دافيد بيس، من مواليد مدينة يوركشاير البريطانية وحيث عاش طفولته في فترة كانت قد عرفت فيها تلك المدينة حالة من القلق بسبب أحداث القتل المتكررة لنساء دون أن تتوصل أجهزة الشرطة كلها إلى إمكانية الكشف عن ذلك «السفّاح» الذي كان يقوم بها. وفي تلك المرحلة كان الأطفال في المدارس الابتدائية يمارسون «لعبة مفضّلة» لديهم وهي أن يصف بعضهم بعضا بالقول:

«أنت ابن سفاح يوركشاير». وهكذا تخيّل «دافيد بيس» لفترة من الزمن أنه ابن ذلك «السفاح» واتجه نحو كتابة الروايات البوليسية. هكذا بدأ مهنة الكتابة بتقديم سلسلة من الأعمال «السوداء» احتوت على أربع روايات تحت عنوان:

«الرباعية الحمراء». وقد قدّم المؤلف فيها توصيفا للمجتمع في مدينة يوركشاير خلال سنوات السبعينات والثمانينات وحيث لعب «سفاح يوركشاير» دورا هاما في تلك الأعمال.

لم تلق الأعمال الأولى ل«دافيد بيس» نجاحا كبيرا فتخلّى عن مشاريعه الأدبية ليعمل خلال عدة سنوات كمدرّس للغة الإنجليزية في اسطنبول ثم في اليابان. لكن رغبة الكتابة ظلّت ملحّة عليه فعاد إلى مدينته «يوركشاير» ليستأنف مسيرته الأدبية من جديد ولتكون هذه المدينة هي الإطار الذي تدور به أحداث أعماله وحيث غدت التطورات الاجتماعية للمجتمع البريطاني هي موضع اهتمامه من خلال «المختبر» الصغير الذي شكلته مدينته.

هذا العمل الجديد «بريطانيا العظمى 84» يخص تلك الأحداث التي شهدها عام 1984 عندما قامت إضرابات كبيرة لعمال المناجم في منطقة «كورتنوود»، بالقرب من يوركشاير. وقد كان ذلك الإضراب العمالي هو الأخير من نوعه إذ خسر عمال المناجم «معركتهم» بينما دخلت بريطانيا العظمى في مرحلة الليبرالية الظافرة التي كان العالم كله يتهيأ لها في إطار العولمة واقتصاد السوق.

إن المؤلف يعود إلى ذلك اليوم 5 مارس 1984 عندما توقف عمال المناجم عن العمل بعد أن كانت الإدارة قد أعلنت عن إغلاق بعض المناجم بعد فترة وجيزة وصرف حوالي عشرين ألف من العاملين في إطار عملية إعادة بناء للنشاط في هذا القطاع.

ولا شك بأن أولئك العمال لم يكونوا يعرفون آنذاك أنهم قد دخلوا في عملية إضراب سوف تستمر أكثر من سنة وبأن إضرابهم سوف يمثل أكثر أشكال النزاعات الاجتماعية عنفا في بريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبعد أسبوع واحد من بداية ذلك الإضراب انضم للحركة ما يزيد عن نصف عمال المناجم في بريطانيا كلها والبالغ حوالي 000 187 عامل. هكذا غدت يوركشاير مسرحا لأكبر نزاع اجتماعي عرفته بريطانيا خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي (العشرين).

وأخذ ذلك الإضراب صفة نزاع بين شمال البلاد وجنوبها، ونزاع أيضا بين بريطانيا الصناعية في يوركشاير ومنطقتها والتي كانت قد أمّنت حضور «صُنع في بريطانيا» في العالم أجمع وبين بريطانيا الأخرى، الأقل صناعية وإنما ذات الشواطئ المزدهرة التي يؤمّها السائحون من مختلف أنحاء البلاد ومن خارجها.

