حاز الأديب الروسي ألكسندر سوليجنتسن في عام 1970 على جائزة نوبل للآداب، إلا أنه لم يستطع مغادرة بلده إلى ستوكهولم لاستلام الجائزة شخصيا إلا بعد مضي أربع سنوات وذلك لخوفه من عدم السماح له بالعودة اذا غادر وطنه الحبيب. وقد توجه إلى السويد بعدما تم ترحيله من الاتحاد السوفييتي وتجريده من جنسيته في ذات العام.
درس ألكسندر سوليجنتسن الذي ولد في 11 سبتمبر عام 1918 الرياضيات في جامعة روستوف وفي ذات الوقت كان يأخذ دورات بالمراسلة في إطار الفلسفة والأدب والتاريخ.وخلال الحرب العالمية الثانية خدم كضابط في الجيش السوفييتي وفي صفوف الجبهة الأمامية. وتم توقيفه عن الخدمة عام 1945 حينما كان في شرق بروسيا بسبب انتقاده لجوزيف ستالين في مراسلاته الخاصة مع صديق له، وحكم عليه بقضاء ثماني سنوات في معسكرات العمل في سيبريا ليتم بعد ذلك نفيه الداخلي.خدم في عدد من معسكرات العمل الشاقة في المرحلة الأولى، أما في المرحلة الوسطى كما يسميها فقد خدم في مركز للأبحاث العلمية التي شكلت موضوع روايته «الدائرة الأولى» التي نشرت في الغرب عام 1968.
أرسل بعد ذلك إلى معسكر السجناء السياسيين حيث مارس العديد من الحرف اليدوية كالبناء بالطابوق وفي المناجم. وتناول هذه المرحلة في روايته «يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش».
وابتداء من عام 1953 بدأ بتنفيذ حكم النفي الداخلي في جنوب كازاخستان، وخلال تلك الفترة بدأ يعاني من انتشار مرض السرطان الذي تركه مع نهاية ذات العام على حافة الموت.
وفي العام التالي سمح له بتلقي العلاج في مشفى في طشقند حيث تماثل للشفاء. وكانت تجربته مع المرض نواة لروايته «مهجع السرطان».وحينما بلغ 42 عاما من العمر، ومع مرحلة الإصلاح خلال عهد خروتشوف استطاع نشر روايته «يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش» وكان ذلك عام 1962، لتبقى العمل الوحيد الذي نشر له في بلده حتى عام 1990.
وخلال حقبة السجن والنفي تخلى عن الماركسية واتجه نحو الفلسفة والدين بفكر ناضج، ويصف هذا التحول في الجزء الرابع من روايته (الروح والسلك الشائك). وطبع هذا العمل في ثلاثة مجلدات ويضم شهادة 227 محكوما ويناقش منشأ منظومة لينين وتأسيس النظام الشيوعي مع كافة التفاصيل الخاصة بإجراءات التحقيق ونقل المحكوم إلى المعسكر الثقافي وثورة السجناء وممارسات النفي الداخلي.
وبعد نشر هذا العمل في الغرب وانتشاره الواسع، تم ترحيله من قبل الحكومة في 13 فبراير 1974 إلى ألمانيا الغربية ومنها إلى سويسرا وأخيرا إلى الولايات المتحدة، حيث انتقد فيها المجتمع الأميركي ونظامه وعاش في عزلة داخلية مدة ثمانية عشر عاما كتب خلالها كامل تاريخ الثورة الروسية ابتداء من عام 1917. وعاد أخيرا من منفاه إلى وطنه عام 1994.
تناول ألكسندر سوليجنتسن في روايته «يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش» محورين أساسيين في الحياة. فعلى الصعيد الإنساني بين أن واجب الإنسان ألا يستسلم أو يتخلى عن صراعاته لأجل البقاء على قيد الحياة.
فهو يرى أنه من الخطأ أن يركز الفرد طاقته على ما يجب عليه عمله للبقاء حياته، والصحيح أن يؤسس رؤيته الخاصة لسلوكياته في الحياة التي تملي عليه ما الذي عليه ألا يقوم به للحفاظ على وجوده.
ويبين بأن الوجود بلا كرامة للإنسان لا معنى له، ففقدان الكرامة يفقده الإرادة وبالتالي القدرة على الحياة. التنازلات ضرورية لكن هناك فرقا شاسعا في مفهوم أو معنى التنازلات، ويتجلى ذلك للقارئ من خلال الشخصيات التي يقدمها الكاتب، مثل الفارق بين شخصية بطل الرواية إيفان وشخصية رئيس فرقته فيتيكوف الذي لديه استعداد لعمل أي شيء في سبيل الحصول على نصيب إضافي من الطعام.
وعلى النقيض فإن إيفان يصارع ويعاند ويهاجم ويناور للحصول على ذات الهدف إنما لا يزحف أو يتوسل أو يهدر كرامته لأجل ذلك. وإيفان جمع جميع المزايا الضرورية للحفاظ على إنسانيته، فهو يعمل لنفسه وللآخرين وليس للسلطة. ولا يعتمد على دعم خارجي لتحسين ظروفه ولكن على مهاراته الشخصية.
كما تقبل الرضوخ للأوامر المنطقية وتجاوز التعسفي منها. وهو يؤمن بالقدرية ولكن بالصورة التي تساعده على تحمل واقع حياته من دون أن تجهد طاقته وفكره فيما هو خارج إطار يومه، وإلى جانب ذلك كان يتعاطف مع الضعفاء من زملائه ولا يتردد في مساعدتهم والرفع من معنوياتهم.
أما على الصعيد الأدبي والاجتماعي فقد سعى ألكسندر سوليجنتسن إلى تصوير المجتمع الروسي الستاليني عبر الواقع الحياتي للمعسكر السيبيري من خلال السجناء الذين يغطون كافة شرائح هذا المجتمع ومن مختلف المهن كالفنانين والمفكرين والمجرمين والفلاحين والمسؤولين في الحكومة ومن مختلف مناطق الاتحاد السوفييتي.
كما وصف بدقة الحياة اليومية للسجناء في المعسكر وصراعهم اليومي لأجل البقاء والممارسات التعسفية للنظام، ونوعية الطعام الممنوح لهم والخلافات بين الأفراد لأجل حصة إضافية، وساعات العمل غير المحدودة التي تعتمد على إنجاز المهام اليومية المكلفين بها للتمكن من الحصول على نصيبهم من الطعام بغض النظر عن اتقان العمل، أي اعتماد الكم على حساب النوعية.
وقد جعل من شخصية السجين ك 123 مصدرا لصوت أفكاره وقناعاته حول حرية الفنان في تكوين أفكاره الخاصة وكان بذلك يتصدى لهيمنة وسلطة اتحاد الكتاب السوفييتي الذي كان يلزم الفنانين بتبني النظام الستاليني.كما بين أيضا أسباب اعتقال السجناء الآخرين، فعدد كبير منهم نال حكمه بسبب انتمائه إلى إحدى الأسر الإقطاعية.
وقد برع ألكسندر سوليجنتسن في وصفه وتناوله لماضي وحياة تلك الشخصيات سيما وأنه التزم الحياد في سرده وذلك لكون واقع السجناء بات الإيقاع المألوف لحياتهم.

