الدكتور محمد صالح الهرماسي مؤلف هذا الكتاب باحث تونسي وأستاذ جامعي وُلد في تونس عام (1938) وأكمل دراسته الثانوية فيها، ثم التحق بالجامعة اللبنانية وتخرّج منها عام (1962) بإجازة في التاريخ والجغرافيا، ثم عاد للتدريس في تونس وعمل مناضلاً في النقابات التونسية .
في المؤتمر القومي الثالث عشر عام (1980)، انتُخب في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي كمسؤول عن الشؤون المغاربية والمهجر. حصل على شهادة دكتوراه في التاريخ وأصدر المؤلفات التالية:
«من تاريخ الحركة العمالية في تونس - مقاربة في إشكالية الهوية، المغرب العربي المعاصر - يقين الانتماء أم وهم الاغتراب»، وله دراسة بعنوان: رسالة مفتوحة إلى المثقفين الأوروبيين .
في كتابه الجديد «العبور إلى المستقبل» يرصد الباحث الممارسة السياسية العربية بمختلف اتجاهاتها، والتي هي أحوَج ما تكون إلى تعميق أساسها النظري، فإذا بها تهمل هذا الأساس وتستبدل المصلحة بالمبدأ أو المعلومة بالفكرة.
وإذا بها توظّف الفكر في خدمة السياسة من خلال تحوّله إلى أيديولوجيا تبريرية، حتى أن بعض الأحزاب والحركات القومية لم تجد خلال عقود من الزمن، رغم التحولات العميقة في الأوضاع الدولية والإقليمية والعربية، ضرورة في تطوير منطلقاتها الفكرية التي عفا عليها الزمن وتجاوزها الواقع، مكتفية بوظيفتها الجديدة: وظيفة التبرير الأيديولوجي للممارسة السياسية السلطوية.
عن «الأمة العربية وإشكالية العلاقة بين الثقافي والسياسي» يناقش الباحث الآراء التي تتردّد كثيراً في هذه الأيام، وهي أن الاستعمار هو الذي حال ويحول دون قيام الكيان السياسي الموحّد للأمة العربية حاكماً عليها بالبقاء أمّة ناقصة.
والمشكلة في هذا الطرح، على وجاهته، انه لا يلتفت إلى حقيقة أن الوعي القومي العربي، كما تجلّى إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية، لم يتجاوز أبداً مطلب التحرّر والانفصال عن الإمبراطورية إلى مطلب إعادة الأمة العربية وتوحيدها وفق تصوّر واضح موحّد يلتفّ حوله الجميع.
ولم تكن العروبة، آنذاك، قد نضجت بما فيه الكفاية لتشكّل إجابة سياسية عملية على أزمة الهوية التي خلّفها الانفصال عن الدولة الإمبراطورية العثمانية.
من هنا نفهم كيف أن الاستعمار لم يجد عناءً كبيراً في الدخول إلى الوطن العربي. يرى الباحث أن إشكالية الأمة العربية هي إشكالية الوعي القومي العربي القاصر، ذلك أن هذا الوعي لم يهتدِ أبداً إلى وحدة الثقافي والسياسي في الهوية العربية.
فقد بدا وعياً ثقافياً دون أفق سياسي، ثم أصبح وعياً سياسياً دون مرجعية ثقافية، وعياً أراد التركيز على العروبة دون الإسلام فاستحالت القومية العربية دون مرجعية تاريخية، ولم يستطع تحديد القومية إلا على أساس اللغة وأهمل الثقافة العربية كثقافة إسلامية علماً بأن ما يبقى من الثقافة بعد إلغاء الإسلام منها هو حصيلة قليلة الأهمية والجدوى.
بالنتيجة فإن هذا الوعي قد اغترب عن الواقع الحقيقي للأمة وعجز عن تلبية حاجاتها التاريخية إلى الوحدة السياسية عجزاً فادحاً على صعيدي التحليل النظري والأداء السياسي لدى القوى والأحزاب والحركات القومية.
عن مفهوم «المشروع القومي ... نهاية حلم أم تجدّد رؤية» يبرز الباحث هذه الرؤية وهذا التفكير الجديد الذي يكاد أن يصبح اليوم محل قبول جماعي يؤشّر إلى إمكانية بناء القومية العربية من جديد وتجديد المشروع القومي تجديداً شاملاً:
- إنزال القومية العربية من سماء الطوبى والتجريد إلى أرض الواقع الاجتماعي والسياسي.
- تحرير الفكرة القومية من فكرة نخبوية إلى أيديولوجيا سياسية عامة معبّرة عن حقيقة ان العروبة هوية قومية جامعة يشترك فيها كل أبناء الأمة.
- التوجّه نحو إنتاج نظرية متكاملة في الدولة، وتغيير الفهم القومي التقليدي المعادي للدولة القطرية على أساس الاعتراف بصيرورتها حقيقة سياسية لا مجال للقفز عليها في أي عمل قومي.