إن الصورة التي يرسمها مؤلف هذا الكتاب تقارب كثيرا ما كانت قد عرفته الولايات المتحدة الأميركية خلال السنوات الأولى من عقد السبعينات في القرن التاسع عشر، وما عُرف بالحرب الأهلية الأميركية.إن المؤلف، ومن خلال التعرض لنزاع اجتماعي على قاعدة إضراب عمّالي، يؤرخ في الواقع لبريطانيا من الداخل.

وهو يشير إلى واقع التوتر الذي ساد لفترة طويلة بين الإدارات وأرباب العمل من جهة والعمّال والنقابات من جهة أخرى. وكان مثل ذلك التوتر قد ظهر بشكل خاص بين إدارة قطاع المناجم ونقابات عمال المناجم منذ فترة طويلة.

وكان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق إدوارد هيث قد خبر ذلك جيدا أثناء الإضراب الكبير الذي شهده القطاع المعني عام 1974 والذي سارع بالتأكيد في سقوطه واضطراره إلى الاستقالة. أما في عام 1984 فقد كانت السيدة مرغريت تاتشر على رأس الحكومة منذ خمس سنوات وكانت تنوي بالتأكيد أن تتجنب المصير الذي كان قد عرفه سابقها هيث.

«بريطانيا العظمى 84» عمل تأريخي وتحليل اجتماعي-سوسيولوجي لتلك الحرب التي دارت عام 1984 بين رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك السيدة مرغريت تاتشر، المعروفة بلقب «السيدة الحديدية» وبين أرتور سكرجيل، رئيس نقابة عمال المناجم في إنجلترا. ويرى المؤلف أن تلك «الحرب» لم تكن أقل شراسة من تلك التي كانت قد دارت بين بريطانيا والأرجنتين من أجل السيادة على جزر الفوكلاند- المالوين.

- والتي كانت وقعت قبل عامين من حرب «المناجم». وكانت بريطانيا قد أبدت موقفا متشددا في حرب الفوكلاند وأعطى نتائج «جيدة» ولذلك أرادت أن تطبق نفس الدرس على صعيد الحرب «الجديدة».

هكذا في الوقت الذي بدا فيه أن أرتور سكرجيل يفعل كل ما يستطيع من أجل تعبئة أكبر الطاقات الممكنة لدى النقابات العمالية فإن حكومة السيدة مرغريت تاتشر لجأت إلى استخدام جميع الوسائل الممكنة من أجل سحق الإضراب العمالي، وذلك من اللجوء إلى جميع الأساليب القضائية التي حاولت استخدامها لمصلحتها ووصولا إلى ممارسة كل أشكال القمع البوليسي ومرورا بمحاولات هز مواقف المضربين ترغيبا وترهيبا.

إن «دافيد بيس» يقوم بعملية توصيف دقيقة لما تركته تلك المعركة من آثار. وحيث تبدو «يوركشاير» بالفعل وكأنّها «مدمّرة» بعد حرب مع كل ما يرافق هذا من خراب اقتصادي ومن بشر بدوا وأنهم قد خسروا كل شيء، فالعمال المضربون لم يتلقوا جنيها استرلينينيا واحدا لمدة تقارب العام، إلا بعض الإعانات من صناديق البطالة والتي لم تكن تكفي إلا لسد الحاجات الضرورية - حاجات البقاء- بالكاد.

كذلك ظهرت مدينة يوركشاير وكأنها منكوبة إلى درجة ألغت معها من حساباتها «فكرة أي مستقبل». وكان الواقع المقلق الذي خلقه «سفاح يوكشاير» يساهم في زيادة قتامة الصورة.كانت بريطانيا قد قررت إغلاق العديد من مناجم الفحم على خلفية توجهها نحو استبدال مصدر الطاقة الذي تشكله تلك المادّة بالطاقة النووية.

هذا كان يعني بكل بساطة صرف عمّال بالآلاف مع عدم البحث عن أية آفاق مفتوحة جديدة. فالسيدة مرغريت تاتشر، رئيسة الحكومة ذات النزعة المحافظة الشهيرة، لم تكن مشهورة أبدا بحرصها على رغد عيش الطبقة العاملة.

