يعمل برنار لاهير، مؤلف هذا الكتاب، أستاذا لعلم الاجتماع ـ السوسيولوجيا ـ في مدرسة المعلمين العليا ـ المدرسة التي كان جان بول سارتر وريمون آرون من طلابها ـ وهو مدير لمجموعة أبحاث حول أنماط الحياة الاجتماعية في إطار المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. له عدة مؤلفات من بينها: «الإنسان بصيغة الجمع»، و«ثقافة الأفراد»، و«عملية جرد لواقع الأمّية»، و«الذهنية السوسيولوجية».
إذا كان من المعروف والمسلّم به أن العاملين في الكتابة «الأدبية أو الفكرية وما لف لفّهما» في العالم العربي وفي العالم الثالث عامة لا يستطيعون تأمين سبل العيش من «قلمهم»، فماذا عن الكتّاب في بلد متقدم مثل فرنسا؟هذا هو السؤال الذي يحاول مؤلف هذا الكتاب الإجابة عليه ورسم لوحة عيانية ل«الوضع الأدبي» في بلاده. أما النتائج التي توصل إليها عبر عملية استقصاء قام بها لدى 500 كاتب من «المشاهير» ومن «الأقل شهرة»، إنما الذين لهم جميعا عدد من الأعمال الموجودة على رفوف المكتبات، فإنها ـ أي النتيجة ـ مثيرة للدهشة، على الأقل.
ما يتم التأكيد عليه في هذا الكتاب وعبر عملية استقصاء جدّية ودؤوبة هو أن الكتّاب الذي يشكّلون «العنصر الرئيس في عالم الأدب، هم بنفس الوقت الحلقة الأكثر ضعفا في سلسلة العاملين في مهنة الكتاب من ناشرين وطابعين وموزعين وباعة.
ثم إن الكتّاب، وعلى عكس المهن الأخرى مثل العمال العاديين والأطباء والباحثين ومديري الشركات الذين يمضون أوقات عملهم في إطار نشاطهم المهني الذي يشكّل مصدر دخلهم الأساسي، فإن الغالبية العظمى من الكتّاب «المبدعين» يمارسون مهنة أخرى إلى جانب نشاطهم الأدبي، أي ما يسميه المؤلف ب«الحياة المزدوجة».
وهكذا يناوبون باستمرار بين «زمن الكتابة» و«زمن النشاطات غير الأدبية وإنما المدفوعة الأجر». ولهذا السبب بالتحديد يفضّل مؤلف هذا الكتاب الحديث عن «اللعبة» الأدبية وليس عن «العالم الأدبي» أو «المعسكر الأدبي».
كما فعل عالم الاجتماع الشهير بيير بورديو. ذلك أن مفهوم «اللعبة» هو أقرب إلى واقع غياب المؤسسات إلى حد كبير فيما يخص النشاط الأدبي.
هنا يفتح المؤلف قوسين ليشير إلى أن «الحياة المزدوجة» ليست أمرا جديدا للكتّاب، إذ من المعروف أن «فرانز كافكا» قد عمل في «معهد للتأمين ضد حوادث العمل»، ومارس بلزاك عدة أعمال في مؤسسات وكان موباسان موظفا صغيرا في عدة وزارات وعمل «روبرت دينوس» مساعد محاسب ثم سكرتير تحرير فصحفي في جريدة «فرانس سوار»، وقائمة الأمثلة يمكن أن تطول.
إن المؤلف ومن خلال الإجابات التي تلقاها من الكتّاب الذين ألقى قائمة أسئلة الموحّدة عليهم يخرج بنتيجة مفادها أن «الكاتب الحديث غير موجود» أو ربما من الدقة أكثر القول: «إذا تواجد فعليه أن يكون إنسانا آخر».
تقول: «الوضع الأدبي جيد بالنسبة لي اليوم. لكن غدا قد يغيّر الجمهور رأيه». مثل هذا «التعقل» والحرص على متابعة مزاولة المهنة «المأجورة» يقوم على واقع هشاشة «مهنة» الأدب.
أما الروائي «أندريه بوشيه» حافظ على إرث العائلة باستمراره في مزاولة مهنة «المزارع» و«الحطاب» مع أن روايته الأولى «البلاد التي تأتي من بعيد» قد باعت أكثر من عشرة آلاف نسخة.
وعرفت رواياته الست الأخرى نجاحا كبيرا، لكن هذا القارئ النهم لروايات «جيم هاريسون» أحد أعمدة الرواية الأميركية اليوم، لا يتردد في القول: «إن المهن جميعها تسبب ضيقي، وبما في ذلك مهنة الكاتب».
والروائي «إيف بيشيه» الذي تنشر له أعماله دارا نشر «فايار» و«غاليمار»، أي بين الأكبر في فرنسا، يعمل «معماريا مستقلا».
إنه يبني بيوتا جديدة من الحجر، بحيث أنه أصبح مشهورا في منطقته ولديه «العديد من الزبائن».
لكنه لا يتردد في القول بأنه لو كان يملك الخيار لاختار التفرّغ للكتابة. مثل هذا الخيار توصل إليه «شارل جولييه» الذي قدّم حوالي ثلاثين عملا على الأقل بين الرواية والشعر والمسرح والدراسة.
ولقد استطاع أن يكرّس نفسه للكتابة بفضل «الدعم الاقتصادي والمعنوي الكبير لزوجته التي تعمل في ميدان الطب الوظيفي». يقول: «الكتابة هي أن يلاقي المرء في داخله مصدر الانفعالات».
