مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي الشهير: بوب وودورد، أحد أعمدة جريدة «الواشنطن بوست». وهذا هو الجزء الثالث من السلسلة الكبيرة التي كرسها لبوش وإدارته منذ 11 سبتمبر. فالجزء الأول كان يحمل العنوان التالي: بوش في الحرب، والثاني كان بعنوان: مخطط الهجوم على العراق. وفي هذين الجزئين كان المؤلف متواطئا مع إدارة بوش ومؤيدا لكل ما تقوم به من ردود أفعال حربية على ضربة 11 سبتمبر. ولكنه الآن غير رأيه ولم يعد مجرد مسجّل لما تقوله له هذه الإدارة الأميركية التي فقدت صوابها على ما يبدو وفشلت فشلا ذريعا في العراق، ولكنها ترفض أن تعترف بذلك، بل وتنكر الحقيقة كل الإنكار. من هنا جاء عنوان الكتاب.
ومعلوم أن هذا الكتاب الذي صدر في ثلاثين سبتمبر الماضي أقام الدنيا ولم يقعدها حتى الآن إلى درجة أن دونالد رامسفيلد فكر في الاستقالة ولو للحظة. ولكنه تراجع عنها تحت ضغط بوش. أو قل لولا دعم سيد البيت الأبيض له لربما كانت الضجة التي أثيرت حوله أو حول سياسته الخاطئة في العراق قد اضطرته إلى تقديم استقالته. ومعلوم أن الأوساط السياسية والإعلامية والثقافية في الولايات المتحدة مزعوجة منه بسبب عدم تحقيق النتائج الموعودة من حرب العراق. فقد كان يصرح منذ البداية بأن النجاح على الأبواب، ولكنهم لم يروا شيئا.
وبما أن بوب وودورد من أكثر الناس اطلاعا على دهاليز السياسة الأميركية بفضل العلاقات التي يتعاطاها في أوساط المخابرات المركزية وبقية مراكز القرار بما فيها البيت الأبيض فإنه توصل إلى معلومات سرية عديدة عن المطبخ السياسي الأميركي. ويقول المؤلف بأن رئيس مكتب بوش في البيت الأبيض، وهو شخص يدعى «أندرو كارد» قال له ما معناه: لقد حاولت إقناع الرئيس مرتين بضرورة إقالة وزير الدفاع رامسفيلد بسبب السياسة الرديئة والمتهورة التي يتبعها في العراق، ولكني فشلت في ذلك.
فرامسفليد هو المسؤول عن مخطط الهجوم على هذا البلد وكان ينبغي أن يتحمل مسؤولية الفشل الذريع لهذا المخطط. بل وحتى لورا بوش، زوجة الرئيس، انضمت إلى اندريو كارد وطالبت زوجها بطرد رامسفيلد من الحكومة ولكن دون جدوى. وقالت السيدة الأميركية الأولى لزوجها: إن هذا الرجل يسيء إلى سمعتك ويهدد نجاح رئاستك في نظر الشعب الأميركي.
والسؤال المطروح هو التالي: لماذا لم يستمع إليها الرئيس وهي أقرب إليه من حبل الوريد؟ فهي زوجته الأولى والوحيدة التي يحبها كل الحب ولا يظهر أمام الناس إلا معها. والسبب هو أن ديك تشيني، نائب الرئيس، ومستشار بوش الخاص جدا (كارل روف) من أشد أنصار بقاء رامسفيلد في الحكومة. وقد ضغطا على بوش بكل ثقلهما لكيلا يرسل وزير دفاعه إلى مزبلة التاريخ. وقالا له: إن طرد رامسفيلد من البنتاغون سوف يمثل رسالة سلبية تنمّ عن الضعف إلى الأوساط المعادية في الخارج وبخاصة في العراق. وربما أدى ذلك إلى مزيد من التدهور بدلا من إصلاح الأمور.
ثم يكشف المؤلف عن بعض الخبايا الأخرى للسياسة الأميركية ويقول: في شهر نوفمبر من عام 2003 تجاهل بوش ومستشارته آنذاك لشؤون الأمن القومي تحذيرات الخبير الأول لشؤون العراق في البيت الأبيض: روبرت بلاك ويل. فقد قال لهما هذا الخبير العسكري الكبير بأن على الإدارة أن ترسل فورا أربعين ألف عسكري إضافي إلى العراق من أجل سحق التمرد الحاصل هناك. ولكن لم يستمع إليه أحد. بل ووصل الأمر ببوش آنذاك إلى حد تعميم الأمر التالي على مساعديه وكل أعضاء الإدارة: ممنوع التحدث عن وجود تمرد في العراق!
