مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي المعروف دانييل فيرنيه، وهو يشغل الآن منصب مدير العلاقات الدولية في جريدة «لوموند» الفرنسية الشهيرة. وبالتالي فاطلاعه على القضايا السياسية العالمية واسع ومتشعب بدءاً من الشرق الأوسط، وانتهاء بالعلاقات الأوروبية ـ الأميركية، مرورا بقضايا الشرق الأقصى من اليابان إلى الهند فالصين.

وقد شغل منصب مراسل الجريدة المذكورة في عدة عواصم عالمية قبل أن يعود إلى باريس ويستلم رئاسة تحرير القضايا الدولية. فقد كان مراسلا في ألمانيا، والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا. وقد نشر السيد فيرنيه حتى الآن عدة كتب، نذكر من بينها: النهضة الألمانية، ثم الاتحاد السوفييتي والحلم الذي تكسر أو ضُحّي به.

كما ونذكر كتابه عن وقائع الحرب اليوغسلافية، وكذلك كتابه الذي صدر العام الماضي ولفت الانتباه عن «أميركا التبشيرية: حروب المحافظين الجدد»، وهو من أفضل المراجع عن الموضوع في اللغة الفرنسية.

وفي الكتاب الجديد الذي أصدره دانييل فيرنيه مؤخرا يجد القارئ معلومات جديدة ومضيئة عن عاصمة ألمانيا: برلين. فهو يروي قصة تاريخها من البداية إلى النهاية، وفي المقدمة العامة للكتاب يقول المؤلف ما يلي:

إن سقوط جدار برلين خلق في العلاقات الدولية عهدا جديدا يتجاوز حجم مدينة برلين بحد ذاتها. فقد كان يعني نهاية الحرب الباردة التي شغلت القوتين الأعظم على مدار نصف قرن تقريبا. ومعلوم أن الصراع بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية كان يتمحور حول برلين بالذات، وبالتالي فهي رمز لشيء آخر أكبر منها ويتجاوزها.

وقد وصل الأمر بالكاتب الألماني والتر بنيامين إلى حد القول إن باريس كانت عاصمة أوروبا في القرن التاسع عشر، ولكن برلين أصبحت عاصمتها في القرن العشرين.

والواقع أن تاريخ هذه المدينة العريقة كان منذ عام 1871 مطبوعا بطابع التحولات والمتغيرات الكبرى. فقد كانت عاصمة الحداثة في ظل جمهورية فايمار، وكانت عاصمة الثقافة الألمانية والإبداع الشعري والفكري قبل ذلك في عهد غوته، وشيلر، وهيغل، وفيخته، الخ. نعم لقد شهدت برلين عصرها الذهبي الذي سرعان ما انهار بوصول هتلر والنازيين إلى السلطة عام 1933. وعندئذ أصيبت بالانحطاط الأخلاقي ثم السياسي، ثم دمرت إلى حد كبير أثناء الحرب العالمية الثانية.

ثم يردف دانييل فيرنيه قائلا:

ويرى أحد المفكرين الألمان المعاصرين أن برلين عاصمة جاءت متأخرة إلى العالم، تماما مثل ألمانيا ذاتها. فهي لم تتوحد إلا بشكل متأخر قياسا إلى فرنسا.

لقد توحدت في نهاية القرن التاسع عشر على يد بسمارك، ولم تحصل هذه الوحدة إلا بعد ثلاث حروب خاضتها ألمانيا ضد جيرانها: أي الدنمارك، والنمسا، وفرنسا.

وبالتالي فبرلين لم تصبح عاصمة كبرى إلا في نهاية القرن التاسع عشر: أي بعد تحقق الوحدة الألمانية. نقول ذلك على الرغم من أنها كانت نواة لهذه الوحدة طيلة ثلاثة قرون، أي عندما كانت عاصمة لبروسيا التي استطاعت توحيد كل الدويلات الألمانية حولها.

والواقع أن برلين حتى عام 1933 كانت رمز الحداثة والإبداع الخلاق للإنسان في كل المجالات. ثم أصبحت أثناء الفاصل النازي القصير (1933-1945) الرمز العالمي على الطغيان، والبربرية الهمجية، واحتقار كرامة الإنسان وحقوقه، والقضاء على أفضل ما أعطته الحضارة الأوروبية من قيم.

والآن، وبعد نهاية الحرب الباردة، أصبحت تجسد من جديد الرغبة العارمة في الانطلاق الحضاري والعمراني والإنساني. ولكن ذكريات الماضي الأليم تضغط عليها وتمنعها من تحقيق الانطلاق كما ترغب.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن إذا كانت كل أنظار ساسة العالم وبخاصة الساسة الغربيين متركزة على برلين أثناء الحرب الباردة فإنه لا يمكن القول بأن الشعب الألماني نفسه يحب هذه المدينة كثيرا.