هكذا استطاع «شارل جولييه» إذن أن يكرّس جلّ وقته للمهنة التي تشكل «علّة حياته». لكنه ليس الوحيد، فالكاتبة «نيكول أفريل» صاحبة رواية «النقمة» التي بيع منها ما يزيد عن مليون نسخة لا تمارس أي نشاط آخر غير «الإبداع».
لكنها في الواقع استطاعت أن تقوم يمثل هذا الخيار على قاعدة «ضمان الأمن المادي الذي يوفره زوجها الصحفي المعروف جان بيير الكبّاش» الذي تولّى عدة مناصب هامة في حقل الإعلام بفرنسا.
لكن الروائية «نيكول أفريل» تؤكد بنفس الوقت أنها تمارس مهنة الكتابة كأي «عامل عادي» إذ تعمل «خمسة أيام في الأسبوع بواقع خمس ساعات يوميا من التاسعة وحتى حوالي الخامسة عشرة».وماذا تقول الإحصائيات؟يقول مؤلف هذا الكتاب أن 8,65 بالمئة من الكتّاب الفرنسيين يمارسون مهنة أخرى من أجل تأمين مصدر دخل كافٍ.
وأولئك من الكتّاب الذين قبلوا أن يجيبوه على أسئلته تبيّن أرقام عام 2003 أن 44 بالمئة منهم لم يكسبوا أي مبلغ و3,9 بالمئة كسبوا أقل من 200 يورو و6,6 بالمئة أقل من 5000 يورو و3 ,9 بالمائة تجاوز دخلهم ال000 10 يورو.
هذه المبالغ هي أقل بكثير مما كسبه كاتب مثل فريديريك بيغبيدر الذي أعلن عام 2001 أن دخله تراوح بين 3 ملايين إلى 4 ملايين. أما الذين يمارسون مهنة أخرى من الكتّاب هناك حوالي الثلث يعملون في حقل التدريس و7 بالمئة صحفيون و1 بالمئة بين مترجم وقارئ ـ مصحح والباقي يعملون في مهن أخرى.
وما يؤكّد عليه المؤلف في هذا السياق هو وجود فارق خيالي بين مداخيل «حفنة من النجوم» الذين يستطيعون القول بكل ثبات أنهم يعيشون من «قلمهم» والذين لا يصل عددهم إلى الثلاثمئة في فرنسا كلها وبين الآخرين، أي ما يقل قليلا عن ال000 20 كاتب، حسب التقديرات المقدّمة الذين يتقاضون حقوق مؤلف متواضعة وغير منتظمة.
وهذا ما عبّر عنه أحدهم وفضّل عدم الإفصاح عن اسمه، كما يشير المؤلف ـ بالقول: «إن الوضع الذي يعيشه المؤلفون مثير للسخرية؛ إن نشاطاتهم لا تزال تخلق فرص عمل جديدة ـ لناشرين ونقاّد وباعة وأصحاب مكتبات خاصة وموظفي مكتبات عامة؛ ومع ذلك لا يزالون عرضة للاستغلال من قبل أولئك المدينين لهم بفرص عملهم».
لكن رغم هذا كله، وأبعد من هذا كله، وفوق هذا كله، فإن 73 بالمئة من المؤلفين والكتاب يرون عملهم «إبداعا» بينما لا يجد به سوى 10 بالمئة منهم حرفة.
ويشير المؤلف أيضا إلى أن نسبة 47 بالمئة من بين الذين وجّه لهم سؤاله أجابوا ب«نعم» على «هل تعتبر نفسك كاتبا»؟ وذلك في حالة امتلاكهم لغرفة مكرّسة للكتابة بينما لم تبلغ هذه النسبة سوى 29 بالمئة للذين لا يمتلكون مثل تلك الغرفة.
ومن جهة أخرى لا تنظر سوى نسبة 56 بالمئة من المحيطين بالكاتب، الأهل والمقربين، على أنه «كاتب» فعلا إذا كان يكسب أقل من 200 يورو سنويا بينما تصل هذه النسبة إلى 76 بالمئة عندما يزيد دخله عن 3000 يورو.
فهل هذا يعني أن الكتاب تعساء؟
كلاّ، ثم كلاّ إذ أن غالبيتهم العظمى تُبدي تعلقها الشديد بالكتابة. وإنه مهما كانت الظروف المادية صعبة، فإن الكتابة تبقى «أمرا حيويا» بالنسبة لهم. «إنها حياتي، وهواي، والأكسجين الذي أتنفسه» يقول «إيف بيشيه»، الكاتب ـ المعماري.
لكن هناك زمن ل«الكتابة» وزمن ل«الحياة»، كما ينقل المؤلف عن الروائي المغربي ـ باللغة الفرنسية ـ إدريس شرايبي الذي يقول: «إن المرء يكون كاتبا عندما يكتب أما بقية الوقت فإننا بشر كالآخرين».
ويضيف شرايبي أنه قد سمع ذات يوم أحد الكتاب يسأل زميله: «ماذا ستفعل هذه الليلة؟» فأجاب: «سوف أحتسي القهوة ثم سأبدأ في الكتابة، وأبيض صفحتين أو ثلاثة».وهذا ما يعلق عليه الكاتب المغربي بالقول: «أما أنا في المساء هو أن أنام».
*الكتاب: الحياة المزدوجة للكتّاب
*الناشر: لاديكوفيرت ـ باريس 2006
*الصفحات: 624 صفحة من القطع المتوسط
La condition littéraire, la double vie des écrivains
Bernard Lahire
La découverte - Paris 2006
p.62

