مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والكاتب السياسي اللبناني زياد ماجد، الذي ساهم في السنوات الماضية في صياغة العديد من الدراسات والتقارير حول الأنظمة الانتخابية والأحزاب وقضايا الشباب والتنمية في لبنان.
وفي كتابه «عن ربيع بيروت والدولة الناقصة» يقدم المؤلف قراءة للمشهد العام الذي أفضى إلى «ربيع بيروت» عام 2005، مستعرضاً الديناميات والمفاعيل السياسية التي ظهرت بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والحراك الشعبي والاصطفاف الطائفي اللذين رافقاها.
ويبحث في أسباب تعثر قيام حكم لبناني منسجم، يبني مؤسسات مدنية ديمقراطية، ويحمي إنجاز الاستقلال الوطني. ويرصد المشهد الذي أفضى إلى ربيع بيروت، والمناخات السياسية الواقعية على الأرض، والكيفية التي جعلت الناس تنخرط في انتزاع حريتها واستقلالها وتحلم كثيراً. وفي المدى الأبعد، يطرح عناوين إصلاحية في السياسة والاقتصاد بهدف تعزيز النقاش حول كيفية بناء الدولة الحديثة في لبنان.
ولا شك في أن الوضع اللبناني معقد، ببب التركيبة اللبنانية والتدخلات الخارجية، الأمر الذي يفسر أن حيوات المجتمع اللبناني السياسية يخفت حراكها أحياناً ويتصاعد أحياناً أخرى، ذلك أن في بنية النظام الطائفي وفلسفته المشاركة ما يفسر قدرة الابتزاز العالية للتنظيمات الطائفية بوصفها الممثلة الحصريّة لبعض الطوائف الكبرى.
ويفسر كذلك مكامن الخلل في إدارة الوضع الذي نشأ عام 2005، ومواضع العطب الطائفي في النظام اللبناني التي تقود البلاد في كل مفصل تاريخي إلى حالة من المراوحة والاحتقان تعيد إنتاج توازن قوى يعطل إمكانيات التغيير والإصلاح.
ينحاز المؤلف إلى رؤية سياسية تحذوها ثقافة مشاركة وفق ممكنات الممارسة الديمقراطية ومختلف الحريات، الفردية والجماعية، وترتهن إلى نقاط انسجام كثيرة مع الآخر، بعيداً عن التمزقات والصدامات، ولا تكف عن طرح التساؤلات الملحّة، النقدية والحادة، التي تنتظر أجوبة عديدة، بغية الوصول إلى طريق يفضي للخروج من المأزق السياسي اللبناني الراهن.
والذي يعوّل على مشروع لبناء الدولة الحديثة في لبنان، الذي يتسع لجميع أبنائه وفق ممكنات الحرية والحفاظ على الاستقلال الدائم. ويصعب البحث في ما جرى بعد اغتيال الرئيس الحريري من دون العودة إلى ما تأسس ولو ببطء خلال السنوات التي سبقته، وتحديداً منذ منتصف تسعينات القرن العشرين المنصرم.
ذلك أن حيويات المجتمع المدني اللبناني السياسية تمحورت بشكل خاص حول بيانات العديد من المثقفين ومقالاتهم ولقاءاتهم وأعمالهم، وتأسيس بعضهم جمعيات وتنظيمهم حملات مواطنية تنادي بالديمقراطية وقيام المؤسسات وحكم القانون. وتمحورت كذلك حول أنشطة وبيانات نقابات المهن الحرة، خصوصاً نقابتي المحامين والمهندسين. وقد شكّلت جميع هذه الديناميات، على اختلاف خلفياتها ومراميها، رفضاً لما كرّسه النظام السائد من قمع وفساد ومحاولات إلغاء للتعدد.
وجاء انتخاب إميل لحود رئيساً للجمهورية أواخر العام 1998، بعد تعديل الدستور اللبناني، كي يدفع نحو تعزيز الخيار المعارض للوجود السوري، وإن لم يظهر ذلك إلاّ بعيد انكفاء الاحتلال الإسرائيلي عن الجنوب في 25 مايو من العام 2000، والتغيرات التي حصلت في العالم بعد 11سبتمبر 2001.
