أشرف على هذا الكتاب الضخم كل من الباحثين الفرنسيين أوليفييه غالان ويانك لوميل. والأول هو عالم اجتماع ومدير قسم للدراسات في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية.
من أهم كتبه السابقة نذكر: الشباب الأوروبيون وقيمهم (2005). وأما الثاني فهو مفتش عام لأحد المراكز العلمية الفرنسية الكبرى المسؤولة عن التخطيط لبرامج الدولة وسياساتها.
وهو مختص بالتمايزات الاجتماعية أو بالفوارق الطبقية داخل المجتمعات الصناعية المتقدمة كالمجتمع الفرنسي.هذا وقد ساهم في تأليف الكتاب العديد من أساتذة الجامعات الفرنسية الآخرين الذين يصعب تعداد أسمائهم كلهم.
وكل واحد منهم درس الجانب المختص فيه من المجتمع الفرنسي وهكذا تتشكل لدى القارئ صورة عامة عن المجتمع الفرنسي بمختلف جوانبه بعد قراءة الكتاب: أي الجوانب الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والدينية، والحياتية...
ومن أهم الفصول هناك فصل يحمل العنوان التالي: السياسة والدين، وقد كتبه البروفيسور جان ماري دونفاني الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس. ولكن قبل أن نصل إليه لنتحدث ولو قليلا عن المشروع العام للكتاب.
منذ البداية تطرح المقدمة العامة للكتاب هذا السؤال: كيف يمكن أن نحلل المتغيرات التي طرأت على المجتمع الفرنسي مؤخرا؟ ويجيب المشرفان على الكتاب بما يلي:
إن هذا الكتاب يقدم من وجهة نظر سوسيولوجية محصلة ختامية للمتغيرات والتطورات التي طرأت على المجتمع الفرنسي منذ أربعين سنة، أي منذ أواسط الستينات من القرن الماضي وحتى اليوم.
ولكي نضرب على ذلك مثلا محسوسا وواضحا سوف نقول ما يلي: في عام 1960 كان عشرة بالمئة من البيوت الفرنسية تمتلك جهاز تليفون، أما اليوم فالجميع يمتلكون التليفون في بيوتهم بل والتليفون النقال أيضا.
وفي عام 1960 كان 60 بالمئة من الشعب الفرنسي يحضرون القداس الديني يوم الأحد في الكنيسة على الأقل مرة واحدة في الشهر. أما الآن فقد أصبح عددهم أقل من 5 بالمئة! ! لم يعد أحد يذهب إلى القداس تقريبا إلا العجائز أو في مناسبات الموت والزواج. والكنائس أصبحت فارغة تشبه المتاحف في فرنسا وعموم البلدان الصناعية المتقدمة.
وفي عام 1960 كان الموظفون الإداريون أو كوادر الشركات الكبرى والصغرى يشكلون 7 أو 8 بالمئة من عدد السكان العاملين في فرنسا، ولكنهم يشكلون الآن 30 أو 32 بالمئة.
ويمكن أن نضرب الأمثلة إلى ما لا نهاية على حجم المتغيرات الضخمة التي أصابت فرنسا أو طرأت عليها منذ أربعين سنة وحتى اليوم. ففرنسا أصبحت اليوم مجتمعا آخر وحياة أخرى.
ولكن أخطر شيء يهدد فرنسا وألمانيا وبقية الدول المتقدمة هو شيخوخة سكانها ونقص الولادات فيها. فحتى عام 1965 مثلا كانت نسبة الشباب الذين لا يزيد عمرهم على عشرين سنة تبلغ 35 بالمئة من عدد السكان، أما الآن فأصبحت 24 بالمئة.
وأما نسبة الذين يزيد عمرهم عن ستين سنة فقد أصبحت أكثر من عشرين بالمئة، وبالتالي فالعجائز يكثرون والشباب يقلون أكثر فأكثر.
وهناك ظاهرة أخرى تمكن ملاحظتها على المجتمع الفرنسي، ألا وهي أن نسبة النساء العاملات تزايدت جدا حتى وصلت مؤخرا إلى 80 بالمئة في حين أنها لم تكن تزيد على عشرين بالمئة في أقصى الأحوال عام 1960.
وقد رافق ذلك حصول المرأة على استقلاليتها المادية بالقياس إلى زوجها أو والدها. ولكن كانت النتيجة زيادة نسبة الطلاق بشكل مخيف، فربما لم تكن تتجاوز العشرة بالمئة عام 1960 ولكنها أصبحت الآن ثلاثين أو حتى أربعين بالمئة.
