المستخدمة في التواصل الدولي» له الأولوية على التاريخ والعلوم.

ثم إن الصناعيين الأوروبيين استطاعوا أن يحصلوا من المفوضية الأوروبية في بروكسل على ضرورة صياغة جميع الوثائق الخاصة بالبلدان المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي باللغة الإنجليزية حصريا. ويقدّر الأخصائيون باللغات، وهذا ما كان مؤلف هذا الكتاب قد أكّده في كتابه السابق حول «قوة اللغات»، أنه في غضون القرن الحادي والعشرين سوف يختفي نصف ال6000 لغة المحكيّة في العالم اليوم، وأن إيقاع اختفاء اللغات في أميركا اللاتينية سوف يطال ما بين 80 بالمائة و90 بالمائة منها.

وإذا كان «كلود هاجيج» يتحدث في هذا الكتاب عن «معركة» فإن هذا يعود لاعتباره أن اللغة هي عنصر مهم في هوية الأمم والشعوب، فضلا عن كونها جذراً أساسياً وعميقاً في التجربة الإنسانية كلها. يقول: «إن اللغات تجد مكانها في عمق أعماق الإنسانية، وأية لغة هي أيضا طريقة للتفكير والإحساس والتصور. إن الدفاع عن روحها في مواجهة الأخطار التي تهددها يتطلب بالضرورة خوض معركة.

ويمثل النضال، في مواجهة العولمة المزعومة من أجل تعدد الثقافات واللغات أحد أشكال العمل الإنساني من أجل عكس الاتجاه الساري لمجريات الأمور في العالم اليوم، والذي يبدو اتجاها طاغيا. ثم إن المعركة من أجل اللغة الفرنسية هي معركة من أجل الفكر، ويمكننا أيضا الانتصار بها. والشرط الضروري لمثل هذا الانتصار يتطلب أن نعمل جميعا من أجل تحقيق تعدد اللغات ورفض الرضوخ للغة واحدة تزعم أنها تريد أن تحل محل جميع اللغات».

ولا شك أن اختيار كلمة «معركة» في عنوان هذا الكتاب يبيّن بوضوح إرادة مؤلفه بجعله كتابا «نضاليا» للمطالبة بضرورة أن تتبنّى فرنسا الرسمية بكل مؤسساتها المختصة سياسة حقيقية للحد من «طغيان» اللغة الإنجليزية «المهيمنة» والتي تسود خاصة في ميدان الاقتصاد إذ يريد أصحاب «البزنس» تأكيد انتمائهم إلى العصر إلى الحداثة عبر اللجوء إلى استخدام لغة رجال الأعمال في الأسواق الدولية. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في التأكيد على الدور الذي يمكن للسلطات الرسمية أن تلعبه في هذا الميدان، كما أثبتت تجارب عديدة في العالم مثل الحالتين المجرية والفنلندية حيث أصرّت حكومتا البلدين على استخدام اللغتين «الوطنيتين» كلغتين رسميتين.

وتتمثل الحجة الأساسية التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب في ضرورة العمل من أجل كبح تقدم اللغة الإنجليزية في ميادين استراتيجية مثل العلوم والصناعات بالقول إن هيمنة اللغة الإنجليزية مسألة تتعدّى كثيرا الإطار اللغوي إذ إنها تستدعي حكما نوعا من توحيد النمط السائد في العلاقات الدولية لصالح الولايات المتحدة وعلى حساب أي تنوع لغوي وثقافي، وأي «استثناء ثقافي»، حسب التعبير السائد في الأوساط الثقافية الفرنسية التي تريد التأكيد على «خصوصيات» التجربة الفرنسية خلال مسيرتها الثقافية الحديثة، لاسيما فيما يتعلق بانتمائها إلى عصر التنوير خلال القرن الثامن عشر.

هكذا يغدو الدفاع عن اللغة الفرنسية هو، بصورة ما، دفاعا عن الهوية الفرنسية في إطار العولمة الليبرالية المسيطرة ولعبة قواعد السوق والمنافسة. وإذا كان «كلود هاجيج» يريد أن يخوض «معركة» دفاعا عن اللغة الفرنسية، فإنه يفتح واقعيا في هذا الكتاب النقاش حول علاقات اللغات فيما بينها، إذ لا شك أن اللغة الفرنسية ليست هي الأكثر عرضة للتهديد بين مختلف لغات العالم، بل لا شك أيضا أن هذه اللغة لا تخسر مواقعها بشكل مطلق، كما تدل مختلف الإحصائيات حول عدد أولئك الذين يتحدثون بها، وإنما تخسرها فقط بالمقارنة، وبالعلاقة، مع اللغة الإنجليزية.

