بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، وخيبة الأمل الكبيرة التي أصابت روّاد ومناصري الديمقراطية الاشتراكية ومتحزّبيها، واتجاه المثقفين والمفكرين العرب نحو النموذج الليبرالي الديمقراطي الغربي، ليعيدوا قراءته من جديد؛ باحثين عن سر إخفاق النظام الاشتراكي المناصر للإنسان ولقضاياه من حيث المبدأ؛ ولم يتأخروا طويلاً حتى اكتشفوا أن الخلل يعود إلى الاستبداد والنظام المركزي البيروقراطي المتشدد تجاه حرية الإنسان ومن ضمنها حرية الرأي والتعبير.
وأن ديمقراطية الرأسماليين بالرغم من كلّ عيوبها، واظبت على تطوير نفسها بما ينسجم وتطوّر مجتمعيها العلمي والتقني حتّى تبوّأت قيادة العالم بدون منازع، فباتت الديمقراطية التي كانت تُنعت بـ «الجحيم» فردوساً جديداً، سعت إليه النخب للخلاص من أزمة، بل جملة من الأزمات:وجودية وفكرية ومعرفية تفاقمت إلى درجة لم يعد من الممكن إصلاحها في غرفة الإنعاش، وإنما في غرفة العمليات تحديداً لاستئصال الأورام حتى ولو كان الطبيب هو الغرب ذاته.
ولكن دعاة الحرية الجدد لم يُعدموا مَن يقف بوجههم هذه المرة أيضاً، لأسباب كثيرة أنتجها في جملتها وعي شعبوي مضاد سعت إلى تعزيزه جهات كثيرة: السلطات وبعض المعارضات وأنصارها ومحازبوها وغيرهم، وفي رأس هذه الأسباب دعوى استيراد الأفكار من الغرب؛ وهي التهمة الأزلية التي ما انفكّت تلقى من يساندها بدعوى الخصوصية وحماية الإرث الثقافي.
وبذلك فإن دعاة الديمقراطية الجدد سيُتّهمون بالعمالة والخيانة والتآمر مع الأجنبي وغير ذلك مما يصبّ في طاحونة الاستبداد، وقمع الرأي المعارض بالحبس أو النفي أو الحصار وقطع الأرزاق، مما يعطي انطباعاً أوّلياً أن طريق الديمقراطية في بلداننا ما زال طويلاً، وأن مناضليها عليهم بذل المزيد من الدماء لأجلها.
الباحث عدنان العويد في هذا الكتاب سوف يتابع التوجّهات الديمقراطية الجديدة في البلاد العربية، نظرياً وعملياً، وسيعمل على محاكمتها من خلال محاكمة الديمقراطية الغربية ذاتها، باعتبارها نظرية وافدة و«نسبيّة تحمل أنماط استبدادها في داخلها».
وهي وفق توجّهاته الفكرية «تعمل على تشويه الإنسان وتغريبه» باعتبار أن الرأسمالية الحاضنة للديمقراطية، لا تنهض إلا على استغلال الإنسان وظلمه وقهره، وأن القضاء على أشكال الاغتراب التي يفرزها نظامها لا يمكن إلا بعودة الإنسان إلى «جوهره الإنساني النقي والخالص من شوائب التفاوت الاجتماعي والسياسي».
وبمعنى آخر حالة من الطهرانية الفردوسية التي وصّفتها الكتابات الماركسية العربية في ستينات وسبعينات القرن المنصرم.ومن هنا فإن الديمقراطية إذا كانت بالتعريف هي:
«حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه»، فإن الديمقراطية السليمة، بتعبير المؤلّف، تكمن في طبيعة المجتمع الاشتراكي فقط وتلازمه عضوياً، وفق الرؤية الماركسية ذاتها، «إذ يحرر هذا المجتمع العلاقات الإنتاجية من الاستغلال، ويعمل على تطوير شخصية الفرد وتنميتها مادياً وروحياً، وعلى تحقيق المساواة الفعلية في الحقوق بين أفراد الشعب.» وبذلك فإن الديمقراطية التي ينشدها، هي «الديمقراطية الاشتراكية» المعتمدة على تنظيم الملكية العامة لوسائل الإنتاج، وتحقيق مبدأ السلطة الشعبية كأساس لا بدّ منه.
وإلى ذلك فإنه في بحثه سوف يؤكّد في أكثر من موضع أن الديمقراطية في النظام الرأسمالي قد فُرّغت من مضمونها السياسي، نظراً لأن الرأسمالية دفعت بها باتجاه الاقتصاد فقط، حيث تمارس الثروة سلطتها بصورة غير مباشرة.
وبالرغم من جملة الأخطاء التي يعددها المؤلّف، والتي رافقت مسيرة «الديمقراطية الاشتراكية»، إلاّ أنه سوف يعتبر أن «غورباتشوف» وقيادته هم المسؤولون عن الانحراف الخطير الذي أصاب الاتحاد السوفييتي السابق، نظراً لأنهم استوردوا صيغاً من الديمقراطية لا تناسب، أي أنهم استوردوا ديمقراطية غربية لا مشروطة، فكانت النتيجة الواضحة والجليّة التي حدثت بانهيار المنظومة الاشتراكية.
