عندما غادرت حلب أواخر الثمانينات من القرن الماضي لم اعرف أين كان لقمان ديركي، فقد كان صديقا لي مطلع الثمانينات خلال ملتقى جامعة حلب حيث كان مبهورا بسليم بركات وبفريق الحرية، ثم أصبح ندا في مقاهي حلب منتصف الثمانينات بعدها اختفى، كما لو انه لم يكن بيننا ذات يوم.
تلك السنوات كان لقمان قد ذهب إلى دمشق ليصبح شاعرا وممثلا وزوجا وأبا وبوهيميا وخليطا من اوصاف لم تعد رائجة اليوم، وطيلة خمسة عشر عاما لم أره سوى مرة مطلع العام ألفين في دمشق وكنت حينها عائدا من دبي، أخذني بالأحضان ودعاني إلى مسرحيته «منع في سوريا» والتي وجدت فيها متعة كوميدية لم يشهدها المسرح السوري منذ سنوات بعيدة، كوميديا راقية أصابتني بالإعياء لشدة ماضحكت.
ومرة أخرى انقطعت أخبار لقمان سوى ما تيسير لي من لقطات درامية أراها خلال رمضان، حيث يظهر لقمان فيها مرة بزقجيا «عازف بزق جاء من القامشلي» ومرة دركيا ينتصر لثوار الغوطة..
ومرات أخرى لا تحضرني اليوم. منذ أيام تلقيت كتبا من إصدارات دار رياض نجيب الريس وبينها كتاب بعنوان «من سيرة الهر المنزلي» وهو عبارة عن قصص كتبها لقمان ديركي ورسم غلاف المجموعة الصديق حسن إدلبي حيث لقمان يكتب بالستيلو بثياب رثة و،لشدة جموح خيال حسن إدلبي فقد خلع رأس لقمان ليضع مكانه رأس قط بنظرة مريبة ليتناسب غلاف الكتاب مع مضمونه.
أما المضمون فهو مجموعة «أحداث» حقيقية إلى درجة أني اشهد على صدقها لان معظمها اعرفه وعشت بعضا من فصوله.
في هذا الكتاب لم تكن هناك قصة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، كان هناك واقعة جرت بالفعل مع لقمان كتبها بلغة اقرب ما تكون إلى لغة المقهى بعيدة عن فلاتر الأدب التي تطرح الغث وتترك السمين، لغة تفوح منها رائحة الحدث ذاته ورائحة اصدقاء مشتركين اعرفهم وأعرف قصص مغامراتهم، لغة لا تنتمي سوى إلى أبطالها، وبذلك يمكن الاعتراف أن تصدير لغة جديدة إلى الشارع الأدبي يعتبر مغامرة واسعة الطيف، ستجد من يناصرها وطبعا من يعاديها. وما أكثر الأعداء.
جلستان استغرقهما كتاب لقمان واحدة للقراءة وثانية للتأمل، وإذا لم أجد اسمي بين طيات القصص فهذا يعني أن الرجل كان حصيفا بحيث لم يأت على ذكري، ولربما يحمل ودا قديما عندما قدمته في ملتقى جامعة حلب قائلا:
اكتشفت شاعرا اسمه لقمان ديركي، يوما انتفض جملة من أبطال الملتقى إلى درجة دفعت مازن عليوي للقول إنني لم اكتشف شيئا وكأنه يسحب اللقب. وتلك الأيام كان الحصول على لقب ليس بسهولة ألقاب اليوم. الكل الشعراء والكل نقاد والكل يفهم في السياسة.
قرأت كتاب لقمان غارقا في ذكرى ضاحكة عذبة تنتمي إلى زمن لن يعود ثانية، ولم أقف عند لغة أو بنية نصية أو علاقات تراكبية سليمة فقد كانت الوقائع الواقعية تشفع لمصادقة الكتاب.