لكن ليس هناك أي خطر عليها من «الانقراض»، لاسيما أنها كانت قد عرفت كيف تحافظ على مواقعها سابقا عندما سادت لفترة ما في أوروبا اللغة اليونانية واللغة اللاتينية. وهناك ظاهرة أخرى يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب وهي أن اللغات «الصغيرة» التي تنقرض في إفريقيا أو أميركا اللاتينية أو في مناطق أخرى من العالم، فإن هذا لا يحصل لصالح اللغة الإنجليزية، لغة العولمة الليبرالية الراهنة، وإنما بالأحرى لصالح لغات قوية مجاورة مثل الإسبانية في حالة أميركا اللاتينية أو السواحيلية في إفريقيا.

ثم إنه لا يخفى على أحد أن اللغة الإنجليزية نفسها مهددة في «معقلها»، أي في الولايات المتحدة الأميركية، من اللغة الإسبانية خاصة حيث توجد قطاعات كبيرة من الأميركيين القادمين من المكسيك وغيرها من بلدان الجوار الأميركي، الذين لا يتحدثون اللغة الإنجليزية وإنما الإسبانية حصرا، مما قد يكون له تهديداته الحقيقية مستقبلا وحتى على الهوية الأميركية نفسها.

وإذا كانت «المعركة» التي يخوضها مؤلف هذا الكتاب هي باسم الدفاع عن اللغة الفرنسية وعبر ذلك عن التنوع والتعددية اللغوية والثقافية في عالمنا اليوم، فإن «معركته» هي أيضا ذات طابع «إيديولوجي» و«سياسي»، وذلك في مواجهة ما يعتبره دورا «إيديولوجيا» و«سياسيا» لهيمنة اللغة الإنجليزية تحت الراية الأميركية.

ودفاع المؤلف عن التنوع اللغوي هو في جوهره دفاع عن التنوع البشري والثقافي والتأكيد، سياسيا، على تعددية الأقطاب في العالم وليست سيادة أحادية قطبية يمثلها المركز الأميركي. ويكاد مؤلف هذا الكتاب يوجه الاتهام لأولئك الذين يؤيدون في الدوائر السياسية والاقتصادية استخدام اللغة الإنجليزية «خدمة لمصالحهم» بأنهم نوع من «الطابور الخامس» لحساب «البلدوزر الإنكليزي».ويؤكد «كلود هاجيج» على أن المعركة التي ينبغي خوضها من أجل اللغة الفرنسية،

وعبر ذلك عن جميع لغات العالم، إنما هي معركة باسم المحافظة على «القيم» الموروثة التي كدّستها التجارب الإنسانية المختلفة في مسيراتها المختلفة، في مواجهة «منطق الربح» السائد والمدعوم من «النظام الدولي الليبرالي» ومن «التكنولوجيات الجديدة». وكان من نتيجة الأوضاع السائدة اليوم أن بدت اللغة الإنجليزية أنها الأكثر أساسية والأكثر مدعاة للاحترام من بين لغات العالم الأخرى التي ينظر لها الكثيرون أنها مجرد «لغات محلية».

ويشير المؤلف في هذا الكتاب إلى المشروع الاستعماري «اللغوي» التي تبنّته الإمبراطوريات الاستعمارية، وخاصة الفرنسية والإنجليزية، كي تجعل من اللغة، لغتها، حاملا أيضا لقيمها ولثقافتها. وهذا ما فعلته فرنسا مثلا في الجزائر حيث سعت إلى تهميش اللغة العربية، لغة أهل البلاد، إلى أقصى درجة ممكنة من أجل جعل هذه البلاد إحدى المقاطعات الفرنسية، وليس من خلال «الضم» الجغرافي فقط وإنما بواسطة «التشرّب» الثقافي عبر البوّابة «اللغوية» قبل أي شيء. وهذا ما كانت بريطانيا قد انتهجته حيال إمبراطوريتها في الهند عبر زرع «القيم وأساليب التفكير» الإنجليزية لدى «رعاياها» الهنود. لكن ما لم تنجح به هو «جعل القلوب إنجليزية أيضا».

*الكتاب:معركة من أجل اللغة الفرنسية باسم الدفاع عن تنوع اللغات والثقافات

* الناشر: أوديل جاكوب - باريس 2006

* الصفحات: 244 صفحة من القطع المتوسط

Combat pour le Français

au nom de la diversité des langues et des cultures

Claude Hagege

Odile Jacob- Paris 2006

p.244