هذه المقابلة أجراها أما توريستيرو إيدي، رئيس تحرير موقع «سنتننيتال بويتري» الالكتروني الإبداعي والثقافي المتخصص مع الروائي والشاعر الكندي ستيفن هايتون، بمناسبة صدور روايته «أراضي الماوراء» وهو في هذا اللقاء يلقي الضوء على العلاقة بين الجوانب المختلفة في عالمه الإبداعي من رواية وقصيدة ومقالة.

ويشدد على أنه لا يرى تعارضاً بين هذه الجوانب الإبداعية المختلفة مؤكداً أن اللمحة الإبداعية ذاتها هي التي تفرض القالب الذي تصاغ فيه، وأن ذلك ليس خياراً متروكاً للمبدع وإنما هو يكاد يكون شيئاً مفروضاً عليه من الداخل فرضاً. وفيما يلي نص المقابلة.

* يتمثل جانب مثير للاهتمام من جوانب أعمالك في أنك روائي أولاً ثم شاعر أم ترى أنك شاعر ولا ثم روائي بعد ذلك؟

ـ بدأت الكتابة في أوائل العشرينات من عمري، ومنذ البداية كتبت القص والشعر معاً. وأنا أواصل اليوم كتابتهما. والناس يميلون إلى الإشارة لي باعتباري شاعراً يكتب القص أيضاً، ولكنني أنظر إلى نفسي باعتباري كاتباً يقتضي الإبداع منه في بعض الأوقات طرحاً سردياً، وفي أوقات أخرى معالجة شعرية.

* هل يقاطع أي من هذين الاهتمامين الآخر؟ لقد كتب الكثير عن نثر الشعراء. كيف يحدد أحد هذين الاهتمامين الآخر في أعمالك؟

ـ إنني أفصل، بصفة عامة، هذين الجانبين أحدهما عن الآخر، فأتناول القصص باعتبارها سرداً وأعالج القصائد بحسبانها شعراً، وهكذا فإن هذين الاهتمامين لا يقف أحدهما في طريق الآخر بصورة حقيقية.

ولست أعتقد أنني أكتب نثر شاعر أو «رواية شاعر» بالمعنى المعتاد الذي يقصده النقاد. وأنا أحترم كثيراً ما يمكن للقص أن ينجزه، من حيث الدراما، والاستبصار النفسي والاكتساح السردي بحيث ان ذلك يحول بيني وبين كتابة قصيدة شعرية سكونية وجامدة.

ومن ناحية أخرى، فإن هناك بالفعل تداخلاً بين هذين القالبين الإبداعيين، فلقد كتبت قصصاً ومشاهد في روايات تعد صوراً شعرية تدفعها اللغة قدماً بقدر ما تدفعها القصة قدماً، ومع ذلك فإن القصة يتعين أن تكون موجودة. أما فيما يتعلق بلغة رواياتي فقد تأثرت بشعري، ولكن ربما ليس بالطريقة التي تتوقعها.

وقد علمني الحرص علي كتابة القصائد باستخدام الضوابط الشكلية أن أكون أكثر اقتضاباً وإيجازاً ككاتب للرواية، حيث ادقق فيما أكتبه جملة وراء الأخرى، ولا أنجرف باتجاه إكساب النص المزيد من الشاعرية.

* كانت هناك جلسة قراءة، في ألمانيا بحسب اعتقادي، استهلها الروائي النيجيري بن أوكري ب«تسليك» أوتار صوته بإلقاء قصيدة من شعره ثم مضى قدماً بقراءة عمل نثري له فهل الشعر بالنسبة لك بمعنى من المعاني هو تسليك لأوتارك الصوتية؟

ـ الشعر هو اهتمام استحواذي بالنسبة لي. ومن منظوري فإن الشعر والرواية اهتمامان استحواذيان بهذا المعنى قائمان معاً ولا تعارض بينهما.

* يبدو أنك تؤثر المنهاج السردي في شعرك، فهل هناك من سبب يدعو لهذا؟ إنني أقول هذا وفي ذهني ديوانك «دفتر عناوين».

ـ هذا أمر مثير للاهتمام، فقد كان حرياً بي أن أقول العكس تماماً. ولست أعتقد أن قصائدي تحكي قصصاً أو على الأقل هي لا تحكي قصصاً كاملة.

إنني أهتم أشد الاهتمام باللحظة الشعرية، بأزمة الاستبصار، بالعنوان الحميم، بالانفتاح الانفعالي الذي يتم استحضاره عبر الموسيقى اللفظية، بصيحة القلب، صيحة الحرب، صحية البهجة وديوان «دفتر العناوين» هو إلى حد كبير كتاب للعناوين، بمعنى أنه كتاب يضم قصائد منطوقة من أجل مخاطبين مختلفين بما هو وارد فيه.

وهكذا فإنها من ناحية الشكل أقرب إلى رسائل الحب منها إلى أي نوع من النصوص السردية. ومع ذلك، فإنني سعيد لأنك قرأت هذه القصائد بمثل هذه الطريقة المختلفة.

* هل تعمد إلى التجريب في شعرك؟

ـ معظم الشعراء يعمدون إلى ذلك. وأعتقد أن هذا يحدث كل مرة. إذا كنت تكتب شعراً حراً فأنت تجرب في الصوت والموسيقى والنفس وطول البيت إلى أن تجد التركيبة الصحيحة، وتصبح القصيدة هي الوحيدة من نوعها.

وإذا كنت تشتغل على «الشكل» فإنك قد تبتكر شكلاً جديداً. وإذا كنت تقوم بتوظيف شكل تقليدي، مثل السوناتا فإنك تحتاج إلى التواصل، إلى طريقة لتجديد حيوية هذا الشكل وجعله الشكل الخاص بك وإلا لماذا تكترث به في المقام الأول؟ إن كل قصيدة هي كونها الخاص بأصوله وعناصره وقوانينه الداخلية وحقول مغناطيسيته. وعليك بالتجريب، أي بمحاولة تجريب استراتيجيات جمالية جديدة لصياغة فرادتها الكاملة.

* هل لديك اهتمامات محددة من حيث الموضوع في شعرك ورواياتك؟

ـ أعتقد أنه من الأيسر أن يقوم القارئ، أو الطبيب النفسي، بالتعرف على اهتمامات متواتر في قصائدي ورواياتي، وأنا لست واثقاً من أنني أريد أن أعرفها، ذلك إن اهتمامانا الاستحواذية هي مصدر إلهامنا. أليس كذلك؟

وفيما يتعلق بروايتي الجديدة «أراضي الماوراء» فإنني لا أكتب رواية عن اللقاء بين البشر والطبيعة في ظروف الصراع القصوى، وانما هي رواية عن الطبيعة البشرية وتحولاتها في المقام الأول.

* يبدو المشهد الشعري في كندا اليوم متوهجاً بالحياة والحيوية. فهل تجد القراء على القدر نفسه من الحياة والحيوية أيضاً؟

ـ نعم. حقاً إن عدد القراء ليس كبيراً إذا شئنا استخدام التعبير يتعامل مع هذا الموضوع باعتدال، ولكن هؤلاء القراء على قدر كبير من الاهتمام بما يطرح على امتداد ساحتهم.

وقد اعتدت القبول بالقول الشائع الذي يشير إلى أن الشعراء هم وحدهم الذين يقرأون الشعر، ولكنني الآن أعرف عدداً كبيراً من القراء الآن، وهذا أمر مشجع إلى حد كبير.

منى مدكور