عملت آن بونس، مؤلفة هذا الكتاب، لفترة طويلة مسؤولة لقسم «الكتب» في مجلة لوبوان الفرنسية، التي تكرّس إلى جانب الدوريات والصحف الوطنية الفرنسية المهمة الكبرى، العديد من صفحاتها ومنذ سنوات طويلة لتقديم الكتب لقرّائها. ثم عملت في إدارة نفس القسم ـ الكتب ـ في مجلة الاكسبريس. نشرت العديد من الروايات والسّير ومن بين أعمالها «الفيللا الإيرلندية» و«الليدي هاملتون».
«نلسون ضد نابليون، من أبوقير إلى ترافالغار»، كتاب يحتاج عنوانه نفسه إلى بعض التفسير. فنلسون هو «هوراتيو نلسون» الأميرال الإنجليزي الذي كان قد انخرط في سلاح البحرية الملكية البريطانية وهو في الثانية عشرة من عمره. وفي عام 1798، كان قد بلغ رتبة أميرال في البحرية حيث جرى تكليفه بقيادة وحدة بحرية مهمتها مراقبة الأسطول الفرنسي الراسي في ميناء طولون والذي كان مستعدا سرا للقيام بالحملة على مصر.
ولكن استطاع ذلك الأسطول الفرنسي أن يفلت من رقابة الأميرال الإنجليزي الذي اضطر للبحث عنه في جميع أرجاء البحر الأبيض المتوسط ليعثر عليه أخيرا في «أبوقير» ودخل معه في معركة وألحق به هزيمة ساحقة في الأول من شهر أغسطس 1798. سمّاه التاج البريطاني «بارونا» بعد ذلك الانتصار.
أما نابليون فهو إمبراطور فرنسا الشهير والجنرال الشاب السابق الذي كان قد حضّر وقاد الحملة المعروفة على مصر عام 1798. و«ترافالغار» هو اسم منطقة بحرية في جنوب إسبانيا عند جبل طارق. وكان الأميرال نلسون على رأس الأسطول الإنجليزي الذي سحق فيها الأسطول الفرنسي-الإسباني الذي كان يقوده الأميرال الفرنسي «فيلنوف» والأميرال الإسباني غرافينا. لكن نيلسون، المنتصر، أصيب في المعركة الفاصلة بإصابة قاتلة عندما كان على ظهر سفينته «فكتوري». أما الأميرال فيلنوف فقد آثر «الانتحار» بعد فترة وجيزة من هزيمته.
«نلسون ضد نابليون» كتاب يحكي قصة «مبارزة لا هوادة فيها» بين الرجلين اللذين كان أحدهما - نابليون- أهم جنود زمنه وكان الثاني - نلسون- أحد أهم البحّارة في كل الأزمنة. كانت منافستهما قديمة إذن إذ كانا قد «التقيا» ذات يوم عندما كانا ضابطين صغيرين عام 1793 ثم «التقيا» في شهر أغسطس 1798 في «أبوقير» حيث دمّر الأميرال الإنجليزي السفن الفرنسية التي كانت تقوم بالحملة على مصر.
في هذا الكتاب تذهب المؤلفة، وهي العارفة بأمور البحار، إلى إبراز الرهانات الكبرى لعملية سباق-ملاحقة استمرت طيلة 12 سنة. كما تركز على دراسة شخصية القائدين، الفرنسية والإنجليزي، من جوانب لم تكن مطروحة كثيرا حتى الآن، هذا إلى جانب البحث في بنى وآليات عمل الأسطولين، الفرنسي والإنجليزي، خلال تلك الحقبة الزاخرة بمشاريع التوسع ذي التطلع الاستعماري.