وأما نسبة العمال عام 1954، أي قبل نصف قرن، فكانت تصل إلى تسعين بالمئة. أما الآن فلم تعد أكثر من ستين بالمئة، وهذا يعني أن المجتمع الفرنسي تبرجز «أصبح برجوازيا» كثيرا خلال هذه الفترة وتزايدت فيه نسبة الطبقة الوسطى.
بل وحتى مفهوم العامل تغير أثناء كل هذه الفترة. فلم يعد شخصا جاهلا يملك قوته العضلية فقط وإنما أصبح عاملا محترفا يمتلك الشهادات التي تدل على مروره بمراحل تدريبية ودراسية. وبالطبع فإن مستوى معيشته أصبح أفضل بكثير مما كان عليه الحال سابقا.
وأما فيما يخص نسبة البطالة التي تصيب أبناء الشعب الفرنسي فلم تكن شيئا يذكر حتى عام 1970 تقريبا. كانت تتراوح بين 1 بالمئة و2 بالمئة، ولكنها أصبحت الآن مشكلة المشاكل بالنسبة للدولة والمسؤولين الفرنسيين لأنها تزيد على 10 بالمئة.
هذا يعني أن عشر السكان لا يستطيع الحصول على عمل، وهذه نسبة كبيرة عجزت حكومات اليمين واليسار عن تقليصها حتى الآن على الرغم من كل الجهود التي بذلت في هذا الصدد.
وأما فيما يخص غنى المجتمع الفرنسي وثرواته فقد ازدادت أضعافا مضاعفة خلال الأربعين أو الخمسين سنة الأخيرة.
ارتفع مستوى المعيشة بالنسبة لكل الفئات الاجتماعية تقريبا. ولكن هذا لا يعني أن التفاوت في توزيع الثروة بين الطبقات العليا والدنيا قد تناقص، على العكس.
لقد تزايدت نسبة اللامساواة والتفاوت بين الأغنياء والفقراء. وهذه هي إحدى المشكلات الأساسية التي يواجهها المجتمع الفرنسي حاليا والتي قد تهدد بانفجاره. نقول ذلك وبخاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مشكلة الضواحي المهمشة التي تسكنها أغلبية من العمال المهاجرين ذوي الأصول المغاربية أو الإفريقية.
ومعلوم أنها انفجرت مؤخرا على هيئة ثورة عارمة. وهي تطالب بحقوقها: أي حق العمل، وحق السكن اللائق، وحق الكرامة الإنسانية. ولكن البطالة تصيبها بنسبة أربعين أو خمسين أو حتى سبعين بالمئة! وبالتالي فتوجد هنا مشكلة ضخمة لن تستطيع فرنسا حلّها قبل سنوات طويلة وبذل جهود وإمكانيات ضخمة لتحسين أوضاع هؤلاء السكان المهمشين البائسين الذين يقفون على أطراف المدن الفرنسية الكبرى.
ثم يردف المؤلف قائلا: لكن لنعد إلى مسألة السياسة والدين. فيما يخص السياسة نلاحظ أن المشهد السياسي الفرنسي تغير كثيرا طيلة الفترة الماضية.
فالحزب الشيوعي مثلا كان أقوى الأحزاب بعد الحزب الديغولي وأحيانا كان يتفوق عليه. كانت تصل نسبته في الانتخابات العامة إلى عشرين أو حتى 25 بالمئة من العدد الإجمالي لأصوات الشعب الفرنسي. أما الآن فلا تكاد تتجاوز الخمسة أو السبعة بالمئة!وقد حل محله الحزب الاشتراكي الذي أصبح القوة الأساسية في البلاد فيما يخص اليسار الفرنسي.
ولا ينبغي أن نستهين بقوى اليسار المتطرف. فقد أصبحت أقوى من الحزب الشيوعي. أما في جهة اليمين فالظاهرة الملفتة للانتباه هي ازدياد نسبة اليمين المتطرف بشكل غير مسبوق. فقد أصبحت 15 بالمئة أو حتى 17 بالمئة. هذا في حين أنها لم تكن تتجاوز الخمسة في المئة عام 1970 أو حتى 1980.
أما فيما يخص الدين فكما قلنا سابقا لم تعد أهمية تذكر في مجتمع علماني، استهلاكي، مادي محض. فنسبة المتدينين المسيحيين أصبحت زهيدة ولا تكاد تذكر. والناس ما عادوا يولون أية أهمية للمعتقدات الدينية أو لوصايا البابا فيما يخص الأخلاق والحياة الجنسية، الخ.
*الكتاب: المجتمع الفرنسي، رواسب وطفرات نوعية
*الناشر: أرمان كولان ـ باريس 2006
* الصفحات :432 صفحة من القطع الكبير
La société française ,
pesanteurs et mutations
Olivier Galland et Yannick Lemel
Armand Colin- Paris 2006
