الدكتور علي القيم، وكيل وزير الثقافة السوري، الذي رافق المثقف السوري المعروف انطون مقدسي ثلاثين عاما في وزارة الثقافة، زميلا في قسم التأليف والترجمة، منذ عام 1960 حتى عام 2000 قام بجمع مقالات وأبحاث «لشيخ المثقفين السوريين» لتقديم صورة بانورامية عن فكره للقراء، من المعروف ان الراحل غاب عن عشرات الأبحاث والمقالات هاربا من جمعها وطبعها رغم إلحاح الملحين بذريعة انها تحتاج إلى مراجعات.

مقدسي من مواليد 1914.. حصل على إجازة في الفلسفة وشهادة الأدب الفرنسي من فرنسا، جامعة مونبلييه ثم إجازة في الحقوق وأخرى في العلوم السياسية من مدرسة الحقوق الفرنسية في بيروت.صار بيته في أحد أحياء دمشق مركزا ثقافيا تدور فيه الحوارات والنقاشات الفكرية والاجتماعية والسياسية والثقافية. نتيجة لمؤلفاته وكتاباته فاز عام 2001 بجائزة الأمير كلاوس الهولندية، وفي العام 2002 حصل على جائزة وزارة الثقافة السورية. وفي مطلع يوليو العام 2003 منحته وزارة الثقافة الفرنسية جائزة «عامل» في حقل الإبداع الأدبي والفكري من أجل نشر الثقافة في فرنسا والعالم. وجه في الآونة الأخيرة عبر الصحافة العربية الكثير من الرسائل للمسؤولين السوريين طرح خلالها آراءه وتصوراته لكيفية بناء المجتمع المدني في سوريا وانتقاداته لبعض المظاهر السلبية في البلاد.

يعتبر المنظر الأساسي للحزب الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني في عام 1950 وأكد للباحث السوري محمد جمال باروت انه كتب نظامه الداخلي ودستوره من ألفه إلى يائه.

يعتبر من جيل الأساتذة في العمل القومي مثل زكي الأرسوزي وميشيل عفلق. كان معجباً بالتكوين الفلسفي العميق للأرسوزي وبصدقيته الشخصية السلوكية لكنه يأخذ عليه تورم الشخصية. أما تقويمه لميشيل عفلق فكان شديد القساوة الممزوجة بنوعٍ ما من الاشمئزاز، وربما بدرجة خفيفة مهذبة من الكراهية.

وشكلت الثقافة لديه الحقل الذي يتم البذر والحصاد فيه. وفي آخر اكتهاله أخذ يكتب الرسائل إلى الرئيس بشار الأسد، وكان من أبلغها في خلاصة عمره و«حكمة» جيله من الأساتذة رسالته إلى حفيده. ولقد رحل أنطون غير أن بصماته فيما إذا ما تمعنت فيها أجيال المثقفين السوريين ستبقى كبيرةً، وإن كانت غير مرئيةٍ حتى اليوم كما يقول باروت.

رأى مقدسي ان نقطة الضعف الأساسية في الفكر العربي ليست في تقليد الفكر الغربي وإنما في التقليد ذاته وفي آنية الفكر العربي وانفعاليته، فالفكر الصحيح هو الذي يستبق الأحداث ويقودها عوضا ان يقاد إليها.

يرى مقدسي في مقالين عن شعر العودة ان الشعر هو مقياس إنسانية الأمة ومع الشعر ولد الإنسان وبدأ التاريخ، الشعر يجمع المعنى والصور في آفاق مختلفة ومتباعدة وليس كالموسيقى حيث يذوب المعنى في الصورة. في الشعر يتعرف الإنسان إلى هويته القومية والإنسانية.

ويرى ان الايديولوجيات الأكثر طليعية وعلمية تفقد قيمتها عندما لا تطور ذاتها مع تطور الواقع وقد تقتل المبدعين الملتزمين بها وان المدرسة التي يتحول التدريس فيها إلى تلقين معلومات معادية للثقافة .في مقالاته التي مزج فيها الأدب بالفلسفة قدم محاولات تفسيرية منطلقا من ان الإنسان قارئ رموز متفقا بذلك مع الفيلسوف بول ريكور في فهمه للتفسيرية (فلسفة المرحلة الراهنة).

