مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور هنري ر. ويست أستاذ الفلسفة في كلية ماكاليستر بجامعة مينيسوتا. وهو مختص بفلسفة القرن التاسع عشر عموما وفكر جون ستيوارت ميل على وجه الخصوص. وكان قد نشر قبل عامين كتابا بعنوان «مدخل إلى الأخلاقية النفعية لجون ستيوارت ميل». كما ونشر عام 1977 كتابا بعنوان «الفلسفة الأخلاقية: نصوص كلاسيكية ومشاكل معاصرة». هذا بالإضافة إلى دراسات ومقالات أخرى عديدة.
وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف صورة واضحة عن حياة الفيلسوف البريطاني الشهير وفلسفته. وهو يقول بما معناه: كان جون ستيوارت ميل قد نشر كتابا بعنوان «الفلسفة النفعية» عام 1863، أي في أواسط القرن التاسع عشر أو بعدها بقليل.
وقد اعتمد فيه على نظريات فيلسوف سابق له يدعى جيريمي بنتام. وهو الذي كان يقول بأن الهدف الأساسي والوحيد للوجود البشري على هذه الأرض هو الاستمتاع بالحياة واللذة. وكل ما عدا ذلك سراب في سراب. والمقصود بذلك لذة الأكل والشرب والجنس والسعادة الأرضية عموماً.
فإذا أمضيت حياتي في الحزن والهم دون اقتناص المتع والشهوات أو دون التمتع بأطايب الحياة فهذا يعني أني لم أستفد شيئا ولم أعش أصلا. هذه هي نظرية أستاذه «بنتام» بعد أن لخصناها بسرعة شديدة. ولكن جون ستيوارت ميل أضاف إليها بعدا جديدا هو البعد الأخلاقي والضمير الداخلي. وكان يقصد بذلك أن المتعة لا تكفي كفلسفة للحياة وإن كانت ضرورية، وإنما ينبغي أن نضيف إليها شيئا آخر هو الإحساس الداخلي بالواجب تجاه الآخرين وآلامهم.
ثم يردف المؤلف قائلاً: كان «بنتام» يقول بما معناه: إن فلسفتي التي أؤمن بها تقول بضرورة تحقيق سعادة أغلبية البشر عن طريق المطابقة بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع ككل.
وهذه فكرة جيدة ولا غبار عليها. فالرجل لا يدعو إلى السعادة على حساب المجتمع، وإنما من خلال المجتمع ومع المجتمع. ولكن جون ستيوارت ميل أضاف إلى ذلك الفكرة التالية: وهي أننا لن نجد السعادة الشخصية إلا إذا بذلنا كل جهدنا لتحقيق سعادة الآخرين. وهذا دليل على رفضه للأنانية الفردية السائدة في بعض مجتمعات الغرب.
وبالتالي فلا ينبغي أن نفهم كلمة الفلسفة النفعية هنا على أساس أنها فلسفة مصلحية، لا أخلاقية، وإنما على أساس تحقيق المنفعة والمصلحة للآخرين والعمل من أجلها وكأنها مصلحتنا الشخصية.
لكن من هو مبلور هذه النظرية الفلسفية يا ترى؟ وماذا نعرف عن جون ستيوارت ميل؟ ينبغي العلم بأنه ولد في لندن عام 1806 في عائلة متواضعة بل وفقيرة على الرغم من أن والده كان مثقفا لا عاملا أميا. والواقع أنه هو الذي ربّى ولده وعلمه في البيت. ولهذا السبب فلم يدخل فيلسوفنا المقبل أي مدرسة ولم يتخرج من أي جامعة، ومع ذلك فسوف يصبح أحد كبار فلاسفة الإنجليز في القرن التاسع عشر.
ثم يردف المؤلف قائلا: في سن الثالثة تعلم «ميل» اللغة الإغريقية، وفي الثامنة اللاتينية، وبعدئذ الرياضيات، وفي الثالثة عشرة أخذ يدرس الاقتصاد السياسي. وهذا يعني أنه كان نابغة منذ طفولته. ولكنه لم يتلق أي تعليم ديني.
لماذا؟ لأن والده كان قد أصبح «لا أرديا»، أي لا متدينا في ذلك الوقت. ولم يعد مقتنعا بالمسيحية بسبب تقدم العلم وظهور النظريات الفلسفية الحديثة. ولذلك فضل ألا يقدم لطفله أي تعليم ديني لأن العلم أهم ولأنه أصبح دين المجتمعات المتطورة في أوروبا.
ينبغي ألا ننسى أننا نعيش في العصر الذي شهد ظهور داروين والمخترعات الحديثة التي غيرت وجه العالم. وبالتالي فالأفكار التقليدية لرجال الدين لم تعد تقنع أحدا. أو قل انها كانت تقنع عامة الشعب والأميين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة. ولكنها لم تعد صالحة للفلاسفة والمثقفين.
