أجرى موقع «ريديف» الالكتروني الثقافي المتخصص هذه المقابلة مع الروائية الهندية كيران ديساي، وذلك بمناسبة صدور روايتها الثانية «ميراث الفقدان»،التي قوبلت باهتمام عالمي كبير، وصل إلى حد اقتحامها القائمة القصيرة للمرشحين للفوز بجائزة بوكر، أبرز الجوائز الأدبية في انجلترا.
حيث ألقت الضوء في المقابلة على أجواء الرواية والعالم الفكري الذي نبعت منه، والقضايا التي يتناولها هذا العمل وفي مقدمتها مشكلات العولمة والهجرة والتمزق في غمار التحرك المستمر بين الشرق والغرب بالنسبة لشريحة مهمة من أبناء الشرق. وفيما يلي نص المقابلة:
*ولدت في الهند، وتلقيت تعليمك فيها وفي انجلترا والولايات المتحدة. وأخذا في الاعتبار أنك أمضيت سنوات التكوين والتشكل خارج الهند، هل هناك من سبب محدد لكون أحداث روايتك الأولى والثانية تدور في الهند؟
ـ غادرت الهند عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري، ولكن عائلتي تقيم في دلهي، وكنت أعود إلى مقرها في كل عام، وهكذا فإن الاتصال لم ينقطع قط. وأعتقد أن كتابي الأول كان مليئاً بكل ما أحببته أكثر من غيره فيما يتعلق بالهند وعرفت أنني في غمار عملية فقده.
وكان إلى حد كبير عملاً نابعاً من سعادة إدراك مدى حبي الكبير للكتابة، أما كتابي الثاني فهو ليس بالعمل الذي تدور أحداثه بالكامل في الهند، وإنما يحاول الإمساك بما يعنيه العيش بين الشرق والغرب وتشكله الحياة. كمهاجر.
وهو على مستوى أكثر عمقاً يستكشف ما يحدث عندما يتم إدخال عامل أو عنصر غربي في بلاد ليست من الغرب، وهو ما حدث بالطبع خلال العصور الكولونيالية وهو ما يحدث مجدداً مع علاقة الهند الجديدة مع الولايات المتحدة.
كما أنني أردت أيضاً الكتابة عما يحدث عندما تأخذ الناس من بلد فقير وتضعهم في بلد غني. كيف يغير اختلال التوازن بين هذين العالمين تفكير شخص ما ومشاعره؟ وكيف تعلن هذه التغييرات عن نفسها في المجال الشخصي والمجال السياسي عبر الزمن. إن هذه موضوعات قديمة تواصل فرض أهميتها على عالم اليومي، فالماضي ينقل معلوماته إلى الحاضر والحاضر يكشف الماضي.
* ما الذي تعتقدين أنك أردت قوله عندما انطلقت في أول الأمر إلى كتابة روايتك الجديدة «ميراث الفقدان»؟ وهل تظنين أنك أفلحت في نقل كل ما أردته؟
ـ منذ غادرت الهند لأعيش حياة المضي جيئة وذهاباً هذه التي أحياها الآن، كشفت أنماط معينة انفعالية وتاريخية عن نفسها. وقد بدأت في تأمل تعقد النشأة في الهند وعالم آبائي وأجدادي المتغير والاتجاه اللاحق لحياتي الذي يشكل استمرارية لتلك الأيام واضطرابات ذلك العصر. وقد كانت جدتي لأمي ألمانية، وغادرت البلاد قبل الحرب ولم تعد إليها قط.
وكان جدي لاجئاً من بنجلاديش. ومن ناحية أبي فإن جديَّ قدما من قرية في كوجرات. وقد سافر جدي إلى انجلترا ليتلقى التعليم هناك. وشخصيات قصتي هي من ابداع الخيال كلية. ولكن هذه الرحلات وكذلك رحلتي قدمت استشرافاً لما يعنيه الانتقال بين الشرق والغرب، وهذا هو ما أردت الإمساك به.
وحقيقة كوني أعيش هذه الحياة على وجه التحديد ليست بالمصادفة وإنما هي ميراثي الذي ورثته. أما فيما يتعلق بما إذا كنت راضية عن هذا الكتاب فإني أحس على الدوام بأن شيئاً قد أفلت مني. أين هذا الشيء؟
هل هو الرواية السامية أو الراقية؟ إنني عندما أصادفها باعتباري قارئة، فإنني أقرأها مرتجفة. وشأن أي قالب فني، عندما يكون عظيماً، فإن الشخص الذي يعايشه يحيا في حالة من التألق. إنني أتضور إلى هذا الإحساس باعتباري كاتبة وقارئة كذلك.
