مقدّم ومحرّر هذا الكتاب الباحث والناشط السياسي الفلسطيني سلامة كيلة، وهو من مواليد بير زيت في العام 1955 م، يحمل البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة بغداد، وله عدد من الكتب الصادرة منها :

«إشكالية الحركة القومية العربية «و العرب ومسألة الأمة»و «مقدمة عن ملكية الأرض في الإسلام»و«مشكلات الماركسية في الوطن العربي» و «بعد 11 سبتمبر عصر الإمبراطورية الجديدة».

يوثّق الكتاب الحلقة الحوارية التي عقدها مركز الغد العربي في دمشق حول طبيعة الإستراتيجية الأميركية تجاه الوطن العربي بعد احتلال العراق . وقد شارك في هذه الحلقة عدد من الكتاب والمفكرين والسياسيين منهم : د. أحمد برقاوي، د. سمير التقي، د. يوسف سلامة، د. منذر خدام، د. نبيل سكر، ميشيل كيلو، نزار سلوم، حسين العودات، علي الكردي.

يقدم معد الكتاب سلامة كيلة وجهة نظره تحت عنوان: «الدولة الأميركية والسياسة الامبريالية في الوطن العربي «فيحدّد الإطار العام للسياسات الأميركية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، في نقطتين :

الميل إلى الحرب والاحتلال، والميل إلى التفرّد في إطار السياسة العالمية. معيدا ذلك إلى مؤشرات تراجع الاقتصاد الأميركي منذ أواخر الثمانينات والذي تمثّل في ثلاثة عناصر: عنصر عجز الميزان التجاري، وعنصر عجز الميزانية، وعنصر المديونية المرتفعة.

حيث صعّدت الولايات المتحدة التدخل العسكري إلى الحد الذي شكّل ما يشبه حربا عالمية، منذ حربها الأولى على العراق سنة (1991)، مرورا بحرب البوسنة( 1995 ) ثم كوسوفو ( 1999) واحتلال أفغانستان(2001) وانتهاء باحتلال العراق سنة ( 2003 ).

كما صعّدت في هذا الإطار حربها على ( الإرهاب ) لتغيير أنظمة الدول ( المارقة )، وهي الدول التي سعت خلال الحرب الباردة إلى تحقيق الاستقلال والتطور، ووضعت في خانة الدول الاشتراكية: ( كوبا، كوريا، إيران، العراق، سوريا، ليبيا، يوغسلافيا .. ) والتي تحددت فيما بعد في «محور الشر».

وقد انفردت الإدارة الأميركية بقرارات حروبها تلك بعيدا عن آراء حلفائها، وبغض النظر عن قرارات الأمم المتحدة، متصرفة كقطب أوحد في العالم، معتمدة على تفوقها العسكري، ومنطلقة من مصالح الشركات الاحتكارية الأميركية.

ويشير معد الكتاب إلى أن رؤية الإدارة الأميركية لصياغة ( النظام العالمي الجديد ) بدأت تنطلق من مبادئ عدة منها، أولا: حماية مصالحها النفطية من بحر قزوين إلى أفريقيا مرورا بالنفط العربي. وثانيا: حماية مصالح الشركات الأميركية في «فتح الأسواق» وبالتالي بناء مناخ أمني دولي مؤات لتلك المصالح.

وثالثا : شرعنة التدخل والقوة والاحتلال والتأكيد على نهاية عصر عدم التدخل في الشؤون الداخلية للأمم. ورابعا : إقرار مبدأ الحرب الاستباقية، وهي الإستراتيجية التي تقوم على غزو الدول الأخرى تحت ذريعة الخطر الذي يمكن أن تشكله على أمنها القومي.

وخامسا: توسيع التواجد العسكري الأميركي في العالم، وزيادة عدد الجنود المنتشرين خارج أميركا والذي بلغ ما يقرب من نصف مليون جندي، وزيادة الميزانية الحربية إلى أكثر من (400 مليار دولار ) وهو ما يشكل سدس الميزانية التي تعاني من عجز مستفحل.

وسادسا : تسويغ سياستها الجديدة إعلاميا على مبدأ أن لأميركا رسالة تهدف إلى نشر الحرية والقيم الديمقراطية في العالم، وهي رسالة من «الله » ومن «التاريخ» وفق ما صرّح الرئيس بوش.

ويرى محرّر الكتاب أن أساس هذه الرؤية الأميركية الجديدة يقوم على مبادئ تعميم اقتصاد السوق، والتقليص الكامل لدور الدولة الاقتصادي، وتعميم قانون الشركات الاحتكارية الامبريالية، في إطار سياسة العولمة التي تنتهجها.

وذلك لضمان التحكم بالنفط العالمي، والسيطرة على الأسواق، وضمان استمرار الدولار عملة عالمية. ومن هنا نشأ الميل لتشكيل إمبراطورية عالمية تتحكم بها أميركا، وتكون «مرعى»خصبا للشركات الاحتكارية.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى بيان وضع المنطقة العربية، فيرى أن وجود النفط والأسواق فيها يشكلان عنصري الإغراء للولايات المتحدة، لكن المسألة لا تتعلق بذلك فقط، حيث أن «بناء المناخ الأمني» يفرض كذلك التحكم بكل المناطق الإستراتيجية الضرورية للحفاظ على هاتين المصلحتين.

