مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جان فافاسير ديسبيريير أستاذ التاريخ المعاصر والعلوم السياسية في جامعة شارل ديغول بشمال فرنسا. وهو يقدم هنا صورة تفصيلية واضحة عن كل أنواع اليمين الفرنسي وأحزابه بدءاً من اليمين المعتدل إلى يمين الوسط إلى اليمين المتطرف.ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه:
كيف نشأت تسمية اليمين واليسار في فرنسا ومتى؟ وللجواب عن هذا السؤال نقول بأن ذلك حصل بعد الثورة الفرنسية مباشرة. فالجمعية الوطنية التأسيسية، أي البرلمان الفرنسي المشكل بعد الثورة، اجتمع كي يبت في بعض القضايا المصيرية.
وشاءت الصدفة أن يكون أتباع النظام القديم، أي نظام لويس السادس عشر، يجلسون إلى يمين رئيس الجلسة. وكان أتباع الثورة والتغيير يجلسون إلى يساره. ومنذ ذلك الوقت أصبحت كلمة اليمين تطلق على حزب المحافظين أو الرجعيين، وكلمة اليسار تطلق على حزب الثوريين أو التقدميين.
هذا هو أصل التسمية بكل بساطة وباختصار شديد. ولكن في الواقع لا يوجد يمين واحد في فرنسا وإنما عدة أنواع من اليمين. وكان المؤرخ المشهور رينيه ريمون قد درسها في كتاب أصبح كلاسيكيا الآن: اليمين في فرنسا منذ عام 1815 وحتى اليوم.
تواصلية هذا التيار السياسي وتنوعه.وقال هذا المؤرخ بما معناه: هناك ثلاثة أنواع رئيسية من اليمين الفرنسي. هناك أولا اليمين الرجعي المضاد للثورة الفرنسية بعنف. وهو مرتبط بالأصولية المسيحية ارتباطا وثيقا، وكذلك بالعائلات الأرستقراطية والامتيازات القديمة للطبقات العليا.
غني عن القول أنه يكره الشعب ويخشاه في ذات الوقت إلا إذا كان مطيعا له وتابعا لرجال الدين الذين يعلمونه طاعة الملوك والكبار وعدم الاحتجاج على وضعه مهما بلغ من بؤس أو فقر مدقع. وهذا التيار يمثله الآن زعيم اليمين المتطرف في فرنسا: جان ماري لوبن.
وهناك ثانيا اليمين المحافظ والليبرالي. وهو أكثر استنارة من الأول وأقل ارتباطا بالأصولية المسيحية أو قل أنه مرتبط بالتأويل الليبرالي المستنير للمسيحية لا التأويل الأصولي الظلامي. وقد ظهر تاريخيا بعد الثاني. وهذا التيار يمثله الآن فرانسوا بايرو ويمكن أن ندعوه يمين الوسط.
وهناك ثالثا اليمين القومي والاستبدادي إلى حد ما، وهو تيار نابليون بونابرت ويمثله الآن الديغوليون وشيراك.ثم يردف المؤلف قائلا:إن الفترة الممتدة من عام 1789 وحتى عام 1830 تتسم باستمرارية وانسجام حقيقي. فقد دشنتها الثورة الليبرالية عام 1789، أي الثورة الفرنسية، وانتهت بانتصار المبادئ الليبرالية عام 1830: أي المبادئ التعددية السياسية، وحق الاختلاف، وحرية الصحافة، وحرية التديّن أو عدم التدين...
ينبغي العلم بأن غلاة اليمين الفرنسي كانوا قد ظهروا بعد الثورة مباشرة. ومن أشهر منظّريهم نذكر جوزيف دوميستر (1753-1821)، ولويس دو بونالد (1754-1840) وسواهم. وهؤلاء لا يقدمون أي تنازل للحداثة ويريدون العودة بكل بساطة إلى العهد القديم الذي ألفته الثورة.
وكانوا يعتقدون أن الثورة الفرنسية هي عقاب إلهي أرسله الله إلى الفرنسيين لأنهم انحرفوا عن مبادئ الدين المسيحي وعصوا كهنتهم ومطارنتهم. وقال هؤلاء بأن النظام الوحيد الشرعي في فرنسا هو ذلك الذي يقول بأن الملك هو ظل الله على الأرض وبالتالي يحق له أن يفعل بالشعب ما يشاء!
أما النظام الجديد القائم على العقل فسوف ينهار لأن العقل بشري في حين أن مشروعية ملوك فرنسا إلهية. وشتان ما بين البشري والإلهي. ثم هاجم هؤلاء فلاسفة التنوير هجوما شديدا واعتبروهم بمثابة المسؤولين عن كل ما حصل في فرنسا من اضطرابات ثورية وخراب ودمار... وصبّوا هجومهم بشكل خاص على جان جاك روسو وفولتير وديدرو.
ثم يتحدث المؤلف في نهاية كتابه عن الفترة المعاصرة ويقول: إن عودة الجنرال ديغول إلى السلطة عام 1958 شكلت قطيعة كبيرة في التاريخ السياسي لفرنسا. فقد بدا الجنرال بمثابة بطل قومي قادر على لمّ الشمل وحلّ مشاكل فرنسا العويصة. ولهذا السبب فقد كان يتمتع بين عامي 1958-1962 بتأييد واسع من قبل الطبقة السياسية الفرنسية والرأي العام.