في الواقع أن صدور كتاب وودورد هذا يحصل في سياق سياسي حرج بالنسبة للإدارة الأميركية، وذلك على عكس كتابيه السابقين. فشعبية جورج بوش في حالة انخفاض مستمر في أوساط الشعب الأميركي بسبب الحرب المكلفة جدا في العراق وعدم رؤية آخر النفق. ثم بسبب تساقط الجنود الأميركان بشكل متزايد هناك. والديمقراطيون ما عادوا يخشون نقد بوش بسبب هذه الحرب كما كان يحصل سابقا.ففي الماضي كانوا يترددون في نقده خوفا من أن ينعتهم الشعب الأميركي بمساعدة الإرهابيين ضده! كان الناس جميعا معبئين للحرب على القاعدة وما شاكلها. وكانوا جميعا لا يرغبون إلا في شيء واحد: الانتقام ل11 سبتمبر بأي شكل ممكن.
ولكنهم الآن ما عادوا يثقون في مقدرة هذه الإدارة على النجاح في حربها على الإرهاب. بل أصبحوا يشتبهون في أقوال بوش وتصريحاته التي تقلّل من عدد القتلى الأميركيين في بلاد وادي الرافدين. لم يعد أحد يصدقه كما كان الأمر عليه في السابق. الكل يعرف أنه ينكر الحقيقة ولا يريد أن يراها وجها لوجه. ثم يردف المؤلف قائلا: لقد وصلنا هناك، أي في العراق، إلى حالة يرثى لها. فالهجمات على قواتنا تتراوح بين 800 إلى 900 هجوم أسبوعيا.
وهذا يعني أنها تتعرض لأربع هجمات كل ساعة واحدة! وبالتالي فلماذا إخفاء هذه الحقيقة على الشعب الأميركي؟ لماذا يصر سيد البيت الأبيض على القول بأننا نحقق النصر كل يوم في العراق أو أننا في طريقنا إلى النصر؟في الواقع أن صدور هذا الكتاب قبل ستة أسابيع فقط من حصول الانتخابات التشريعية في الولايات المتحدة يشكل ضربة موجعة لبوش وإدارته وكل الحزب الجمهوري الذي قد يخسر هذه الانتخابات المهمة جدا في الحياة السياسية الأميركية.
وضمن هذا السياق صرح جون كيري المرشح الديمقراطي السابق للرئاسة قائلا: إن هذه الإدارة تهرب من الحقيقة. وفي كل يوم ترفض فيه مواجهة الحقيقة وتحمل مسؤولياتها فإنها تلعب لعبة الإرهابيين! هذا ما قاله جون كيري كتعليق مباشر على كتاب بوب وودورد. أما الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض توني سنو فقد سخر من كتاب الصحافي الأميركي الشهير وقال: إنه كتاب عادي ولا يستحق كل هذه الضجة. وهو لا يحتوي على معلومات خاصة لا تحتويها كتب أخرى عديدة صدرت هذه السنة.وهذه محاولة يائسة من قبل السلطة للتقليل من أهميته وتأثيره على الأوساط السياسية والجمهور الأميركي بشكل عام.
من هذه المعلومات السرية التي احتواها الكتاب ولم ترد سابقا في أي كتاب آخر يذكر المؤلف الحكاية التالية: قبل شهرين من حصول ضربة 11 سبتمبر ذهب مدير المخابرات المركزية الأميركية ومساعده لشؤون مكافحة الإرهاب إلى البيت الأبيض لمقابلة السيدة كوندوليزا رايس وكانت آنذاك مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي. وقالا لها ما يلي: سوف يحصل هجوم على الولايات المتحدة من قبل القاعدة في أقرب وقت. ولكن السيدة رايس لم تأخذ هذا الكلام على محمل الجد واكتفت بأن استمعت إليهما بكل تهذيب، هذا في حين أنه كان ينبغي عليها أن تخبر بوش فورا وتنبهه إلى خطورة الأمر.
مهما يكن من أمر فإن الكتاب الذي يستهدف رامسفيلد بالدرجة الأولى لم يوفّر كوندوليزا رايس هذه المرة. وهذا دليل على أن الديمقراطيين ابتدأوا هجومهم المضاد الذي قد يؤدي بهم إلى إسقاط بوش والجمهوريين عام 2008 والعودة إلى البيت الأبيض بعد طول غياب. فأميركا أصبحت بحاجة إلى سياسة أخرى غير هذه السياسة المتهورة أكثر من اللزوم والتي أدت بأغلبية الناس وبخاصة في العالم العربي الإسلامي إلى كره أميركا بشكل غير مسبوق.
* الكتاب:دولة الإنكار والكذب بوش في حالة حرب ـ الجزء الثالث
* الناشر:سيمون وشوستر - نيويورك 2006
*الصفحات:576 صفحة من القطع الكبير
State of denial
Bush at war - Part III
Bob Woodward
Simon and Schuster - New York 2006