ويحدد المؤلف ملامح المشهد السياسي في تلك المرحلة بثلاث سمات رئيسية، المرحلة الأولى يصفها بحالة الاشتباك داخل السلطة اللبنانية بين ثنائي مدني مثّله رفيق الحريري ووليد جنبلاط وبين جهاز أمني قاده إميل لحود وجميل السيد ، والتحق بإمرتهما أكثر الوزراء والنواب.
والمرحلة الثانية هي حالة التأرجح لدى «الاصطفاف المعارض»، المكوّن على نحو خاص من المنبر الديمقراطي ولقاء قرنة شهوان، بين الهجوم والانكفاء ودراسة التموضعات داخل السلطة. وهي حالة لم يواكبها التيار العوني، إلا في بعض المحطات، وآثر البقاء«متفرداً» في نضاله، وفي انتظاره عودة عقارب الساعة إلى الوراء لاستكمال التاريخ من 13 اكتوبر1991.
والمرحلة الثالثة، حالة تحكّم أجهزة المخابرات السورية واللبنانية على نحو لم يسبق له مثيل بالمؤسسات العامة والمصالح المستقلة والقضاء والنقابات العمالية وبعض الإعلام، وما رافق ذلك من فضائح ونهب وصدامات.
على أن هذه المرحلة شهدت مداً وجزراً وتوازن قوى لم تنه فعلياً سوى نهاية التفويض الأميركي للنظام السوري بإدارة لبنان إثر حرب العراق من جهة، والقرار السوري اللاحق بالتمديد لإميل لحود في موقع الرئاسة من جهة ثانية.
فانفضاض الأميركيين عن النظام السوري لبنانياً جعل للمواجهة المحلية معهم أفقاً مفتوحاً على الصعيدين الإقليمي والدولي، وخيار التمديد للحود حوّل المعارضة إلى جبهة انضم إليها رسمياً وليد جنبلاط (وتواطؤا رفيق الحريري). وبالطبع صدر القرار الأممي 1559 في سبتمبر من العام 2004، مشكلاً «مصالحة لبنانية» بين الفرنسيين والأميركيين بعد مشادتهم العراقية، وخرج رفيق الحريري من الحكم.
ويرى المؤلف أن رفيق الحريري كان حالة فريدة في الحياة السياسية اللبنانية، من جهة كونه ثقلاً مالياً هائلاً، وشبكة علاقة عربية ودولية معقدة، ثم تحول ثقلاً شعبياً وزعامة سنية غير مسبوقة. ترغب به المعارضة في صفوفها وتغض الطرف عن أدائه الاقتصادي المالي وما نتج عنه من مصاعب اجتماعية وديون.
وكان الحريري يعرف دقة وضعه وصعوبة خياراته، إذ كان يدرك أنه صار بعد عقد من الانقسام حول «مشروعه الإعماري» الكفة المرجحة في الانقسام الجديد، حول مشروع سياسي استقلالي هذه المرة، إما أن ينتصر له فينصره ويتحمل نتائج انتصاره، أو أن يبقي المسافة معه، فيخسر وإياه ويتحمل أيضاً نتائج خسارته.
وفي تلك اللحظة، حين بدأ يجاهر بانحيازه المضمر إلى المشروع الاستقلالي، اكتملت تراجيديا الرجل باغتياله. وفاجأت الكثيرين الإدارة السياسية للمعارضة اللبنانية والهبّة الشعبية في الكثير من المواضع، لأن اغتيال الحريري كان أشبه بالزلزال الذي نقل كتلة شعبية بكاملها من موقع الانتظار والرغبة في «هجاء السوريين» إلى الانتفاض الصاخب في وجههم والتعديل الصاروخي في موازين القوى الداخلية ضد حلفائهم.