والآن نطرح هذا السؤال: إذا كانت الديغولية تشكل القوة السياسية المهيمنة آنذاك فهل هي من اليمين يا ترى؟ ألم ينتهج الجنرال ديغول خطا مضادا للاستعمار وبخاصة في الجزائر؟ وبالتالي فكيف يمكن وصفه بأنه يميني؟
من المعلوم أن اليمين الفرنسي آنذاك كان مع المحافظة على استعمار الجزائر وليس مع إعطائها استقلالها أو سحب الجنود من هناك كما فعل ديغول.
يضاف إلى ذلك أن قائد فرنسا الحرة أعطى للبلاد مؤسسات قوية ودستورا جديدا صالحا لحل المشاكل المعقدة. وهذا العمل لا يمكن نعته بأنه يميني محافظ لأنه كان يسير في اتجاه الحركة والتغيير والتقدم. ونقول ذلك ونحن نعلم أن إحدى تعريفات اليمين هي أنه محافظ لا يحب التغيير ولا تبديل الأوضاع.
وبالتالي فديغول بهذا المعنى ليس يمينيا وإنما وطنيا يشتغل لصالح الشعب الفرنسي كله بيمينه ويساره ووسطه. ولكن هذه حالة نادرة في تاريخ فرنسا لأن الجنرال ديغول كان فوق الأحزاب السياسية وفوق التصنيفات الفئوية الضيقة، كان أمة وحده.
والدليل على ذلك هو أن شعب اليسار كما يقال كان يصوت له في الانتخابات. ففي عام 1965 مثلا وكان مرشحا للانتخابات الرئاسية صوتت له نسبة 39 بالمائة من الموظفين، و42 بالمائة من العمال. وكان من المفترض أن يصوتوا لصالح المرشح الاشتراكي أو الشيوعي.
والواقع أنهم تراجعوا عن التصويت للحزب الديغولي بعد موت الجنرال، والدليل على ذلك هو أنهم في انتخابات 1973، أي في عهد جورج بومبيدو، لم يصوتوا له إلا بنسبة 23 بالمائة و22 بالمائة. وهذا دليل على أن بومبيدو كان يمينيا فعلا.
وبالتالي فهذا يعني أنه كان هناك تيار شعبي يصوت لقائد تاريخي يدعى شارل ديغول. فهو وحده الذي استطاع أن يتجاوز التقسيم الذي يشق فرنسا إلى نصفين: يمين ويسار.ثم يردف المؤلف قائلا:
والدليل على شعبية الجنرال هو أن اليمين المتطرف لم يكن ينال في عهده نسبة تتجاوز ال3 بالمائة أو 5 بالمائة على أكثر تقدير. فقد كان بشخصيته الساحقة يسيطر على الساحة ويمنع المتطرفين من تحقيق أهدافهم.
ولكنهم بعد موته ترعرعوا وأصبحوا يشكلون 10 بالمائة أو حتى 15 بالمائة وربما أكثر من أصوات الشعب الفرنسي. ومعلوم أنهم اختلفوا معه حول المسألة الجزائرية بل وحاولوا اغتياله بعد أن اتهموه بالخيانة! وهذا أكبر دليل على أن المتطرفين هم الذين يشكلون خطرا على وحدة الأمة في كل الشعوب.ثم يردف المؤلف قائلا:من المعلوم أن جان ماري لوبن أسس الجبهة القومية عام 1972.
ولكنها لم تلق النجاح الانتخابي الذي كان يتوقعه إلا عام 1984. وكانت تمثل التيار الراديكالي في اليمين الفرنسي: أي ما ندعوه باليمين المتطرف. عندئذ أصبح «لوبن» على الموضة كما يقال وفي ظل حكم ميتران والاشتراكيين.
ويقال بأن ميتران المكيافيلي ساعد على نموّ ظاهرة اليمين المتطرف من أجل إزعاج الديغوليين وإحراجهم ومنعهم من الوصول إلى السلطة. وقد نجح في هذه المناورة السياسية اللئيمة إلى أقصى حد ممكن.ولكن السحر انقلب على الساحر. فاليمين المتطرف بعد أن قوي أصبح يشكل خطرا على اليسار أيضا وليس فقط على اليمين.
بل ونجح في الوصول إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية عام 2002 على حساب المرشح الاشتراكي جوسبان. وفاجأ بذلك جميع المراقبين. وشكل هذا الحدث آنذاك زلزالا في الحياة السياسية الفرنسية. ولكن على الرغم من ذلك فإن أغلبية الشعب الفرنسي تظل مضادة لليمين المتطرف وأطروحاته العنصرية الكارهة للأجانب وبخاصة المغاربة أو العرب والمسلمين والأفارقة السود عموما.
*الكتاب: أحزاب اليمين في فرنسا
*الناشر:المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس 2006
*الصفحات : 128 صفحة من القطع الصغير
Les droites en France
Jean Vavasseur-Desperriers
P.U.F -Paris 2006
p.128