الكتاب هو أيضا عودة إلى التاريخ الذي اتسم بـ «البطولة» في معسكري المنتصر والمهزوم. والحديث عن أميرالات ذلك العصر وجنوده على أنهم «بشر» قبل كل شيء، وحيث تذكّر المؤلفة بالكلمة الشهيرة التي قالها ملك فرنسا لويس الخامس عشر وجاء فيها: «إن دم عدو ميت هو أيضا دم إنسان». ثم تستدرك قائلة أن مثل هذه «المشاعر» لم تعد موجودة اليوم، إنما الموجود فهو «جنون البشر».
وترى مؤلفة هذا الكتاب أن «التوترات» التي كانت تجتاح أوروبا خلال القرن الثامن عشر ـ قرن التنوير ـ إنما نتجت عن علاقات فرنسا مع القوى الخارجية الكبرى، لاسيما أثناء الفترة التي أعقبت قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. وكانت قد بدأت ترتسم في الأجواء منذ عام 1792 حركة تدعو للحرب ضد الإمبراطورية النمساوية وضد «الملوك». لكن بنفس الوقت كان أنصار النظام الملكي يريدون استعادة سلطتهم كاملة. بكل الأحوال بدت فرنسا آنذاك أنها «وحدها ضد أوروبا كلها».
وكانت التوترات على أشدّها في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، أي مناطق جنوب القارّة. وفي ذلك السياق حقق ضابط صغير «كابتن» انتصارا كبيرا «أنقذ الشرف الضائع للثورة» التي كانت قد تكبّدت هزائم كثيرة بحيث أن الإنجليز كانوا قد ضربوا نوعا من الحصار على جميع حدود فرنسا.
ذلك الضابط الصغير، ابن الأربعة والعشرين عاما، اسمه نابليون بونابرت. وإذا كان من المعروف عن نابليون أنه كان جنديا يتسم بعبقرية عسكرية كبيرة، فإن مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على دراسة «نابليون والبحر» لتخرج بنتيجة مفادها أنه كان أيضا «بحّارا ممتازا». وتشير إلى أن سنوات 1803-1805 قد عرفت في ظلّه بناء 2000 سفينة كما أشاد أسطولا بحريا اهتم حتى بـ «أدق التفاصيل فيه»، وذلك بدافع الوصول إلى درجة من القوة مثل تلك التي وصل لها الأسطول الإنجليزي، سيد البحار آنذاك.
ولكن تلك الرغبة لدى نابليون لم تكن تخفي واقع تفوق البحرية الإنجليزية بالقياس إلى نظيرتها الفرنسية التي كانت تعاني من التباطؤ في بناء السفن وقلّة تدريب البحّارة. وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أن نابليون لم يكن يصغى إلى ما يردده أميرالات البحر أمامه ويدعون إلى التعقل في التعامل مع «سلاح البحرية المعقّد». فنابليون «لم يكن من بين أولئك الذين لديهم الوقت للاستماع».
أما على الجانب الإنجليزي فقد كان هناك ضابط صغير آخر «كابتن» اسمه هوراتيو نلسون في طريقه كي «يصبح موضع افتخار إنجلترا ذات يوم»، كما قال عنه السير وليام هاملتون، سفير إنجلترا لدى قصر ملك نابولي إلى زوجته مضيفا قوله «وسوف يدهش ذات يوم العالم كله».
وتصف المؤلفة نابليون ونلسون بأنهما كانا يرميان كليهما إلى «المجد الأكثر عظمة». وتنقل عن بونابرت قوله: «إن مكافأتي أتلقاها من ضميري ومن الحكم الذي ستصدره الأجيال اللاحقة علي» أو «علينا أن نركز كل نشاطنا على سلاح البحرية (...) وعندما نتوصل إلى ذلك تصبح أوروبا تحت أقدامنا» و«أنه الإرادة والتصميم والمثابرة هي التي صنعت مني ما أنا عليه».
