محمد مظلوم، مؤلف هذا الكتاب، هو شاعر وكاتب عراقي، مقيم في دمشق. أصدر عدة دواوين شعرية، منها: «غير منصوص عليه»، «المتأخر، عابرا بين مرايا الشبهات»، «محمد والذين معه»، «أندلس لبغداد»، «اسكندر البرابرة»...وسواها.
كما أصدر مجموعة من الدراسات، من أهمها: «عبد الوهاب البياتي، كتاب المختارات»، «ربيع الجنرالات ونيروز الحلاجين»، «عراق الكولونيالية الجديدة: من ملحمة جلجامش إلى خرائط كولومبس». وهو ينشر باستمرار مقالات نقدية في الصحف العربية مثل «السفير»، و«المستقبل»...وغيرهما.يعتبر محمد مظلوم كتابه الجديد «الفتن البغدادية: فقهاء المارينز وأهل الشقاق»، الصادر، مؤخرا، عن دار التكوين بدمشق، استكمالا لكتابيه السابقين: «ربيع الجنرالات ونيروز الحلاجين»، و«عراق الكولونيالية الجديدة...» ليكمل بذلك ثلاثية تتحدث عن أحوال العراق منذ أن جرى الاستعداد الأميركي لغزوه، مرورا بسقوط النظام القمعي في التاسع من أبريل العام 2003م، وصولا إلى اللحظة الراهنة الحرجة التي يتناولها الباحث في هذا الكتاب الجديد، بمنظار مثقف حريص على بلاده الممزقة بين فقهاء المارينز وأهل الشقاق.
ما يلفت النظر في هذا الكتاب لدى الانتهاء من قراءته، هو أن الكاتب يأخذ موقفا وسطيا مخالفا لمعظم المواقف السائدة المتمثلة، حينا، في مناصرة الأميركان بلا حدود، ومحاربة النظام السابق، أو مناصرة الأخير ومحاربة الأميركان، وهذا الاستقطاب الحاد هو الذي يميز الحياة السياسية في العراق، لكن ما يقدمه مظلوم هو انه يقف على الضد من الاحتلال الأميركي.
وكذلك من النظام الاستبدادي المخلوع، معا، وهو بذلك يسجل موقفا معتدلا عبر توضيح الالتباس السائد في المشهد السياسي العراقي اليوم، فليس بالضرورة من يعارض الاحتلال الأميركي أن يحن إلى زمن النظام القمعي ويدافع عنه.
وكذلك ليس بالضرورة من يعارض النظام السابق أن يبارك الاحتلال، ثمة مسافة في المنتصف تشير إلى معارضة الاحتلال الأميركي، وكذلك محاربة نظام صدام حسين، وهي المسافة التي تتحرك عليها بوصلة محمد مظلوم.
وفق هذه الرؤية يمضي مظلوم في تسجيل ملاحظاته، وانتقاداته للوضع القائم حاليا في العراق، وهو يطلق على كتابه عنوانا موحيا: «الفتن البغدادية، فقهاء المارينز وأهل الشقاق»، معتبرا أن الفتن التي يعيشها العراق، يشترك فيها فقهاء المارينز ممن صفقوا للأميركان، وفرشوا لهم طريق العراق بالورد والحرير.
وكذلك أهل الطوائف والشقاق في العراق، فيقول الباحث في هذا السياق «وإذ أضع حدي (الفتنة) بين ما جاء به المارينز وما اهتاج من كوامن الطوائف، فلا مسافة نوعية بين (فقهاء المارينز) و(أهل الشقاق) في الأساطير الجديدة، مثلما لا مسافة ما بين فتن بغداد وتاريخها».
وهو يريد هنا أن يقول إن التدمير الذي يتعرض له العراق سببه المارينز الذي يعبر عن التوسع الإمبراطوري الأميركي، وهؤلاء يحتاجون إلى فقهاء وكشافة يعرفون الأرض الأخرى جيدا، وتشترك مع ذلك ثقافة الطائفة وثقافة أهل الشقاق، فيتواطأ الجميع على دمار البلد دون أن تلوح في الأفق بوادر حل قريب ينقذ العراق من محنته القاسية والموجعة.
كثيرة هي الحقائق والوقائع والأرقام والأحداث التي تدعم رأي مظلوم، ونظرا لهذه الكثرة التي تتمثل في التصريحات اليومية، والأخبار العاجلة، والسيارات المفخخة، والأمن الغائب، والحرمان من مستلزمات المعيشة اليومية، وصراع الطوائف...فإن الباحث يجد نفسه وسط فيض من الأدلة، والبراهين، ولعل أهمية بحثه تكمن هاهنا، أي في البحث، والتقصي.
واختيار الحجة التي يراها مناسبة كي يدعم وجهة نظره الرافضة للاحتلال، والرافضة كذلك للعهد البائد، فيجتهد في التقاط ما هو جوهري وحاسم، ويهمل ما هو نافل وعابر.