والواقع أن والده كان متدينا في البداية ولم يصبح متشككا إلا عام 1808 بعد أن اطلع على نظريات الفيلسوف المذكور آنفا: جيريمي بنتام. وقد شغلت الدراسة كل طفولة جون ستيوارت ميل وشبابه الأول. فلم يكن له أصدقاء ولا تسليات ولا عطلات، وإنما فقط نزهات يومية صباحية برفقة والده.
والواقع أن والده الذي توسم فيه أمارات العبقرية كرس كل جهوده لتربيته وتعليمه. وفي ذات الوقت راح يؤلف كتابا بعنوان «تاريخ الهند في ظل الاستعمار البريطاني». وكان يأمل من نشره إلى تحسين أوضاعه المادية.
وبالفعل فقد نشر الكتاب في لندن بتسعة أجزاء ونال شهرة واسعة وأدى إلى رفع مستوى المعيشة للعائلة. يضاف إلى ذلك أن شركة الهند البريطانية كرمت المؤلف عن طريق تقديم وظيفة محترمة له براتب سنوي يصل إلى 800 جنيه. وهو مبلغ محترم في ذلك الزمان.
ثم يردف المؤلف قائلا: وعندما بلغ جون ستيوارت ميل الرابعة عشرة أرسله والده إلى الخارج لأول مرة. وهكذا ذهب إلى واحدة من أجمل مناطق العالم، جنوب فرنسا. وهناك عرف معنى التسلية واللهو والحياة والسباحة وخرج من جو الدراسات الخانق بالنسبة للطفل حتى ولو كان نابغة. ثم تعلم الفرنسية حتى أتقنها كتابة ونطقا، وأحب الحضارة الفرنسية إلى حد لا يوصف. وقد كتب لاحقا في سيرته الذاتية يقول: كانت تلك الفترة أجمل فترات حياتي.
وبعد عودته إلى بلاده انجلترا انهمك في قراءة كتاب «رسالة في التشريع والقانون» للفيلسوف جيريمي بنتام. وقد أعجب به إلى درجة أنه اعتنق منذ ذلك الوقت فلسفته التي تتلخص بكلمة واحدة: المنفعة. وقال فيما بعد بأن هذه القراءة غيرت مصير حياته.
وشكل بعدئذ مع بعض الأصدقاء «جمعية الفلسفة المنفعية».
ولكن فيما بعد حصلت أزمة كبيرة في حياة جون ستيوارت ميل، فقد نشب خلاف فكري وشخصي بينه وبين والده بسبب مراقبة هذا الأخير له باستمرار ومحاولة فرض أفكاره عليه. ذلك أن والده كان مفكرا وفيلسوفا أيضا، ينبغي ألا ننسى ذلك.
ولهذا السبب وقع الفيلسوف الشاب في نوع من الانهيار العصبي والنفسي. فقد تعرف على الرومانطيقية من خلال الشاعر الكبير كوليردج وأحبها. ومن المعروف أن الرومانطيقية هي القطب المضاد للمصلحة الشخصية أي للمنفعية.
فهي تركز على العاطفة والشعور والأحاسيس الإنسانية. أما والده الذي لم يكن يؤمن إلا بالعلم والمنفعة والماديات فقد انزعج كثيرا من هذا التوجه الجديد لابنه، ولم يفهمه. ونشبت بينهما الخلافات والمناقشات أو بالأحرى المجادلات الصاخبة.
ولذا وبالإضافة إلى الإرهاق في العمل والدراسة فإن جون ستيوارت ميل أصيب بأزمة نفسية حادة وهو في العشرين من عمره. ولكنها الأزمة الخلاقة التي إذا لم تقتل صاحبها جعلت منه عبقريا لاحقا.
والواقع أن معظم العباقرة يمرون بها بشكل أو بآخر، وهي تدل على مدى إنسانية هذا الفيلسوف الشاب. فقد كان يريد أن يدخل العاطفة الإنسانية إلى صحيح فلسفة جافة ومادية وموضوعية أكثر من اللزوم. ثم ظهرت بعدئذ مؤلفاته الكبرى عن الحرية (1959)، وعن الفلسفة المنفعية (1961)، الخ. وأصبح من أشهر فلاسفة الإنجليز بل وأكثرهم تأثيرا على العقلية الإنجليزية.
*الكتاب: دليل بلاك ويل إلى الفلسفة النفعية لجون ستيوارت ميل
*تأليف:هنري ر. ويست
*الناشر: بلاك ويل بوبليشرز
لندن 2006
*الصفحات: 275 صفحة من القطع المتوسط
The Blackwell guide to Mill's utilitarianism
Henry R. West
Blackwell Publishers- London 2006
p.275
