ربما لم يقدر لرواية أن تثير ضجة في السنوات الأخيرة كتلك التي فجرتها رواية «ميراث الفقدان» للروائية الهندية كيران ديساي، وهي الضجة التي توجت باقتحام الروائية والرواية للقائمة القصيرة المرشحة للفوز بجائزة بوكر الأدبية البريطانية الشهيرة.
وذلك على الرغم من أنها لا تعدو أن تكون الرواية الثانية فقط لمبدعتها. وقد كان من الطبيعي أن تنعكس هذه الضجة في تناول كبرى صحف العالم لها وتقديمها في عروض مطولة لقرائها.
ها هي «واشنطن بوست» تبادر إلى الإشارة إلى أن رواية ديساي الثانية تعالج التأثيرات الممتدة للكولونيالية على نوعين من الناس في جنوب آسيا، أولئك الذين يحاولون مغادرة الهند، ومن يبقون فيها، وهي تفجر لحظات من الكوميديا السوداء وإن لم تفتقر إلى الطبيعة الحميدة.
وتصف «نيويورك تايمز» هذه الرواية بأنها فذة، وتفلح في استكشاف آفاق كل القضايا الدولية المعاصرة، بما في ذلك العولمة، التعددية الثقافية، الظلم الاقتصادي، الأصولية، العنف الإرهابي وغير ذلك كثير، وعلى الرغم من أن أحداثها تدور في منتصف الثمانينيات، إلا أنها تبدو أفضل الروايات المنتمية إلى عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر.
ويقول الناقد الأدبي لصحيفة «لوس انجلوس تايمز» إن رواية ديساي تتسم بالحكمة والفطنة وتحفل بالشخصيات المتصارعة والمؤثرة، وهي تنطلق مدوية بصوت إبداعي قوي وآخذ في التطور.
وتشيد مجلة «نيويوركر» بالرواية بحسبانها عملاً مكتوباً بصورة رائعة ويتناول مسائل الحداثة والطبقة والأمل بطرق مؤثر وكاشفة لأعماق القضايا التي تتناولها.
وتلقى صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الضوء بصفة خاصة على المشهد الختامي للرواية. فتقول عنه إنه يقدم للقلب بهجة كوميدية ضارية، وكأنه يرضي الذهن برفض التخلي عن الواقع المظلم الذي يشكل صميم حياة شخصيات الرواية.
أما صحيفة «بوسطن جلوب» فهي تختتم مقالاً تحليلياً مطولا بالقول في حماس منقطع النظير: «هذه رواية رائعة، فبادروا بقراءاتها»!
وبالحماس نفسه تقول صحيفة «سياتل تايمز» عن الرواية إنها عمل يتألق بالأمانة والإنسانية تم إبداعها على نحو رائع.
وتقول مجلة «تايم أوت» إن ديساي تلقى الضوء على ما يواجهه الهنود خارج بلادهم، وفي الوقت نفسه فإن المقاطع والتي تدور حول الحياة في الهند تستحضر كل أبعادها، وتفلح في الإمساك بالتداخل بين الحياة السياسية للهند وحياة.
المهاجرين منها غير أن كل هذا الحماس الذي يوشك أن يكون جارفاً بلا حدود لرواية ديساي الثانية لا يعني أنها لم تتعرض للنقد القاسي، حيث يلفت نظرنا في موقع مجلة «سبايك» المتخصصة مقال يفتح النار ـ حرفياً ـ على الرواية والروائية معاً.
في هذا النقد لا يتردد الكاتب في الإشارة إلى أن مادة الرواية هي مادة جيدة، ولكن ديساي اختارت أسلوباً في كتابة هذه المادة لا يمكن ـ حسب اعتقاده ـ إلا أن يوصف بأنه الأكثر صعوبة وبعداً عن التماسك من بين كل أساليب الكتابة لكي تنقل للقراء أفكارها من خلاله.
ليس فهذا فحسب بل انه في إطار تعقيد هذا الأسلوب فإن الرواية تقفز من مكان إلى آخر بأسرع مما يتقافز أرنب يطارده ثعلب، والفصول تتكون من أجزاء من صور ألصق بعضها إلى جوار البعض الآخر، أكثر مما هي عمل أدبي يندرج في إطار إبداعي، منطقي، متماسك وهكذا فإن الرواية في نهاية المطاف تبدو أقرب إلى فيديو يحتوي مجموعة أغان من عالم موسيقى الراب، والبعض قد يعتبر هذا تجديداً، لكنه في صيغته النهائية نثر رديء.
ولا يتوقف هذا النقد عند هذا الحدود، وإنما تشير مجلة «سبايك» الالكترونية المتخصصة إلى أن نثر ديساي مرتبك وغامض في بعض الأحيان وتثقله حمولات من النزعة الرمزية بحيث يغدو في نهاية المطاف مستعصياً على الفهم.
ويخلص الموقع إلى الإشارة إلى أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، وإنما الفصول مهشمة ومتحولة إلى جزئيات متناثرة بعيدة عن الترابط. الأمر الذي يجعل الرواية عملاً مؤلماً في قراءته وغير جدير بالجهد الذي يبذل في هذا الصدد.
وبغض النظر عن هذا التناقض بين الحماس المفرط والنقد القاسي، فإننا في واقع الأمر نجد أنفسنا مع رواية جديرة بالاهتمام تقع أحداثها في كل من الهند ونيويورك، حيث نجد شرائح من الحياة في الهند من منظور أربع شخصيات مختلفة تتنازع على بطولة العمل، الذي تدور أحداثه على خلفية القلاقل الأهلية النيبالية في منتصف الثمانينيات.
والرواية في جوهرها هي قصة حب بين شاب وفتاة بين أب وابنه يفصلهما الكثير من مياه المحيطات وبين جد عجوز ممرور وحفيدته الطالعة للحياة.
ورغم الاجتهادات العديدة في قراءة هذا النص الصعب والممتع في آن، فإنه في حقيقة الأمر لا يدور حول مدينة كاليمبونج التي تشهد القسط الأكبر من الأحداث ولا حول الاضطرابات التي يثيرها جنود الجورخا النيباليون، وإنما هو يدور حول «الفقدان» الذي يمنح الرواية عنوانها وحول إدراك جوهر هذا الفقدان.
الفتى والفتاة بطلا الرواية يفقدان البراءة في غمار الاضطرابات المدنية في هذا الركن القصي من الهند، والجد العجوز يفقد هويته التي عاش طوال عمره يحاول أن يكرسها ويفقد العائلة والأصدقاء وكلبته الأثيرة، والطاهي الذي لا يفارق الجد يفقد أبنه وزوجته، وابن الطاهي يفقد كل شيء في غمار محاولة الوصول إلى حياة أفضل بعيداً عن الهند، وعلى وجه التحديد في أقبية نيويورك ومطاعمها. واضطرابات جنود الجورخا ليست إلا العامل المساعد الذي يعجل بالفقدان وإدراك ما يعنيه هذا الفقدان، لا أكثر ولا أقل.
بقي القول إنه ربما كان هذا العمل الذي يقع في 384 صفحة أطول مما ينبغي، ويعيد تكرار واجترار بعض أحداثه على نحو كان يجب تجاوزه، إلا أنه مع ذلك يبقى عملاً أصيلاً وجديراً بالاهتمام ولا تنقصه الجرأة ولا الطموح.
* الكتاب: ميراث الفقدان
*الناشر: غروف برس ـ نيويورك 2006
*الصفحات:348 صفحة من القطع المتوسط
THE INHERITANCE OF LOSS
KIRAN DESAI
GROVE PRESS - n.y 2006
p. 384
