دأبت وزارة الثقافة السورية منذ سنوات على إصدار الأعمال الكاملة للمبدعين الكبار الراحلين، لسببين، أولهما له علاقة بالحفاوة والتكريم، وثانيهما أن هذه الأعمال صدرت قبل سنين طويلة ولا يستطيع قارئ اليوم أن يعثر عليها في المكتبات ليتعرف على مبدعيها، وأما الأعمال الكاملة للأدباء العالميين فتفيد في تعريف القارئ العربي على أعمالهم بعد ترجمتها إلى العربية.

وقد أصدرت الوزارة ضمن هذه السلسلة الأعمال الكاملة لكل من: سعيد حورانية (قاص) ـ صباح محيي الدين (روائي) ـ سنية صالح (شاعرة، وهي زوجة الراحل محمد الماغوط) ـ شكيب الجابري (روائي) ـ د.علي الناصر (شاعر) ـ رفيق رزق سلوم وعبدالحميد الزهراوي (شاعران من الذين أعدمهم الأتراك الطورانيون في السادس من أيار، مايو 1916) ـ فرنسيس مراش (باحث وروائي) ـ محمد عمران (شاعر) ـ أديب النحوي (قاص وروائي) ـ فؤاد الشايب (رائد القصة السورية) ـ د. عبدالرحمن الشهبندر (مفكر نهضوي)- ليون تولستوي (روائي روسي)- بلزاك (روائي فرنسي).وأخيراً الجزء الأول من الأعمال القصصية الكاملة لحسيب كيالي الذي نحن بصدده، وقد صدرت طبعته الأولى، ووزعت منه ثلاثمئة نسخة كهدايا مجانية خلال الندوة التي أقامتها وزارة الثقافة في مسقط رأسه (ادلب) تحت عنوان «حسيب كيالي وأدب السخرية» بين 11 و 14 / 7 / 2006.

إن شخصية حسيب كيالي في الأدب السوري هي شخصية متفردة وإشكالية، وكثيراً ما شبهه النقاد والأدباء بالطائر الذي يغرد خارج السرب. ففي حين سادت موجة الواقعية الاشتراكية منذ أربعينيات القرن العشرين وحتى أوائل الثمانينيات منه.

انتشرت القصص والأشعار والروايات التي تمجد البروليتاريا والفقراء الكادحين، وكانت تقاس على مسطرة وزير الثقافة السوفييتي جدانوف، كان حسيب كيالي يلاحق تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة بحثاً عن الجانب الإنساني الملحمي في حياة الناس، وقد سبب له هذا الصوت المتفرد الكثير من المشكلات مع الأدباء والنقاد في تلك الأيام.

وقد أطلقت على حسيب كيالي ألقاب كثيرة خلال مسيرته الإبداعية التي بدأت سنة 1943 حينما كتب قصته الأولى «بماذا فكرت نظيرة» واستمرت حتى وفاته ودفنه في مقبرة القوز بدبي يوم (16 / 7 / 1993)، منها أنهم لقبوه «تشيخوف سوريا» لما تتميز به قصصه (وكتاباته النثرية الأخرى) من عمق وبساطة آسرة ومقدرة فذة على التقاط ورسم شخصيات البيئة المحلية الغريبة والأليفة في آن واحد.

وقد التفت الأديب الدكتور رياض نعسان آغا إلى جوانب عديدة في شخصية حسيب كيالي منها غزارة الإنتاج وتنوعه إذ كتب القصة والشعر والرواية والمسرحية والمقالة والمقامة، ومنها طبيعته الاستطرادية السلسة فيما يكتب، وكذلك عمقه وأهميته، فأطلق عليه لقب «جاحظ القرن العشرين».

وأما الروائي خيري الذهبي فوجد أن ارتفاع الجانب الهجائي الساخر لدى حسيب كيالي، وعدم تآلفه مع السلطات السورية التي تعاقبت على البلاد منذ انقلاب حسني الزعيم سنة 1949 وحتى آخر حياته يجعله أقرب إلى شخصية أبي حيان التوحيدي الثائرة الساخرة (المُعارِضة بالمفهوم الحديث) صاحب الكتاب الشهير «أخلاق الوزيرين».

أعد الكتاب للطبع الأديب والناقد محمد كامل الخطيب رئيس دائرة التأليف والترجمة بوزارة الثقافة، وقد أورد الخطيب في مقدمة الكتاب فكرة نقدية على قدر كبير من الأهمية حول أهمية التجريب اللغوي عند حسيب كيالي، فهو يعتبره مجدداً لأنه كتب بلغة الناس اليومية، بكل فصاحتها وطرق بياناتها وكل ما فيها من ظلال وعفوية وبراءة وخبث وسخرية وألم وتلميحات ذكية، بل إن حسيب كيالي ويحيى حقي ومارون عبود هم مبدعو الصيغة الذهبية للغة القصصية (الفصاحة ـ السهولة).

تضمن الكتاب خمس مجموعات قصصية وهي :

أولاً ـ مع الناس، 1952، وتضم إحدى عشرة قصة، وهي الإصدار الأول لرابطة الكتاب السوريين، التي شارك حسيب كيالي في تأسيسها، وكان يترأسها شقيقه مواهب كيالي (1918 ـ 1978)، ومواهب هو من وضع لها المقدمة.

ثانياً ـ أخبار من البلد 1954، وتضم تسع قصص، وكان حسيب يذيع قصصها بصوته من إذاعة دمشق في الخمسينات.

ثالثاً ـ رحلة جدارية 1971، وتضم عشرين قصة قوامها الأساسي رصد أسفار الكاتب في الدول الأوروبية.

رابعاً ـ حكاية بسيطة 1972، وتضم سبع عشرة قصة.

خامساً ـ الحضور في أكثر من مكان 1979، وتضم عشر قصص.

خطيب بدلة

*الكتاب: الأعمال القصصية الكاملة لحسيب كيالي، الجزء الأول

*الناشر:وزارة الثقافة

دمشق 2006

*الصفحات: 644 من القطع المتوسط.