لئن ترك لنا الأطباء العرب النابغون مؤلفات كانت منائر علمية ومراجع نفيسة في الطب قروناً، في الشرق والغرب، مثل كتاب « الحاوي» لأبي بكر الرازي، وكتاب القانون لابن سينا وكتاب «كامل الصناعة في الطب» لعلي أبن العباس وكتاب «زاد المسافر» و«قوت الحاضر» لابن الجزار، فإن هذا الكتاب« التيسير في المداواة والتدبير» للطبيب العربي أبي مروان بن عبد الملك بن زهر الأندلسي الاشبيلي أحد فروع تلك الدوحة الوارفة .

ينتسب مؤلفنا إلى أسرة عرفت بنبوغ أفرادها في الفقه والعلم والأدب والسياسة، وقد تميز من هذه الأسرة ستة أطباء تعاقبوا في التربع على عرش الطب في مغرب الدولة الإسلامية من أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، «أبو مروان عبد الملك» هو أعظم أطباء هذه الأسرة، أسرة بني زهر.

وقد ولد في «أشبيلية سنة 464 هجرية، وتوفي فيها سنة 557 هجرية وقد خلف أباه في خدمة ملوك المرابطين، الذين دامت دولتهم إلى سنة 542 هجرية ثم أصبح وزيرا مقربا من الخليفة «أبي محمد عبد المؤمن بن علي» أول الخلفاء الموحدين الذين تغلبوا على المرابطين.

وبسطوا سلطانهم على المغرب والأندلس ولم تقتصر شهرة «أبي مروان» على مغرب الدولة الإسلامية، بل تجاوزتها إلى أوروبا، فذاع صيته في فرنسا وايطاليا، ولاسيما بعد أن انتقلت الترجمات العربية واللاتينية لكتابه «التيسير في المداواة والتدبير» وهو الكتاب الذي كان يدرس في جامعات أوروبا الغربية حتى نهاية القرن السابع عشر الميلادي .

وقد قيل إن «أبامروان» كان أعظم أطباء عصره واعتبره ابن رشد أعظم طبيب بعد «جالينوس» وقال «لوكلير» إن ابن زهر لا تجوز مقارنته إلا بابن سينا والرازي «وقد حقق «أبو مروان» هذا التفوق في الطب لأنه انقطع إلى الطب دون غيره من العلوم، وتجرده من القيود التي تمسك بها سواه، واعتماده على دقة الدراسة السريرية في تشخيص الأمراض ومداواتها .

وقد حارب «ابن زهر» الخرافات والأباطيل، وكافح الدجالين والمنجمين وكان في زمانه مثال الرجل الذي يحطم قيود التقليد، ويحكم المنطق في تفكيره . أما كتاب «التيسير في المداواة والتدبير» فإن المؤرخين يجمعون على أن هذا الكتاب أفضل وأشهر كتاب ألفه «ابن زهر» وقد ذكر بعض المؤرخين أن «ابن زهر» ألف كتاب «التيسير بناء على طلب صديقه ورفيقه الفيلسوف القاضي «ابن رشد» .

يتألف الكتاب من سفرين اثنين ومن ملحق بهما سماه «ابن زهر» بالجامع ويبدأ السفر الأول من الكتاب بمقدمة وجيزة ذكر فيها المؤلف أنه ألحق كتابه بالجامع ليشتمل على صيغ الأدوية المركبة التي كان يستعملها «ابن زهر» في العلاج .

ثم يبدأ المؤلف أول السفرين، بفصل قصير في حفظ الصحة من ذلك قوله : أجمع الأطباء على تليين الطبيعة معين على دوام الصحة، ومن أسهل ما يعمل في ذلك، أن يمرس من التمر الهندي عشرة دراهم، فيما يغمره في ماء حار.

وينقع فيه من الراوند الحديث، ثلاثة أرباع درهم، أربعاً وعشرين ساعة، ثم يصفى ويخلط فيه أوقية من شراب قشر الأترج ..... » ثم يأخذ بذكر الأمراض وعلاجها، مبتدئاً بعلل الرأس، ( داء القرع . داء الثعلب . داء الحية . داء الصلع، علة اعوجاج الشعر .... «ومنتهياً بذكر أمراض الصدر والحجاب الحاجز الفاصل بين آخر الصدر وأول البطن .

ويبدأ السفر الثاني من كتابه : بالكلام في البطن الأسفل . ويختمه على الحميات والبحارين والأمراض الوبائية .

وما أن ينتهي من تدوين ما أراد تدوينه في «كتاب التيسير» حتى يبدأ الجامع بقوله : وهذا جزء لمن كان بمعزل عن الطب القياسي، وعن النظر الصناعي، ويشتمل على علاجات بأشربة ومعاجين وأدهان، مما يحدث في البدن من الأمراض والأعراض بحول الله .... »

والكتاب جلي الترتيب، واضح التنسيق، دقيق العرض، وأسلوب مؤلفه أسلوب تعليمي على نمط أساليب الأطباء والكيميائيين العرب، ويشعر القارئ بأنه يحضر درساً عملياً حياً، يلقيه أستاذ متمكن، يوشي حديثه ببعض الطرائف، وبشيء من ذكرياته الشخصية، ويحس القارئ بتفكير الرجل المؤمن الذي يستعمل العقل ويعتمد على التجربة، ويخضع في كل أعماله لمعطيات الواقع .