وبذلك فإنه سوف يؤكّد في أكثر من مكان مدى الضرر الذي تأتي به الديمقراطية الغربية اللامشروطة، أي المستوردة، وخصوصاً في عالمنا العربي، لأن قيم الماضي ما زالت تتداخل مع قيم الحاضر.
والعلمانية برأيه ترتكز بشكل مباشر إلى التفكير العلمي الذي سيقصي الوعي المزيّف من ساحة الممارسة الاجتماعية، ولن يعرف القارئ ماهية هذا الوعي المزيّف؟ هل يكمن في الوعي الديني مثلاً، أم في العادات والتقاليد أم في غيرها؟
أما الديمقراطية التي يرغب بتطبيقها، فهي باختصار الديمقراطية الاشتراكية التي تطرقنا إليها أعلاه، على اعتبار أن الديمقراطية الرأسمالية تزيد من حدّة التناقضات الاجتماعية وترسّخ لهيمنة «القوى البورجوازية والإقطاع مع البورجوازية الطفيلية والبيروقراطية على الاقتصاد والسلطة معاً، مما يفقر الشعب الكادح».
ومما سيؤدّي في النهاية إلى مزيد من التناقضات، وإلى مزيد من الانقسام، بغياب مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين ضمن الدولة الواحدة، وكنموذج على ذلك فإنه سوف يتناول عربياً التجربة الناصرية في قراءة مستقلة، ليؤكّد أن هذه التجربة النموذج لحركة التحرر الديمقراطية الثورية في الوطن العربي، قد اختزلت نفسها في شخص عبد الناصر، الأمر الذي أدى إلى إخفاق التجربة بالرغم من الدور المهم الذي قامت به على المستويين:
المادي والثقافي، وبالرغم من ثوريتها وآثارها الملموسة في الساحة السياسية العربية، نظراً لأن الشكل الديمقراطي الذي مورس في هذه التجربة، كان ناقصاً لجملة من الأسباب.
وربّما من أهمها غياب الحياة السياسية والحزبية في مصر، سيما ومن جانب ثان فقد كان لهذه الأحزاب بكل تياراتها المختلفة دوراً فاعلاً في حياة الشعب المصري، ولكن بدلا من ذلك سوف يزداد اعتماد عبد الناصر على الجيش.
وحاله هنا كحال أية دولة من دول العالم الثالث التي راهنت على التنظيمات الثورية المسلحّة، مما دفع باتجاه تناقضات جديدة بين أعضاء مجلس قيادة الثورة أنفسهم، نظراً لاختلاف انتماءاتهم السياسية والاجتماعية، مما أدى إلى حدوث شرخ كبير بين عبد الناصر وبينهم، الأمر الذي جعل الثورة تمر باستمرار في تناقضات المركز بحدّ تعبيره.
هذا بالإضافة إلى جملة من المعوقات الأخرى يذكرها المؤلّف في ثنايا بحثه، ومنها عدم إيمان عبد الناصر بـ «فكرة الصراع الطبقي» مما سمح بتصاعد البورجوازية الصغيرة والمتوسّطة، مع بقاء أبناء البورجوازية الكبيرة في إدارة أجهزة الدولة وتسيير القطاع العام، فأفضى إلى إفراغ التجربة من مضمونها الثوري، بازدياد نفوذ الفئات الطفيلية والبيروقراطية التي ترعرعت على حساب نهب وسرقة موارد الدولة، وكلّ ذلك أدى في المحصلة إلى حدوث عجز دائم في ميزان الدخل القومي.
والذي أدّى بدوره إلى عجز الدولة عن تأمين مستلزمات الإنتاج من قطع غيار أو معدّات من الخارج، مما انعكس سلباً على أسلوب الإنتاج وعلى مشاريع الدولة الاقتصادية، فدفع بالقوى المضادة إلى التشكيك بالحل الاشتراكي والقضاء عليه في مرحلة لاحقة.
بالإضافة إلى أطروحاته الفكرية السابقة، سيحرص المؤلّف في فصول الكتاب الأخرى على تقديم الكثير من الجوانب النظرية التي تعرّف وتؤرّخ لمسيرة الديمقراطية بدءاً من أيام اليونان.
حيث يتناول التجربة الديمقراطية في أثينا، وانتقالاتها المختلفة في العالم وصولاً إلى الديمقراطية في النظام الرأسمالي، وديمقراطية البروليتاريا، ومصادر وأشكال الحكم في الوطن العربي وإشكالية الديمقراطية فيه، والمعوّقات التي تقف أمام تقدّمها، وغير ذلك.
عزت عمر
*الكتاب:الديمقراطية بين الفكر والممارسة
*الناشر: التكوين ـ دمشق 2006
*الصفحات: 138 صفحة من القطع المتوسط