بدأت الفلسفة مع المشكلة السياسية كما يرى الأستاذ أي مع مشكلة العدالة في المدينة،مع أفلاطون الذي حرضه موت سقراط على البحث عن تنظيم المدينة.الفلسفة نشأت مع الدهشة، والدهشة لا تتحصل إلا للمفكرين .

في مقال طويل بعنوان (في البدء كان المعنى) يصف فكر الارسوزي الذي قضى بصحبته ثلاثين عاما، احتار فيها ما اذا كان الارسوزي شاعرا أم قائدا أم مربيا أم بطلا أم فنانا. و يصف علاقته بالعروبة و اللغة العربية «العضوية الطبيعية» التي اعتبرها «لغة مطلقة» و«لغة سماء» بالمقارنة مع اللغات الغربية الصناعية.

مع تقديم أمثلة لغوية على أطروحته. ويكبر في الارسوزي أطروحته السياسية التي أضاف اليها البعد الروحي الذي لم ينتبه إليه أفلاطون الإغريقي. ويقدم في مقال ثان رؤيته لتجربة صدقي إسماعيل الفكرية والأدبية وفي مقال ثالث (الأمة في فكر الحصري والارسوزي القومي) اللذين وضعا اللغة في قلب نظريتهما عن الأمة.

الحصري رأى ان اللغة تكوّن روح الأمة وخيالها وتاريخا وذاكرتها وشعورها مستبعدا الدين والدولة والعرق والاقتصاد، و الأمة في فكر الارسوزي التي ارتقت إلى صوفية محيي الدين بن عربي والى الميتافيزيقا الجرمانية والرينانية الصوفية. ويقدم في مقال آخر تعريفه للتعريب في دلالته التاريخية: التعريب يتجاوز الترجمة إلى كونه مزدوج الاتجاه . واحد نحو ثقافات البشر والآخر نحو الذات .

ربما كان أهم مقالات الكتاب هو «المثقف العربي والديمقراطية». فالمثقف الذي يتحدث عن أزمة الديمقراطية يعترف ان حكومته غير ديمقراطية مؤكدا على أهمية الثقافة، فمتى ضعفت، استسلم المثقف لعاداته وحولها إلى أصنام مع القول بأن الثقافة تعريفا هي اغناء العقل بحيث يمكن الحكم بالسرعة اللازمة على قيمة وضع أو إبداء الرأي بشأنه. والسبب في بؤس هذه الأمة هو بؤس المثقف، صلة الوصل بين الحاكم والشعب.

ويصل إلى ان الديمقراطية هي حصيلة عاملين: التربية العقلانية السليمة والثقة بالحاكم، وإنها لا تتأسس إلا بإرساء فن الإصغاء للرأي الآخر أولا، والتسليم ثانيا بأن الحقيقة الإنسانية حصيلة جهد مشترك قد يمتد أجيالا، وأن الرأي الإنساني نسبي، فرديا كان أو جماعيا. أي فك الارتباط بين الحقيقة الإنسانية والمطلق.

ورابعا ضرورة تقديم إقامة العلائق الاجتماعية بين الحاكم والمواطن على أسس موضوعية الناظم لها هو التشريع والقيم والمعاني الإنسانية الناظمة لفعالية جماعة ما.

يقدم مقدسي صورة سوداء عربيا مادام المثقف يميل بغريزته إلى وضع الشعب تحت الوصاية، ومن أسف أن السياسي لا يثق بالمثقف رغم سرقته الايديولوجيا من المثقف وحكمه باسمها.

الأزمة ليست أزمة ديمقراطية بل أزمة مثقف يقع في إغراء السلطة والترف، إنها أزمة تكوين شعب. في الكتاب مقالات عن شعر العودة وطريقه إلى العالمية، والتعريب في دلالته التاريخية، وادونيس في باريس، ومن المنطق إلى الميتافيزيقا، والفلسفة تحاور الأدب وهو بحث في فكر بول ريكور.

يهمل معد الكتاب رسائل مقدسي الممتعة والعميقة ومقالاته في الأعوام الأخيرة والتي انتفض فيها فكريا وتحول إلى كاتب معارض.

أحمد عمر

*الكتاب:الأستاذ ـ انطون مقدسي

*الناشر:وزارة الثقافة

دمشق 2006

*الصفحات: 440 صفحة من القطع الوسط