- نهاية النظرة التقليدية للوحدة العربية، وترسّخ مفهومها الوظيفي القائم على المصالح المشتركة والأمن المشترك والروابط المادية والتكامل الاقتصادي... والقبول ديمقراطياً بمختلف أشكالها الممكنة واقعياً مع استبعاد الشكل الاندماجي المفروض سابقاً.
- إعادة النظر في العلاقة بين القومية والدين، وبناء التلازم بين العروبة والإسلام.
- إعادة رسم استراتيجية قومية للصراع مع الصهيونية والاستعمار الأميركي تقوم على تجميع طاقات الأمة ومصادر قوتها.
- التجدد الحضاري الذي يعيد بناء العلاقة بين الأصالة والمعاصرة، بين الأنا والآخر، من خلال تحرير العقل العربي من سلطة الاستبداد المحلي بوجهيها السياسي والديني، وسلطة الهيمنة الأجنبية.
عن «التنمية العربية في مواجهات التحديات» يقدّم الباحث رؤية عامة للتوجهات التنموية في الوطن العربي، والتي يجب أن تتسلّح برؤية وطنية وقومية لا غنى عنها في مواجهة التحديات الخطيرة التي وصلت إلى حدّ إقدام الولايات المتحدة الأميركية على غزو العراق. ويمكن إيجاز عناوين هذه الرؤية في التالي:
أولاً: إن عملية التنمية هدف لا بدّ من الإيمان بضرورته وإمكانية تحقيقه في ذات الوقت ردّاً على كل الطروحات العدمية التي تسجن الواقع العربي في قضبان صورة قاتمة محبطة تفيد أن الأمة العربية قد استنفدت كل إمكانيات الانبعاث والتجدّد، وأصبحت محكومة بالضعف والتخلّف والتمزّق والزوال.
ثانياً: أن الاستفادة من درس انهيار الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي هي التي تضع اليد على الأسباب الحقيقية لهذا الانهيار، وليست تلك التي تستغّل لتشويه الفكرة الاشتراكية. وهي التي تعمل على تطوير هذه الفكرة ردّاً على الهجمة النيوليبرالية الشرسة التي تجتاح العالم .
وإذا كان «انهيار الأنظمة الشيوعية قد أنعش الطروحات الأكثر ليبرالية في أوروبا والغرب، فإن النقاش الذي يدور حول ضرورة تدخّل الدولة في القطاعات الحيوية والحفاظ على مفهوم القطاع العام والدفاع عن بعض مبادئ الحماية الاجتماعية يبقى ضرورياً .
ثالثاً: أن فكرة تناقض سلطات الدولة بسبب تأثير العولمة، حيث يصبح كل ما هو خارجي في نطاق العولمة أمراً داخلياً يجب أن لا تغدو مسلّمة ينجم عنها حتماً الخصخَصة وتحرير الاقتصاد وفقدان الدولة القطرية أدواتها الرئيسية في التكامل الاجتماعي من خلال القطاع العام.
رابعاً: ان النجاح في تحقيق المشروع التنموي يصطدم بصعوبة كبرى ما لم يتحول هذا المشروع إلى شأن وطني وقومي ينخرط فيه المجتمع كلّه إعداداً وتنفيذاً .
خامساً: يجب الأخذ على محمل الجدّ التحليل الذي يتساءل عن قيمة أي خطاب عن الفقر أو حقوق الإنسان اليوم إذا كان الموجود على جدول الأعمال يرتّب للشعوب مستقبلاً أسوأ مفروضاً بالقوة العسكرية، والذي يُستنتج من ذلك أن المحور الأساسي للتحرّك، في اللحظة الراهنة، لا يمكن الاّ أن يكون النضال ضد الحروب الأميركية وبناء أكبر جبهة من جميع القوى التي يمكن أن تقف ضدّها.
وملخّص القول ان نجاح التنمية العربية المستقلّة يتوقف على النجاح في المزاوجة بين مقتضيات العولمة ومقتضيات المصلحة الوطنية والقومية. وأهم مستلزمات التكامل الاقتصادي على الصعيد العربي هي:
- توفير الحدّ الأدنى من قوى الدفع الذاتي في التنمية، وكذلك تأمين قدر كبير من الاعتماد الجماعي على الذات في إطار الدولة العربية بالتعاون مع الدول النامية الأخرى.
- تنمية القدرة على مقاومة الصدمات الخارجية.
- تركيز الجهود للارتقاء بجودة الصناعات الوطنية وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية والعمل على تنويع الصادرات.
- تطوير القدرات التكنولوجية الذاتية.
د. وانيس باندك
*الكتاب: العبور إلى المستقبل
*الناشر: مطابع دار البعث
دمشق 2005
*الصفحات: 242 صفحة من القطع الكبير