كما أنه بنى معطى خارجياً جديداً ضاغطاً على النظام السوري، جسده التحقيق الدولي والسير باتجاه تشكيل محكمة دولية وصدور عدة قرارات دولية بإجماع أعضاء مجلس الأمن.
لكن، ومع مرور الأيام، كان من الطبيعي أن يتراجع الاهتمام الدولي بعض الشيء بالحدث اللبناني، ويتغير المشهد الإعلامي «المثير» المرافق للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الأمر الذي شجع المحاولات العربية والمساعي السعودية والمصرية المتفاوتة لتليين الموقفين الأوروبي والأميركي من النظام السوري.
والوصول إلى مخرج يجنبه كأس التحقيق المرة، شرط تجميد «أنشطة» ما بقي في الساحة اللبنانية من آلته الأمنية، والحد من اندفاعاته للارتماء بأحضان إيران «النووية».ولا ينسى المؤلف أن يذكر بأن سرد المعطيات السالفة لا يعني التسليم بأن لا شيء ممكناً كان أفضل مما جرى.
ولا هو مدعاة إعفاء للقوى الديمقراطية وللنخب المستقلة والحركات الوطنية من مسؤوليتها منذ 14 آذار 2005 في إنضاج برنامج يتخطى اللحظة الاستقلالية على أهميتها، ليطرح أفكارا للتعاقد الاجتماعي والسياسي الجديد في لبنان، ويحضر جدول أعمال للحوار المطلوب، ويقدم خطة إصلاحية للنظام بأجنحته السياسية والاقتصادية والإدارية كافة.
غير أن توازن القوى في لبنان لم يكن ليسمح لهكذا برنامج وهكذا خطة بأن ينضجا، وحتى لو أن الطوائف كانت ابتلعت أصوات المتحررين من أثقالها ورفاقهم العلمانيين في تلك الحقبة، إلا أن المسؤولية الوطنية والأخلاقية كانت تقتضي تشكيل قطب ديمقراطي علماني داخل تحالف 14 آذار لبلورة توجه يحمي ويحصن ولادة دولة جديدة.
ويعتقد المؤلف بأنه ما زال من الممكن مصارحة اللبنانيين بما يجري من حولهم، ووضع «خريطة طريق» لإنهاء المراوحة القائمة والنفاذ من الأفق المسدود الذي لم يفلح «الحوار الوطني» في خرقه.
ويؤكد على أن أهمية موقع لبنان في محيطه العربي لا تكمن في الانخراط في سياسات المحاور المتبدلة وخطابها الديماغوجي، بل في لعبه دوراً ريادياً على الصعد الثقافية والسياسية، وبما يعيد استلهام قيم النهضة العربية المجهضة وأدبياتها، ويشكل مساحة حرية وتعددية وديمقراطية وسط منطقة يحكمها الاستبداد وتتهددها تيارات التكفير والظلامية من جهة، ومشاريع السيطرة الأميركية المطلقة من جهة ثانية.
كما أن الموقع العربي للبنان يتجسد في فعل الشراكة في الصراع العربي الإسرائيلي من خلال دعم حقوق الشعب الفلسطيني واعتماد دبلوماسية ناشطة تطالب في كل المحافل الدولية بتطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين إلى ديارهم.
وفي جانب العلاقات اللبنانية السورية، يرى المؤلف أن الواقعية التي ينبغي اعتمادها في التعاطي الحكومي أو الرسمي مع النظام السوري لا تعني عدم التضامن مع الديمقراطيين السوريين. كما يرى بأن لبنان الديمقراطي ممكن، لكن بناءه يتطلب جملة من الإصلاحات، وقراءة في تجاربه الداخلية المرّة، وفي ذاكرة حروبه ومفقوديها، ويتطلب كذلك عملاً واستنفاراً دائمين لبناء دولة المواطنة فيه، بعيداً عن كيانات الطوائف ومصالحها الضيقة وعن ولاءاتها الخارجية.
عمر كوش
*الكتاب: عن ربيع بيروت والدولة الناقصة
*الناشر: دار النهار ـ بيروت 2006
*الصفحات: 131 صفحة من القطع المتوسط
