في عام 1871، وقبالة ساحل جرينلاند، انطلق تسعة عشر رجلاً وامرأة وطفلاً هائمين على كتلة من الجليد الطافي مبتعدين عن السفينة الأميركية «بولاريس» التي انطلقت في رحلة استكشافية للقطب الشمالي، وخاضوا غمار شتاء مرعب أطبق عليهم بمحنة استمرت ستة أشهر قبل أن يتم إنقاذهم أخيراً، وقد شارفوا على الهلاك.
رواية «أراضي الماوراء» هي قصة هذه الجماعة من المنبوذين في العراء الوحشي التي تألفت من أميركي أبيض وآخر أسود وخمسة ألمان ودانمركي وسويدي وانجليزي وعائلتين من قبيلة الانويت التي تنتمي إلى الاسكيمو، فيما هي تخوض غمار الصراع وتنقسم على نفسها إلى جماعات على أسس العرق والجنسية.
يقوم الروائي الكندي ستيفن هايتون بملء الفراغات المتروكة في التاريخ الموثق لهذه الواقعة من وقائع استكشاف القطب الشمالي بالتركيز على الشكوك، الأوهام، والحب من طرف واحد من جانب الملازم جورج تايسون، الضابط الأميركي الأرفع رتبة في المجموعة، وكذلك رولاند كروجر رجل البحرية الألماني المثقف نحو هانا، مترجمة السفينة المنتمية إلى قبيلة الانويت، والتي لا تبادل أياً منهما مشاعره.
الرواية لا تتوقف عند هذا الأفق وحده، على رحابته، وإنما هي تمتد إلى التحليق عالياً نحو تخيل ما يأتي في أعقاب هذه المحنة المروعة، حيث تقتفي أثر الشخصيات الرئيسية وهي تحاول مواصلة حياتها.
وبالتالي فإن هذه الرواية تجمع بين الدراما الشائقة التي تدور حول النجاة من أهوال الشتاء القطبي وبين الزخم النفسي للدراما الحديثة، كل ذلك في إطار من النثر القوي المكتوب بحس مرهف وبتقنية متقدمة.
وقد كان من الطبيعي أن تثير الرواية، بوضعيتها تلك، الكثير من الاهتمام من جانب النقاد. وهكذا فإن محرري ملحق الكتب في صحيفة «نيويورك تايمز» لا يترددون في الإجماع على اختيار هذه الرواية باعتبارها الرواية الأفضل لديهم من بين مجمل الحصاد الروائي للعام، وهو التقويم نفسه الذي يتبناه محررو صحف عديدة في كندا وفي مقدمتها «جلوب أند ميل» و«فانكوفر صن» و«أوتاوا سيتيزن» و«فانكوفر بروفنس» و«سوشال إيدج».
وتصف «نيويورك تايمز» الرواية بأنها عمل رائع حول تاريخ محنة سفينة، يقدم استكشافاً روائياً فريداً لتجارب البقاء على قيد الحياة، الحب، الخيانة، والثمن الشخصي للتاريخ.
وبدورها تؤكد صحيفة «ديلي إكسبريس» البريطانية أن هذا العمل انتصار للرواية ومزيج متقن من الصورة التاريخية للحياة الواقعية ومن القص الحديث.
وترى صحيفة «جلوب أند ميل» الكندية أن رواية هايتون هي عمل يستعصي على النسيان، وهي بمثابة كتاب هائل ورحب وعميق، يكشف عن أحساس روائي شديد الزخم، وان هايتون واقعي على نحو يبعث على الشعور بالصدمة عند كل منعطف في أحداث الرواية.
وبدورها تؤكد «واشنطن بوست» على المعمار المحكم للرواية وعلى نثرها الجميل وعلى أن الروائي يعيد تذكيرنا بإبداع جراهام جرين من خلال تقديمه لنوعية نادرة من الإبداع الروائي هي قصة المغامرة الأدبية الراقية.
وتصنف صحيفة «ناشيونال بوست» الرواية ضمن الأعمال الروائية التي تنتمي إلى القمة، وتصف هايتون بأنه صاحب أسلوب رائع يجيد التحكم في لغته على نحو نادر المثال حقاً.
وتقول صحيفة «أوتوا سيتزن» إن رواية «أرض الماوراء» هي إحدى قصص الشمال التي تستأثر باهتمام القارئ بشدة، حيث يجد الشخصيات التي لا تنسى والمغامرة الشائقة، الأمر الذي يجعل الرواية في نهاية المطاف إحدى القمم الروائية لهذا العام بامتياز.
ولا يتردد الناقد الأدبي لصحيفة «فاينانشال تايمز» اللندنية في وصف هذا العمل بأنه منتزع من رحاب خيال محلق، وفي الوقت نفسه مكتوب بنثر شديد الثراء والدقة، وشخصياته مرسومة على نحو رائع، الأمر الذي يجعل القارئ في نهاية المطاف أمام عمل مقنع وفي الوقت نفسه لا يسبر له غور.
وتؤكد مجلة «بوكس إن كندا» للقراء أن رواية هايتون عمل كبير بكل المعايير يجمع بين الكتابة الجميلة والشخصيات التي لا تنسى والأفكار العميقة والدروس التي يقدمها التاريخ.
والواقع أن رواية هايتون، الذي ترجمت أعماله إلى تسع لغات حتى الآن، تظل عملاً أدبياً شائقاً شديد الطموح، مفعماً بالدم وبالجهود المبذولة لسبر أعماق الطبيعة الإنسانية بكل ظلامها وهي تقع تحت طائلة تجربة مرعبة أقرب إلى اختبار شديد القسوة والضراوة.
ومن المهم أن نلاحظ أن هايتون يحاول التوغل في الأعماق الضارية لأعمق غريزتين تنطلقان من عقالهما حيث تبقيان للرجال الذين يواجهون خطر الموت جوعاً، وهما التوق الوحشي إلى الطعام وإلى الجنس، حيث الحاجة إلى التكاثر تنطلق بالقوة والضراوة التي يمضي بها النزوع إلى الأكل.
وبمزيد من التعاطف يتابع القراء «هانا» وهي زوجة أحد أبناء قبيلة الانويت والتي تعمل مترجمة على متن السفينة «بولاريس» وهي تصبح الهدف التعس لهاتين الرغبتين.
ويلفت نظرنا أن جرأة هايتون في التعامل مع القالب الروائي الذي اعتمده تجعله ينطلق من المغامرة الوحشية على الجليد الطافي، بحيث تغدو هذه المغامرة بمثابة المقدمة التي تجد امتدادها الطبيعي في متابعة الروائي وأبرز الشخصيات الرئيسية وهي تحاول متابعة حياتها والتخلص من الظلال الوحشية لذكرى هذه المغامرة القطبية.
هذا الانتقال من المغامرة القطبية إلى الرحلة في رحاب الحياة هو الذي يقدم لنا مقياساً للطموح الكبير الذي يميز رواية هايتون، التي لا نرى عبر صفحاتها قصة رجال ونساء يكافحون في مواجهة الطبيعة ولكن قصتهم وهم يكافحون في مواجهة طبيعتهم المحيرة ذاتها، وهي طبيعة أكثر ضراوة وانزلاقاً وإثارة للحيرة من الشتاء القطبي الموحش.
*الكتاب: أراضي الماوراء
* تأليف: ستيفن هايتون
*الناشر: هوتون مفلين
نيويورك 2006
*الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط
After Lands
Steven Heighton
Houghton Miflein - N.Y. 2006
p.228