وهو لا يكتفي بما هو قائم اليوم في العراق من قتل وتدمير، بل يذهب إلى التاريخ القريب، أي إلى صفحات تاريخ الاحتلال البريطاني للعراق في أوائل القرن المنصرم ليعقد مقارنة بينه، وبين الاحتلال الأميركي اليوم، ليكتشف أن التاريخ يعيد نفسه، فالغايات واحدة.
والأهداف تتشابه بين اليوم والأمس، كما أن الشعارات والتصريحات البراقة والمعسولة تتقارب، وبالتالي فإن الاحتلال الأميركي اليوم لا يختلف عن الاحتلال البريطاني في الأمس سوى في الشخصيات، والمسوغات.
ويخوض الباحث كذلك في تاريخ العراق البعيد، إذ يرصد المؤامرات التي حيكت ضد العراق عبر التاريخ، والتي أفضت دوما إلى نتائج وخيمة، يخسر فيها العراقيون حياتهم وأحلامهم.
يقدم مظلوم في هذا الكتاب شهادة شخصية ـ وجدانية، مكتوبة بلغة أدبية رفيعة لمثقف يشهد محنة بلاده، ولا يقوى على فعل شيء سوى التدوين، ودق ناقوس الخطر، وهو يحاول عبر فصول الكتاب الأربعة أن يرسم شكل الخيبة والهزيمة، نائيا بنفسه عن موالاة أية جهة سوى الحقيقة، فنراه متابعا لأدق التفاصيل في بلاده، فيوظفها توظيفا موفقا بغرض تعرية التصريحات السياسية، وفضح الأهداف المضمرة، وكشف الحقائق التي يتم تزييفها عبر الإعلام والفضائيات المختلفة.
والملاحظ أن الكاتب القادم أساسا من حقل الأدب والشعر يوجه قلمه نحو المثقفين العراقيين، وبقدر اللوم الذي يضعه على من روج للمارينز احتلال بلاده، فإنه يضع المسؤولية، كذلك، على عاتق المثقف الذي لاذ بالصمت أو أفرط في المديح لهذا السياسي أو ذاك،.
وهو يجهد كثيرا في دعم أطروحته بالأمثلة التاريخية، محالا إلقاء الضوء على التاريخ الثقافي والحضاري لهذا البلد الذي دخله المارينز وهم يجهلون ثقافة مجتمعه.
وعاداته، وطقوسه، وقيمه، ومقدساته...الأمر الذي أوصل المشروع الأميركي إلى هذه الحالة من الارتباك والإفلاس، والفوضى، فالعراق الذي يحمل تاريخا طويلا من الحضارة والمتميز بتنوعه العرقي والطائفي، والغني بتراثه وثقافته...يصعب ترويضه، والتصرف بمقدراته وثرواته على النحو الذي تصوره الأميركان، وتخيله فقهاء المارينز.
وإذا كان السياسيون يمارسون لعبة الخداع والمكر والبحث عن المصالح، فإن مهمة المثقف تختلف تماما عن دور السياسي، فالأدباء والأساتذة الجامعيون والكفاءات العلمية وغيرها يفترض أنهم يقيمون الأمور من منظور مختلف، لاسيما ان الموضوع هو احتلال جاثم على صدر العراقيين.
ومن هنا فإن تجميل الاحتلال للشارع العراقي أو الهروب من المواجهة لا تليق بالمثقف وبدوره، خصوصا وان المثقف العراقي في غالبيته، وعلى مر التاريخ، رفع صوته دائما في وجه الظلم والقهر والتسلط، فلماذا يخلد ـ كما يتساءل مظلوم ـ إلى الصمت في هذه المراحل الصعبة والحرجة التي يعيشها العراق، منتقدا، في شكل خاص، أولئك المثقفين الذين تحولوا إلى أبواق دعاية ومديح للحكام الجدد.
ويصل الباحث في نهاية الكتاب إلى استنتاج يقول إن «العراق يسير اليوم في طريق المتاهة بامتياز»، مشددا على أن حلم المشروع الديمقراطي في العراق انتهى إلى «حرب أهلية حقيقية لا يمكن نكرانها».
وانتهى «أمر الطبقة السياسية في البلاد إلى البحث عن حلول للمعضلة خارج الحدود، وانتهى أمر النخبة المثقفة إلى التأمل في مرآة الطائفة والعشيرة والجماعات المحلية والولاءات المتعددة، حتى غابت الحدود والفواصل بين ما يسمى منظمات المجتمع المدني، وتنظيمات المافيات المتسقة في سياقها، وغاب دور الأفراد والجماعات والأهالي في ضجيج الهتافات والبيارق المرتفعة وسلطة الميليشيات المناطقية».
إبراهيم حاج عبدي
*الكتاب: الفتن البغدادية
*الناشر: دار التكوين ـ دمشق 2006
*الصفحات:290 صفحة من القطع الكبير

