هذا الكتاب من تأليف الكاتبة السورية الدكتورة أمل مخائيل بشور، أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية في طرابلس بلبنان، وسبق أن أصدرت كتاب «تاريخ سوريا المعاصر».

وتقدم فيه دراسة للأوضاع في سوريا ولبنان خلال عصر التنظيمات الذي استمر أربعة عقود من الزمن وانتهى بإعلان أول دستور عثماني عام 1879، وتميّز بحدوث تحولات جذرية في أسس الحكم العثماني من خلال الأنظمة التي استقاها العثمانيون من قوانين وأنظمة الدول الأوروبية، فتغيرت وجه الحكم الإقليمي ومؤسساته ومفاهيم المجتمع التقليدية ومبادئه العامة.

وتعزو المؤلفة اختيارها لهذه الحقبة موضوعاً لدراستها إلى كونها تسلط الضوء على فكرة أن كل إصلاح يجب أن ينثبق من الأساس، من القوى الاجتماعية الداخلية.

وإن ما يطرح من الخارج ويفرض من فوق سيواجه الفشل حتماً، كما لأن تلك الحقبة تكشف عن أن التناقضات القائمة في مجتمعات بلاد الشام تَشكّل في أساسها النتائج البعيدة المدى لعملية الإصلاح العثماني.

وترى أنه منذ أربعينات القرن التاسع عشر تابع العثمانيون العملية الإصلاحية التي بدأها قبلهم محمد علي باشا، من خلال تهديم النظام القديم والسعي إلى إقامة حكم إقليمي مباشر، لكن جهودهم اصطدمت بالنفوذ الأوروبي الذي طال بلاد الشام عام 1840، فاضطر العثمانيون إلى إعطاء جبل لبنان نظاماً خاصاً (القائمقامية)، وأدخلوا إلى سوريا جملة من التنظيمات الإدارية.

وأفرزت عملية الإصلاح أزمات حادة عنيفة في جبل لبنان والشام عام 1860، حيث أفضت الأحداث الدموية إلى تغييرات أكثر جذرية نجم عنها منح جبل لبنان نظاماً لامركزياً مرتبطاً بتأثير القوى الأوروبية، فيما ربطت سوريا بنظام مركزي زوّد حكومتها بمؤسسات عصرية تعمل بموجب الأوامر الصادرة عن الباب العالي في اسطنبول.

وأمنت الجاليات الأوروبية وضعها في الدولة العثمانية عن طريق اتفاقيات دولية عرفت «بالامتيازات» capitulation ، وهي قوانين تخص القضايا ذات الطابع التجاري والجنائي القائمة بين الأجانب، وانبثق منها تشريع خاص «capitulaire».

وهو الأحكام القانونية المطبقة في المحاكم القنصلية، والخاصة بتنظيم تجارة الأجانب، والمستمدة من تشريع خارج عن تشريع الدولة ومرتبط بقانون الوطن الأم الذي تنتمي إليه القنصلية، وأصبح قناصل الدول قضاة يطبقون هذه القوانين.

وفي عام 1535، كانت فرنسا أول دولة نالت أول امتياز في الإمبراطورية العثمانية، وكان المنطلق الأول لنفوذها في الشرق. وأصبح نموذجاً لكافة الامتيازات التي منحت لبقية الدول فيما بعد. ولم تكن تلك الامتيازات التي منحها سليمان الأول لفرنسوا الأول اتفاقية خطية بين عاهلين.

بل هي عبارة عن بلاغ موجه من السلطان يوضح فيه أسس العلاقات التجارية ومبادئ حكم الأجانب على أرض السلطنة العثمانية. وقد تم وضعها بموجب عاملين، الأول هو السلاطين العثمانيون.

وهم في أوج قوتهم لم يعرفوا بأية سلالة مسيحية حاكمة مساوية لهم، وجاءت هذه التنازلات «كمنح خاصة»، أما الثاني فهو أن الشريعة الإسلامية سمحت للجماعات التي تضم «أهل الكتاب» أن يحكموا أنفسهم وفقاً لتقاليد ملتهم وأحكامها، وعليه سمح للأجانب بتنظيم أمورهم حسب قوانينهم الخاصة.