* هل تقرئين لمؤلفين آخرين بينما تعكفين على انجاز رواية من إبداعك؟
ـ إنني أحاول وأقرأ مؤلفين ممن لا يعملون على المشهد ذاته. وأجد أنني إذا قمت بقراءة مؤلفين يشتغلون على هذا المشهد أن حساسيتهم تتسرب إلى حاسيتي. ولكنني أعوض ذلك الآن.
وبالطبع فإنني أقرأ أشياء أخرى، مثل ابداع ونفريد جورج شيبالد، هارو كي موراكامي، اسحق باشيفيس سنجر، سول بيلو، وكتاباً أقدم عهداً مثل جونتشيرو تانيزاكي وباتريك وايت.
وهناك كتاب أعتبره كنزاً مدهشاً وأعتقد أن الجميع يجب أن يقراءه وهو «تراب ورماد» للكاتب الافغاني عتيق راحمي. وهو كتاب معقد، يبدو أنه يفلح في الإمساك بكل ما يجري في أفغانستان، وذلك على الرغم من محدودية صفحاته. وهو كتاب رائع، رائع.
* من بين كل سبعة أشخاص في الهند يبدو أن هناك شخصاً يعكف على كتابة روايته الأولى في هذه اللحظة. هل قرأت أي عمل هندي معاصر من أعمال القص وبالتحديد لكتاب هنود يقيمون في الهند أثر فيك بعمق مؤخراً؟
ـ نعم، ومن الجميل معرفة أنه أياً كان ما يقال فإن الرواية في الهند لم تمت. وقد أعدت لتوي قراءة كتاب «انجليزي، أغسطس» لأوبامانيو تشاترجي وتأثرت به مجدداً، وقرأت أرونداتي روي، بالطبع وأيضاً أمين شودري.
وكذلك قرأت مها سوتيا ديفي من خلال الترجمة. وشأن الجميع في الهند قرأت نسخي من راسكين بوند. وأعتقد أنه من خلال مجمل أعماله، شأن ر.ك. نارايان فإنه يمدنا بصخرة يقوم عليها ما يشكل الهند بالتجلي الأكثر رقة لما تعنيه.
* ما هي أقدم ذكري لك عن الهند والتي تشد ناظريك إلى أبعد الحدود؟
ـ تعود أولى ذكرياتي إلى أيام الطفولة في تشانديجار، وشأن معظم ذكريات الطفولة فإنها تتعلق بالدار. وهي تدور حول الجلوس تحت المائدة وجذب أصابع أقدام أقاربي من الصغار الأكبر سنا وأبوي بالتناوب. إنها سعادة مطلقة. وأتذكر أبي وهو يصفر في حمامه وهو يصفني بأنني آيس كريم حياته الثلاثي الطعم، الشيكولاتة ـ الفانيلا ـ الفراولة.
وهناك الجلوس وأنا طفلة صغيرة للغاية في حجر أمي وأعبث بالأساور التي تضعها وأمامها كتاب وهي تقرأ بصوت بالغ الجمال. وانطباعي الأكثر حداثة عن دلهي هو انطباع عن مدينة بينما تتغير بسرعة، فإنها لاتزال تعطي الشعور بالقدم، بالضوء، بالتراب، بقباب القبور بين المباني العالية، الأقدم عهداً بسنين عدة.
وسيكون لدلهي تاريخها دوماً الذي تحمله على كاهلها. والتألق الذي يتحدث عنه الجميع لايزال يبدو بالنسبة لي معزولاً ومحتوى في أحياء محدودة، في بعض المحال والمطاعم، وبينما تتحدث إحدى الطبقات عن الدولارات واليوروهات فإن الفقر قديم كعهده أبدا ومتغلغل في المدينة بعمق.
وعلى الرغم من هذا فإن انطباعي هو عن مدينة سعيدة أيضاً. إن الدفء الإنساني هو جانب فطري من جوانب الهند وكذلك المزاج الطيب. وأنا أفتقده بشدة لدى عودتي إلى نيويورك.