كان الأفق المفتوح آنذاك هو الدخول في مواجهة و«لي ذراع» بين حكومتها والنقابات العمالية التي كانت قد قررت من جهتها شلّ العمل في قطاع مناجم الفحم والحديد أيضا، بل وتوسيع إطار الإضرابات كي تشمل مختلف محطات توليد الكهرباء في البلاد. ولم يكتف العمال المضربون بالتوقف عن العمل بل إنهم أرغموا جميع زملائهم ممن كانوا يريد الاستمرار بتأدية أعمالهم على التوقف أيضا.

وفي تلك المواجهة كانت «كل الضربات مسموح بها» من هذا الطرف وذاك.وبمقدار ما اتسعت رقعة المواجهة وطال أمدها شملت أيضا ميادين جديدة.

والتي لم يكن أقلّها أذيّة الميدان المالي، إذ أن حكومة السيدة تاتشر بذلت كل جهودها من أجل تجميد جميع الأموال التي أرادت نقابة عمال المناجم وضعها سرا بمأمن في حسابات أجنبية، أي أنها سعت بكل بساطة إلى تجويع المضربين وتعاملت معهم على أساس أنهم «أعداء» وليس «خصوم» في بلاد تفتخر دائما أنها كانت هي أول بلد ألغى العبودية وأقام مؤسسات ديمقراطية حرّة وفاعلة.

إن «دافيد بيس» أراد أن يرسم لوحة عيانية للمجتمع البريطاني عام 1984، أي في لحظة معينة «حاسمة» للانتقال نحو نظام أكثر ليبرالية «اقتصاديا»؛ الأمر الذي عبّرت عنه بوضوح الإجراءات التي قررتها حكومة السيدة تاتشر باتجاه تعزيز أسس اقتصاد السوق. ومن خلال عدد من الشخصيات «الأصوات» التي يمثل العمال المضربين منها اثنان يحاولان بكل جهد إنقاذ عملهما، ومصدر رزقهما، من الضياع.

وصوت آخر تمثله شخصية «تيري» المدير التنفيذي لنقابة عمال المناجم، ثم هناك «نيل» سائق «ستيفن سويت»، الصوت المعبر عن إرادة السيدة الحديدية.والعالم الذي يرسمه «دافيد بيس» هو بوضوح عالم من الفوضى ويفتقر إلى أية بوصلة للتوجه. عالم تحكمه مجموعة من المصالح المتناقضة في أغلب الأحيان.

إن «ستيفن سويت»، الذي يصفه المؤلف بأنه «عيون السيدة مرغريت تاتشر وأذنيها» يملك كل السلطات ويتصرف بكل ما يحلم به من سيارات الليموزين والطائرات والأموال التي لا يستخدمها فقط لرفاهيته وإنما إلى إفساد الآخرين عندما تقتضي الضرورة أو ربما من أجل تكميم أفواه الصحافة والتي يقدمها المؤلف على أنها «متساهلة جدا» فيما يخص حرصها على استقلاليتها.

وفي مواجهة «سويت» عاملان محرومان من عملهما ولا يجدان ما يؤمن الحد الأدنى من العيش. لكن «دافيد بيس» لا يذهب في نفس المنحى الذي ذهب إليه الروائي الفرنسي إميل زولا في روايته الشهيرة «جيرمنال» عن عمال المناجم الظافرين، ذلك أن الطبقة العاملة في يوركشاير تختفي..

. في الواقع وفي الرواية أيضا.ولعل أفضل ما أراد الحديث عنه «دافيد بيس» في هذا العمل هو ما قاله في مقابلة صحافية له وجاء فيه: «إنني أحاول فهم التاريخ المخبوء خلف المظاهر. وعندما أرى مثلا غزو العراق أتساءل عن التاريخ الذي سوف أنقله لأطفالي».

*الكتاب:بريطانيا العظمى 84

*الناشر: فابروفابر ـ لندن 2006

*الصفحات: 480 صفحة من القطع المتوسط

GB 84

David Peace

Faber and Faber- London 2006

p.480