كيف يمكن للأخلاق والتعاليم الدينية أن تتحول إلى واقع محسوس وسلوكات ملموسة تفضي إلى تنوير العقول وصلاح المجتمعات وإحقاق العدل والمساواة في كل بقعة من هذا العالم الغارق بمظالم لا حدود لها؟

سؤال كبير طالما طرحه المفكرون ورجال الدين المتنورون في كل زمان ومكان، ومن بين هؤلاء الأب الياس زحلاوي من خلال موقعه أولا كمواطن عربي سوري يؤمن بعدالة قضايا أمته وحقها في العيش الكريم والآمن.وثانيا من خلال موقعه ككاهن كاثوليكي يسعى لنشر المحبة بين البشر، والأب زحلاوي يواصل هذه المهمة في كتابه الجديد الصادر حديثا عن مركز الغد العربي للدراسات بعنوان «من أجل فلسطين وحدها» يتألف الكتاب من مجموعة من المقالات التي كتبها الأب زحلاوي والحوارات التي أجريت معه وقد نُشرت جميعها في الدوريات العربية خلال السنوات الماضية، وهي توضح وجهة نظر الكاهن من أهم الأحداث السياسية التي شهدتها المنطقة العربية في السنوات الخمس الأولى من القرن الواحد والعشرين كاحتلال العراق والانتفاضة الفلسطينية وقضية نزع سلاح حزب الله والموقف من مفهومي الإرهاب والمقاومة.

وتفتتح صفحات الكتاب مقدمة كتبها الدكتور جورج حبش تقول أولى سطورها: «طل الأب زحلاوي على قرائه بوصفه كاهنا عربيا مسكونا بهواجس أمته وقضاياها المصيرية الأكثر حساسية وإشكالية»وإذ يتناول الأب زحلاوي في كتابه هذا جملة من القضايا المصيرية، فإنه لا يكتفي بعرضها وبإثارة الأسئلة حولها، بل إنه يقترح العديد من المشاريع والخطوات العملية.

فهو مثلا حين يتهم الكنائس الغربية بالصمت على ما يجري في العراق وفلسطين من قتل للأبرياء وتدمير للحياة، ويتهم رجال الدين الغربيين بالتواطؤ مع السياسات الغربية .

وبالتالي الخروج عن التعاليم الأساسية للسيد المسيح التي تدعو إلى السلام والمحبة بين البشر أجمعين، فإن الأب زحلاوي بالتوازي مع هذه الإدانة الصريحة كان قد وجه جملة من الرسائل المفتوحة إلى بعض الرموز الدينية والسياسية في الغرب كالبابا السابق يوحنا والرئيسين بوش وشيراك.

كما دعا وما زال يدعو كل الكنائس الشرقية كي تجتمع وتعقد مؤتمرا مسيحيا دوليا غايته توضيح المسائل الأساسية التي تخص الصراع العربي الصهيوني.

أيضا يدين الكاتب بشدة سياسة القطب الواحد التي تسعى إلى استعباد الشعوب ونهب ثرواتها، وفي مواجهة هذه السياسة يدعو إلى حوار بين الشعوب لأنه لم يعد يؤمن بجدوى الحوار بين القادة، فشعوب الأرض هي وحدها التي عرفت الآلام وتجرعتها جيلا بعد جيل، وهي وحدها القادرة على إنقاذ هذا العالم، وثمة نذر لطوفان شعبي قادم يفصح عن وجوده بتظاهرات الاحتجاج التي تعم الشوارع في الأزمات والحروب.

وفي مواجهة العصبيات الدينية التي بدأت تجتاح العالم يدعو الأب زحلاوي إلى حوار الأديان، حوار بين كافة الطوائف المسلمة والمسيحية لإزالة أسباب الخلاف وسوء الفهم فيما بينها، وفي كتابه أيضا يلحّ الأب زحلاوي على عدم الخلط بين مفهومي الإرهاب والمقاومة، ويرى أن الإرهاب صنعته السياسات الأميركية المتغطرسة.

أما المقاومة فهي حق مشروع لكل عربي في دفاعه عن أرضه وأمنه من التهديدات الخارجية، حق الفلسطيني واللبناني وكل الشعوب المستضعفة والفقيرة.

وإذ يتناول المؤلف هذه القضايا الإشكالية فإنه يتناولها بلغة متماسكة سلسلة، تنم عن نفس عربي قومي أصيل، وفكر تحليلي عميق منفتح على كل مكتسبات الثقافة العالمية، ففي معرض مقالاته يشيد الأب زحلاوي بالثورة الفرنسية وبشرعة حقوق الإنسان.

ويقتبس من كارل ماركس ومن بريخت، ويستلهم بعض الأساطير اليونانية، ويترجم بعض القصائد، وأثناء ذلك لا ينسى أيضا ذكر الغربيين واليهود المناصرين للقضية العربية.

بل يدعو إلى فتح حوار معهم وترجمة أعمالهم إلى العربية، لكي يتثنى للقارئ العربي أن يطلع عليها، فهو مثلا يقتبس من يوداس مانييس قوله «إنها يهودية وثنية استولت على قسم كبير من الشتات المقتدر»وهو يقتبس أيضا من كتاب إسرائيل شاحاق «نصرية دولة إسرائيل»الصادر عام 1975 قوله: «إن اليهود الإسرائيليين ومعهم معظم اليهود في العالم يعيشون حالياً تحوّلاً نازياً»

*الكتاب:أمن أجل فلسطين وحدها؟

تهامة الجندي

*الناشر:مركز الغد العربي للدراسات ـ دمشق 2006

*الصفحات:327 صفحة من القطع المتوسط