فإذا كان الوجود العسكري في الخليج ضروريا لحماية المصلحة القومية المتمثلة في النفط فإن الحاجة إلى السيطرة على النفط تفرض توسيع التواجد العسكري، وإقامة القواعد العسكرية في دول عربية أخرى، مثل الجزائر وليبيا والسودان.

ومن هنا فإن الولايات المتحدة تسعى وفق إستراتيجيتها الجديدة إلى إعادة تكوين المنطقة العربية بما يمنع تطورها، وهذا ما يفسر تفكيك وتصفية ما تحقق من تطور عبر التشجيع على الخصخصة، ونهب القطاع العام وتعريضه لمنافسة غير متكافئة، كما يفسر تدمير البنية التحتية للعراق، واستنزاف التراكم الرأسمالي النفطي الذي تحقق عبر عقود في الكويت . وتدل المؤشرات السابقة على أن تغييرات عميقة يمكن أن تحدث في النظام الإقليمي العربي، وفي الجغرافيا السياسية كذلك.

أما بالنسبة إلى الدولة الصهيونية فإن الرؤية الأميركية ستوفر مناخا آخر لها، تدفع من خلاله النظم العربية إلى الاعتراف بها، وإقامة علاقات سياسية واقتصادية معها، وتسهيل نشاطها في كل الوطن العربي. ما يمكن أن يحول الدولة الصهيونية إلى قوة مهيمنة على محيطها، ومشاركة في التكوين النهائي الذي تصيغ فيه أميركا المنطقة.

ثم يعرض محرّر الكتاب مجريات المناقشة التي أدارها الدكتور أحمد برقاوي تحت عنوان: «العرب وأميركا» والتي تحدث فيها الدكتور نبيل سكر مشيرا إلى أن الاقتصاد الأميركي المتدهور في أواخر الثمانينات لم يكن وراء التفكير بغزو أسواق جديدة، إنما يعود ذلك إلى صعود وتنامي دور المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية.

وأضاف إن أميركا تسند إلى إسرائيل مهمة تفتيت المنطقة العربية إلى دويلات كما هو مخطط له تحت ذريعة حمايتها وتوفير الأمن لها، وهذا يستدعي التعامل مع أميركا لا كوسيط نزيه بل كقوة تهدد العالم العربي .

ويشير ميشيل كيلو إلى أنه لم يكن هناك تدهور اقتصادي أميركي بل إن الازدهار الاقتصادي الكبير، والفراغ العالمي استدعى دورا أميركيا جديدا في العالم في ظل عدم وجود قوة عالمية مكافئة أو مناقضة تستطيع أن تلعب دورا معاكسا.

حيث ليس لدى أوروبا قرار سياسي واحد أو جيش واحد، أو انتشار عالمي واحد، ولا إيديولوجيا عالمية تنشر ثقافة يومية سائدة في العالم مثلما تفعل الثقافة الأميركية.

ومنذ السبعينيات اشتغلت الولايات المتحدة على وجود اقتصادين، داخلي، وخارجي، وقد تم استهداف المنطقة العربية في سياق الاقتصاد الخارجي. لأن الإمساك بهذه المنطقة حسب الأجندة الأميركية سيسهل الإمساك بالعالم وتوازناته.

ويتوقف الدكتور منذر خدام عند دور النفط في الصراع الذي تقوده أميركا قائلا ما معناه إن أميركا ترى أهمية النفط في لعبة التوازن التي سوف تتحكم بمجريات الأمور في هذا القرن، لذلك قامت بالاستيلاء على حوض قزوين عبر طواقم عسكرية لأنظمة موالية وبالتالي أبعدت روسيا عن التأثير على هذا الحقل .

وبترول الشرق الأوسط هو الأهم في نظر أميركا، وقد استطاعت السيطرة عليه بعد أن طردت النفوذ الروسي والفرنسي من العراق، ولم يبق سوى نفط إيران الذي تفكر باستيعابه عبر آلية من الآليات . وبالتالي فإن هذا الصراع للسيطرة على الطاقة وتوظيفه في معادلات التوازن القادمة التي تمارسها الدول القومية على عكس منطق الاقتصاد، هو سبب من الأسباب العديدة التي ستؤدي إلى العنف السياسي.

الدكتور سمير التقي رأى أن القضية بالنسبة إلى أميركا هي موضوع سيطرة إستراتيجية عسكرية، وهيمنة جغرافية سياسية، أكثر مما هي مجرد قضية نفط فحسب. أما حسين العودات فقد ركّز على الداخل الأميركي، الذي يشكل عاملا مهما في السياسة الخارجية، وهذا الداخل ليس مستقرا.

وفيه تناقضات عديدة سيكون لها دور في السياسات المقبلة وفي العلاقات الاقتصادية والتطور العالمي بكامله، وينبغي ـ على حد تعبيره ـ أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار. وتساءل نزار سلوم عن الأسباب التي تجعل أميركا تخفق في فرض سياساتها على دول معينة مثل كوريا وإيران بينما تطبق تلك السياسات على منطقتنا العربية؟.

واختتم الباحث علي الكردي بالقول إن الاتحاد الأوروبي و الصين وغيرهما يرسمون خططا في مواجهة الإستراتيجية الأميركية، وإن تداخل المصالح الكبرى بين الشركات المتعددة الجنسيات سيلعب دوره في عملية التخفيف من الهيمنة الأميركية على العالم.

*الكتاب:العرب وأميركا

*تقديم وتحرير: سلامة كيلة

*الناشر:مركز الغد العربي للدراسات ـ دمشق 2006

*الصفحات: 86 صفحة من القطع الوسط