وفي إطار التنظيمات العثمانية، تمتع جبل لبنان بموجب بروتوكول 9 يونيو لعام 1861، بنظام له امتيازات خاصة ضمن إطار الدولة العثمانية، واستمد هذا النظام قوته وحيويته من الائتلاف التاريخي بين طوائفه المختلفة.

فهل كانت هذه الامتيازات تعني فردية الحكم في لبنان ضمن مؤسسات الدولة العثمانية، كما تقول الدكتورة أمل بشور، أم كانت نتاج تجاوب مع حركة التنظيمات بمبادئها العصرية، أم كانت الشاهد على مدى النفوذ الأوروبي الذي جعل الدولة تستجيب وتمنح الأقليات من رعاياها حماية أجنبية فعالة؟

وهل كانت تفسيراً للخطوات التي اتخذت لإقامة حكم ذاتي في المناطق التي تحتوي بأكثريتها عناصر مسيحية والتي ظهر نظامها كعمل دولي مرتبط برباط خاص مع الدولة، أم أن نظام جبل لبنان هو استمرار وتقليد للحكم الذاتي اللبناني الذي طبع في الأزمة السابقة علاقات العثمانيين مع أمرائه المعنيين والشهابيين بطابع خاص ومميز؟

وفي الثامن عشر من يوليو 1861 تُلي الخط الهيمايوني القاضي بإنشاء نظام متصرفية جبل لبنان، ويعتبر داوود باشا المؤسس الحقيقي لهذا النظام، ورغم أن الظروف أعاقته عن تحقيق الأهداف التي رسمها لتطوير المتصرفية، إلا أنه استطاع أن يرسي في هذه المقاطعة قواعد حكم صالح وعادل، ومهد الطريق لمن خلفه لتكملة عمله الإداري.

وما يعاب على حكمه هو أنه على الرغم من مواهبه الإدارية وصفاته الشخصية، لم يستطع - ولم يعرف - أن يكوّن جذوراً في بلاد حكمها سبع سنوات، وكانت مشاريعه الإصلاحية أضعف من وسائل عمله، إذ لم يتمكن من مجابهة التعقيدات على الساحة الداخلية بشكل فعال.

وتأخذ المؤلفة على التنظيمات التي أحدثت في المقاطعات أنها كانت ذات تأثير هامشي، حيث بقيت المشاكل التي كانت قائمة في النظام السابق والسبب الأساسي لعدم فعاليتها ولاستمرار الفساد في إدارة الأقاليم كامن في الطريقة التي كان الحكام يعينون بموجبها ويعزلون.

فقد كان تعيين الوالي يتم غالبا عن طريق النفوذ الشخصي والدسائس عوضاً عن الكفاءات، كما كان وسيلة لإبعاد رجل يتمتع بنفوذ سياسي في العاصمة إلى مركز مشرف في المنفى، وكان الوالي يرسل إلى إقليم يجهل غالباً كل ما يتعلق بأحواله العامة وبعادات سكانه.

وكان عليه تأمين نفقاته ونفقات حاشيته، واضطر في أغلب الأحيان إلى منح جماعته وظائف رسمية بينما كان هؤلاء في الواقع خدماً في بيت الوالي، وبما أن هذه الوظائف كانت دون أجور فقد وقعت نفقاتها على عاتق الشعب. إلا أن أكبر المساوئ التي عانى منها الحكم في الولاية كانت في عملية عزل أو نقل الولاة، وقد استمرت هذه حتى نهاية الإمبراطورية.

وفي سوريا، عرف عصر الإصلاح العثماني ثلاثة أطوار متباينة في مجراها، امتد الطور الأول من عام 1808 حتى عام 1832، وامتاز باتخاذ الدولة إجراءات حاسمة لإخضاع القوى المحلية المستقلة وتدعيم مركزية الحكم. غير أن هذه التدابير التي لاقت نجاحاً في أكثرية مقاطعات الدولة قد أحبطت تماماً في سوريا، بسبب طبيعة وتركيب قواعد الحكم فيها.

