لا يمكن المجازفة بإعطاء هوية واضحة لكتابات الروائي الإيطالي الأشهر إيتالو كالفينو (1923 ـ 1985) بل ربما كانت الهوية الثابتة لمجمل ما كتب هي التغيير فقد وصف نفسه بأنه «مؤلف يتغير من كتاب إلى آخر»، وهو في أعماله يمزج بين الخيال الخصب والواقع الصارم والمحدد، وفي الوقت الذي هجر فيه الكاتب الأسلوب الواقعي الذي كان مطلوبا من قبل «اليسار»،
وكذلك الأسلوب المغرق في الذاتية، فانه اهتدى إلى أسلوب ثالث لا يمكن من خلاله الفصل بين الأدب والعلم أو بين المعرفة التي تنطوي عليها الخرافات، وتلك المعرفة المستقاة من التجربة العلمية المحسوسة لكنه وفي جميع كتاباته يطلق العنان للمخيلة وكأنه كان يمارس تمرينا مستمرا في ابتكار الأشكال التعبيرية ومثل هذا الأمر لا يتأتى من رغبة في التجريب لمجرد التجريب فحسب.بل هو تعددية مطلوبة في الأدب، حسب رأي كالفينو، الذي وضع قبل رحيله ست وصايا من أجل الإبداع للألفية الجديدة (الألفية الثالثة) من بينها التعددية إلى جانب وصايا أخرى، هي: الخفة، السرعة، الدقة، الوضوح، الاتساق وقد نشرت زوجته هذه الوصايا بعد رحيله في كتاب مستقل.
ومن كالفينو المشهورة «ماركوفالدو» وهي رواية مكتوبة في صورة لوحات قصصية لها بطل واحد هو ماركو فالدو البسيط الذي يجمع بين الغرابة والسذاجة، ويتحرك في النص بين الواقع والخيال في مشاهد ساخرة.
نظر النقاد إلى هذه الرواية من زاوية أنها تشكل رفضا للمجتمع الرأسمالي الصناعي الذي يخرب الطبيعة. وله أيضا رواية «بالومار» وهو نوع من اليوميات التي يعيشها بالومار.
«البارون المعلق» رواية أبدعتها مخيلة كالفينو ليسرد من خلالها ما يجول في ذاكرته من أفكار وهواجس واستخلاصات عن رؤيته للحياة وللتاريخ الأوربي القريب الذي يعود الى نهايات القرن الثامن عشر.
صبي في الحادية عشرة من عمره يدعى كوزيمو يتمرد فجأة، وفي خطوة غير مسبوقة، على تقاليد العائلة يوم 15 يونيو 1767 وهذا التمرد، وإن بدا بسيطا، فكل ما فعله هو انه رفض أن يتناول وجبة غداء مؤلفة من الحلزونات، لكن هذا الرفض في عرف العائلة الإقطاعية الأرستقراطية التي ينتمي إليها يعتبر خطأ كبيرا يستوجب العقاب الشديد «فلم يسبق أن حدث عصيان خطير من مثل هذا النوع»، فوالده بارون ووالدته ابنة أحد قادة جيوش الإمبراطورية النمساوية .
وهو ما يعني أن للأسرة تقاليد موروثة متزمتة ينبغي على أفراد الأسرة المؤلفة من الصبي المتمرد وشقيقه الأصغر بياجو (الراوي) وشقيقتهما باتيستا والوالدين التقيد بها .
ومن يتجاوزها فسيلقى العقاب غير أن كوزيمو لا يترك لهما مجالا لمعاقبته إذ يستتبع فعل الرفض بقرار اكثر غرابة حين يقرر الصعود الى الأشجار والعيش هناك رافضا الاستجابة لكل النداءات التي تدعوه للنزول الأمر الذي يحرج كثيرا والده البارون الطامح الى الفوز بلقب الدوق والذي يتباهى بمكانته وعلاقاته مع النبلاء في بلدة اومبروسا «ذات الأشجار السامقة» في الجنوب الإيطالي حيث تجري أحداث الرواية.
ابتداء بهذه الحادثة يخلق كالفينو عالما افتراضيا يمارس فيه البطل حياته في صورة تبدو طبيعية في منفاه «الأخضر» المشيد من الأغصان الرقيقة وسط حفيف الشجر وأنفاس الطبيعة العابقة بالفتنة والجمال النقي حيث يساعده شقيقه في تأمين ما يلزمه من احتياجات وأدوات الى أن يبلغ الخامسة والستين من العمر لتظهر عليه علامات الاحتضار، فيحثه الأهالي على الهبوط، لكنه يرفض الى أن يعثر كالفينو على مخرج فني لهذا المأزق .
حيث يجد بطل الرواية فجأة حبلا كان يتدلى من منطاد يستخدمه الطيارون الإنجليز، فيتعلق به محلقا عبر الخليج ثم يمضي باتجاه شاطئ آخر ليختفي كوزيمو العجوز ويقام له قبر رمزي كتب عليه «كوزيمو بيوفسكو روندو. عاش فوق الأشجار، أحب الأرض على الدوام لكنه صعد الى السماء».
شاهد كوزيمو من مملكته تلك، وعبر السنوات، البزوغ الأول للشمس وكيف تتفتح الثمار الخضراء، وتنضج رويدا رويدا. كان يشتم عبق البذور ويراقب ابتهاج الأوراق الخضراء لدى عناقها لقطرات المطر، ولم يكن بعيدا عن الأحداث التي كانت تعصف بالقارة الأوربية بل ربما عرف عن الأحداث بصورة اكثر وضوحا مما لو كان على الأرض، فقد راقب الجيوش .
وهي تمر من بلدته كما شاهد القراصنة واللصوص وقطاع الطرق، وسمع الأحاديث وعاش مغامرات لم يكن ليحلم بها وكان يساعد الفلاحين في أعمالهم، ويساهم في إطفاء الحرائق، وساعده في ذلك اكتسابه لمهارات التنقل بين الأشجار من مكان الى آخر بخفة مدهشة.
وأكثر من ذلك فقد عاش قصة حب مختلفة مع فيولا الغائبة والأهم انه كان يقرأ بشغف وسط ساعات الفراغ الطويلة، إذ كان يقايض ما يصطاده بالكتب، فقرأ أفكار الثورة الفرنسية، والتقى بنابليون بونابرت الذي خاطبه من الأسفل: «لو لم اكن أنا الإمبراطور نابليون لرغبت في أن أكون القروي كوزيمو روندو»، وهي الجملة التي قالها الاسكندر لديوجين «لو لم اكن الاسكندر لرغبت في أن أكون ديوجين».
قيض له في وحدته أن يقرأ لمنظري الثورة الفرنسية: ديدرو، وفولتير، وروسو..وكذلك روايات الإنجليزي فيلدنغ، وصموئيل ريتشاردسون، والمفارقة أن المجرم المشهور في المنطقة جان دي بروغي حين لجأ هربا من العدالة الى مملكة كوزيمو، فان الأخير استطاع أن يخلق لديه حب القراءة فكان يشجعه ويؤمن له الكتب التي راح المجرم يتلقفها بشغف وكأنها كنوز لا تقدر بثمن، فنمت لديه مشاعر الحب، والدعة، وعداء لكل ما هو شرير وهو ما يحيلنا الى حكايات «ألف ليلة وليلة» التي روتها شهرزاد لشهريار لتنجح في إطفاء نزعة القتل لديه.