فهي مدينة استثنائية ومزعجة في ذات الوقت. فالأرياف أو قل مدن الأقاليم الألمانية البعيدة كانت دائما تنظر إلى برلين وكأنها ليست ألمانيا حقا! لماذا؟ لأنها كانت تبدو في نظرهم كوسموبوليتية أكثر من اللزوم: أي تجمع في طياتها بين مختلف الثقافات البشرية، ومختلف العناصر الأجنبية وليس فقط العنصر الألماني.

وكان الألمان ينظرون إليها أيضا وكأنها مدينة خفيفة، مولعة بالصرعات والموضات الدارجة والعابرة. وهي موضات تكون من صنعها في معظم الأحيان إن لم تأتها من باريس، تلك العاصمة الأخرى للثقافة الأوروبية. ولذلك فإن الطليعة الثقافية لجمهورية فايمار كانت تجد لها أصداء قوية في الخارج أكثر مما تجده في ألمانيا بالذات.

بل وحتى النازيين كانوا يحبون برلين، والواقع أن معظم قادتهم بمن فيهم هتلر نفسه ما كانوا مولودين فيها. ومعلوم أن برلين قاومت النازيين أكثر من المدن الألمانية الأخرى، بل واستعصت عليهم لفترة طويلة قبل أن يرسل هتلر إليها مساعده الرهيب غوبلز لكي يخضعها ويطوعها.

ولكن فيما بعد اتخذها النازيون مركزا لكل السلطات إلى درجة أن الشعب الألماني كرهها بعد سقوط هتلر باعتبارها رمزا فاسدا على العهد المخلوع. يضاف إلى ذلك أنها أصبحت مشبوهة من قبل العالم كله. ألم تكن عاصمة هتلر والنازية؟!

وعلى الرغم من أن تاريخ القرن العشرين حسم هنا في برلين بالدرجة الأولى إلا أن بيرتولد بريخت كان يقول بأن برلين ليس لها أي حس تاريخي، ويقال بأن هتلر كان سيهدمها كلها بعد الحرب لو انتصر لكي يبني محلها مدينة جديدا كليا وتدعى:

جيرمانيا، أي مدينة تليق بجنون العظمة الذي كان يسكنه من الداخل. ولكن برلين توحدت الآن وبنوا فيها مركزا للمستشارية غير الذي كان يسكنه هتلر إبان سطوته وعنفوانه. ويبدو أن مبنى المستشارية الجديد من أرقى وأحدث المباني في العالم. فقصر الاليزيه أو حتى البيت الأبيض لا شيء أمامه من حيث العظمة، والروعة، والأناقة، والحداثة وما بعد الحداثة.

وهذا الشيء كان متوقعا لمن يدرك خبايا الأمور. فبعد سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا أصبحت برلين عاصمة الدولة الأكبر والأهم في كل القارة الأوروبية.

إنها أهم من فرنسا، أو إنكلترا، أو إيطاليا من حيث الضخامة السكانية أو القوة الاقتصادية. فألمانيا يتجاوز عدد سكانها الآن الثمانين مليون نسمة، هذا في حين أن عدد سكان فرنسا أو إنكلترا أو إيطاليا لا يتجاوز الستين مليون، وألمانيا هي ثالث اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان. وبالتالي فمستقبلها أمامها لا خلفها، وسوف تسيطر على أوروبا في السنوات القادمة هذا إذا لم تكن قد سيطرت منذ الآن.

والرئيس الأميركي يعرف ذلك جيدا، ولهذا السبب فهو يبتدئ زيارته لأوروبا عادة بالتعريج على ألمانيا، فهي نواة الوحدة الأوروبية بالإضافة إلى فرنسا. وهي التي تساعد الدول الأوروبية الأخرى على إنعاش اقتصادها واللحاق بركب التطور والحضارة. ونقصد بذلك دول أوروبا الوسطى أو الشرقية بالدرجة الأولى.

ولكن يمكن القول أيضا أن لولاها لما استطاعت البرتغال أو إسبانيا تحقيق كل هذه النهضة الاقتصادية في فترة قصيرة لا تتجاوز الربع قرن. فقد ضخّت فيها ألمانيا وباسم الوحدة الأوروبية مليارات الدولارات. وأما الآن فهي مشغولة بالنهوض بألمانيا الشرقية التي دمرتها الشيوعية وخربت اقتصادها. ويقال بأن ألمانيا الغربية صرفت على ألمانيا الشرقية منذ التوحيد عام 1995 وحتى الآن عشرات المليارات أو ربما مئات المليارات من الدولارات أو اليورو.

وهذا أمر طبيعي. فكل البنى التحتية والمرافق الحيوية كانت في حالة يرثى لها بعد خمسين عاما من الحكم الشيوعي. وبما أن الشعب الألماني متضامن جدا مع بعضه البعض فإنه قبل بكل هذه التضحيات للنهوض بمستوى ألمانيا الشرقية التي أصبحت جزءاً من ألمانيا الكلية الموحدة.

*الكتاب: رواية برلين

*الناشر:روشيه ـ باريس 2005

*الصفحات: 179 صفحة من القطع الكبير

Le roman de Berlin

Daniel Vernet

Editions du Rocher

Paris 2006

p.179