حيث قام على نظام نصف إقطاعي متمثل في جهاز غير متجانس من المؤسسات، لكل مؤسسة كيانها الخاص ومصالحها الخاصة وقواتها الخاصة، وأفضى هذا النظام إلى ضعف سيطرة الحكومة المركزية المتمثلة بفئة من الولاة كانوا يعينون بأسلوب فاسد ولفترة قصيرة، ما جعلهم عاجزين عن حفظ الاستقرار وتأمين السلامة العامة.

وقد نتج عن ضعف الولاة ظهور قوى محلية سيطرت على السلطة، وعارضت كل تجدد وإصلاح، واستمر الحكم العثماني في سوريا بالتراجع حتى بلغت السلطة المركزية أوج ضعفها عام 1831. أما الطور الثاني، فقد امتد من عام 1832 إلى عام 1840، واختلف في مجراه عما ساد في باقي أقاليم الإمبراطورية العثمانية.

واستمر الطور الثالث للإصلاح من عام 1940 حتى عام 1865، وهو الطور الأهم، كونه تميز بمحاولة إدخال التغيرات الجذرية إلى سوريا، ونجم عنه تطوراً ملحوظاً في حياة المدن السورية، لكن هذه التغيرات لم ترم إلى تدعيم قوة الدولة العثمانية عن طريق التدخل المباشر للحكومة المركزية فحسب، بل وصلت إلى قلب المجتمع التقليدي لتفرض عليه مبادئ غريبة عنه.

وتلخّص المؤلفة الصعوبات الأساسية التي أعاقت تطبيق قانون 1863 في عدم التجانس السكاني في ولايات الإمبراطورية العثمانية، الأمر الذي جعل من العسير عملياً وضع هذه الولايات في ترتيب خاضع للقوة خطط له مدحت وفؤاد، فقبرص مثلاً كانت في السابق محكومة من قبل متصرف مستقل إرادياً أضيفت عام 1867 إلى ولاية الدردنيل مع عاصمة بعيدة عنها ما جعل كل حكم سليم مستحيلاً.

وحتى من الناحية النظرية فإن القانون حوى عيوباً مهمة، فبمزجه بين المركزية واللامركزية سقط بين المبدأين. وحاول العثمانيون القيام بخطوات جدية لإرساء دعائم الإدارة في سوريا على أسس عصرية هدفت إلى تحديث الأجهزة الأساسية للحكومة الإقليمية باتجاه إصلاح شامل لوسائل الحكم:

من تنظيم جهاز الإدارة إلى تحديد صلاحيات الموظفين إلى تنظيم المجالس المحلية، والغاية كانت تحقيق المشاركة الشعبية في تحمل مسؤولية الحكم، وتطوير الأنظمة المالية والجهاز الأمني والخدمات العامة والقضاء والتعليم ودمج العناصر المتنوعة في إطار دولة واحدة.

ثم تركز اهتمام الدولة العثمانية في نطاق تحديث ولاية سوريا على تقوية مركزية الحكم وربط خيوط السلطة مباشرة باسطنبول. لكن محاولات تحديث سوريا، بالرغم من أهميتها، لم تقدم سوى النزر اليسير في عملية إصلاح البلاد، كونها فشلت في التوفيق بين الأنظمة وبين خصائص المجتمع السوري، الأمر الذي فتح المجال أمام بروز تيارات جديدة بدلت جذرياً مجرى تاريخ سوريا الحديث .

خلاصة القول هي أن نظام المتصرفية اللامركزي خلق هوية لبنانية محددة دستورياً وجغرافياً، في حين أن نظام الولاية المركزي في سوريا خلق تباعداً بين السوريين والحكم العثماني، وأفضى إلى بزوغ مفهوم القومية العربية وتطورها في مرحلة لاحقة. ثم غرقت بلاد الشام في المرحلة الاستعمارية التي أنهت الحكم العثماني وفق ما عرف بالمسألة الشرقية.

عمر كوش

*الكتاب: سوريا ولبنان في عصر الاصلاح العثمانية

*الناشر: المؤسسة الحديثة للكتاب طرابلس، لبنان 2006

*الصفحات: 536 صفحة من القطع الكبير