ومثل هذه الأقوال يمكنها، كما تؤكد مؤلفة هذا الكتاب، أن تحمل توقيع الأميرال الإنجليزي نلسون. لكن الفارق بين الرجلين تحدده على صعيد الطموح السياسي فالأميرال لم يكن يطمح إلى أكثر من أن يصبح «بحّارا بطلا» بينما أن نابليون «غيّر المعطيات التاريخية» للعصر الذي عاش فيه. وهكذا امتلك الاثنان إذن «إرادة السيطرة على البحار». وترسم المؤلفة لنابليون صورة استراتيجي عسكري كبير كرّس جزءاً كبيرا من اهتماماته لإعادة بناء البحر الفرنسية، على الرغم من أنه لم يكن قادرا على قيادة سفينة لوحده. لكن ولعه بـ «الأمواج والرياح والعزلة» في عرض البحار كان يمنحه قدرا كبيرا من الطاقة.
كذلك كان البحر هو «الوطن الأول» للأميرال نلسون منذ نعومة أظفاره، أما صفته الأساسية فتحددها المؤلفة في «الشجاعة» بينما تحدد اهتمامه الدائم والمستمر في البحث عن «المجد». وتنقل المؤلفة أنه عندما كان في السادسة من عمره قال لجدّته التي كانت قد أبدت قلقها بسبب تأخره عن العودة إلى المنزل قوله: «الخوف، إنني لم أره أبدا في حياتي ولا أعرف ما هو، وهو لم يقترب منّي أبدا». وهذا «الخوف» لم يقترب منه فيما بعد كما يبدو في سيرته «البحرية» التي تقدمها المؤلفة في هذا الكتاب.
وفي سياق المقارنة بين الرجلين تشير المؤلفة إلى أن الفرنسيين «ينسون أن يكنسوا أمام عتبات بيوتهم أحيانا»، وذلك مثل الحالة التي كانوا قد نعتوا فيها الأميرال الإنجليزي ولسون بأنه قد «مارس قمعا شرسا أثناء ثورة نابولي التي أدّت إلى قتل 120 ضحية» بينما لم يتحدثوا أبدا عن «الفظاعات التي مارسها نابليون بونابرت في غزة ويافا وعكّا». ثم تضيف المؤلفة قائلة: «لكن في الوقت الذي أظهر فيه برلمان لندن تأثرا كبيرا وحكم بقسوة كبيرة على سلوك الأميرال نلسون فإن حمام الدمّ الذي قام به الجنرال - نابليون- ظلّ لفترة طويلة طي التاريخ».
وكانت إنجلترا في تلك الحقبة مصدر تهديد دائم لفرنسا في البحر الأبيض المتوسط. هكذا انطرحت على فرنسا مسائل السيادة على البحار وحرية التجارة. و«كانت المبادلات التجارية لفرنسا مع القاهرة قد تدهورت منذ الثورة» حيث كان المماليك يرددون لممثلي باريس: «لم يعد لديكم ملكا». وكان ممثلو الباب العالي العثماني يعاملون الفرنسيين بقسوة. تصل أحيانا إلى حد القتل. وفي هذا السياق جرت معركة أبوقير الشهيرة التي ظهر فيها بوضوح التفوق الإنجليزي واستطاع الأميرال نلسون أن يدمّر سفن الأسطول الإنجليزي. ثم انتصر مرّة أخرى بعد سنوات في معركة ترافالغار بمضيق جبل طارق.
هكذا سيطرت إنجلترا على البحار والمحيطات، بينما بدت فرنسا أنها عاجزة عن مواجهة هذه القوة البحرية التي تفوقها قوة؛ هذا على الرغم من أن فرنسا كانت قد أثبتت أنها «قوة لا تقهر» على الأرض. وتصف المؤلفة ذلك الوضع بالقول انه كان يمثل «مبارزة الأرض اليابسة ضد البحر المتحرك».
*الكتاب:نلسون ضد نابليون من أبوقير إلى ترافالغار
*الناشر:بيران ـ باريس 2006
*الصفحات: 295 صفحة من القطع المتوسط
Nelson contre Napoléon
d'Aboukir à Trafalgar
Anne Pons
Perrin- Paris 2006
p.295
