مؤرخة وأستاذة في جامعة السوربون السابعة، ميشيل بيرو هي أيضا أخصائية بالحركات العمّالية وبعالم السجون في القرن التاسع عشر. سبق لها وأشرفت بالاشتراك مع جورج دوبي الذي توفي قبل سنوات قليلة وأحد أكبر المؤرخين الفرنسيين في القرن العشرين، على إعداد العمل الضخم الذي يحمل عنوان: «تاريخ النساء في الغرب» المؤلّف من خمسة أجزاء. ولها أيضا العديد من الكتب من بينها: «النساء أو صمت التاريخ».
«تاريخي للنساء»، الكتاب الأخير للمؤلفة هو في الواقع تأريخ للعلاقات بين النساء والرجال في الغرب؛ وذلك من وجهة نظر نسائية كما تدلّ «ياء» المتكلم في العنوان «تاريخي». وتدرس المؤلفة هذه العلاقات في القرن العشرين خاصة.
وذلك من زاوية التبدلات التي حصلت على صعيد مظاهر علاقة الرجل بالمرأة في مختلف الميادين وأيضا من زاوية الدور الذي لعبته الإيديولوجيات والمعتقدات في حياة النساء، لاسيما من حيث الصعوبات أمام ولوجهن عالم العمل والقراءة والكتابة.
وفي الإجمال تحاول «ميشيل بيرو» تقديم إجاباتها على بعض الأسئلة الجوهرية مثل: لماذا لا يزال حضور المرأة متواضعا في عالم السياسة في الغرب؟
وهل كان هناك «ثورة جنسية» فعلا خلال النصف الثاني من القرن العشرين؟ وما هي ثمرات الحداثة على مكانة المرأة؟ وما هو وزن الحركات النسائية في هذا كله؟
يمكن القول منذ البداية أن مؤلفة هذا الكتاب تُبدي مسحة من «التفاؤل» فيما يخص أوضاع المرأة ومكانتها في المجتمعات الغربية الحديثة. وهي تقول من موقع المؤرخة أن القرن الماضي، وخاصة العقود الثلاثة الأخيرة قد شهدت تبدّلا جوهريا فيما يتعلّق بالتراتبية بين المرأة والرجل. المثال التي تعتبره أكثر بلاغة في هذا السياق تجده في حق المرأة باتخاذ «القرار» بشأن الحمل.
وتؤكد في نفس الإطار على أن «التقدم» الذي عرفته مكانة المرأة في المجتمعات الغربية يبدو أكثر بروزا عند مقارنته في أوضاعها بمناطق أخرى من العالم لاسيما في القارة الإفريقية «السوداء» حيث لا يزال مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» يعبث فسادا وحيث لا تزال مناطق كثيرة من القارة تمارس «ختان» الفتيات.
وأيضا بالمقارنة مع ما تتعرض له من جرائم «الشرف» في بعض بلدان العالم الثالث خاصة والتي تدفع أعدادا متزايدة من النساء إلى ممارسة الدعارة. ومن الواضح بجلاء أن مؤلفة هذا الكتاب تتحدث من موقع المؤرخ ـ المراقب دون أن تصدر أية أحكام أخلاقية.
وتلجأ مؤلفة هذا الكتاب كي تدعم آراءها إلى القيام بعملية «جرد» للمؤلفات والدراسات التي صدرت خلال الفترة الماضية وجعلت من أوضاع المرأة موضوعا لها. وهي تعتمد كثيرا على الإصدارات حديثة العهد التي تجمع كلها تقريبا على القول أن «أوضاع» المرأة «سوداء» جدا في أغلبية مناطق العالم.
وأن هناك الكثير من المظالم التي هي ضحية لها عبر مسيرة التاريخ الطويلة. وفي نظرة لهذا التاريخ الطويل تبرز المسافة التي قطعتها المرأة كي تجد مكانا لها في المجتمع و«تخرج من حالة الاستعباد إلى حالة الوعي».
وتعود المؤلفة أيضا في هذا الكتاب إلى العديد من المواضيع التي كانت قد طرحتها في سلسلة من البرامج الإذاعية التي قدمتها عبر إذاعة فرنسا الثقافية.
وكان موضوعها دائما هو المرأة والعلاقات بينها وبين الرجل. وهي تؤكد في تحليلاتها على القول إن صفحة جديدة هي بصدد أن تكتب بحيث أن الرجل كـ «ممثل للجنس الأول» يفقد أكثر فأكثر من موقعه ك«قيمة كونية» كي يغدو طرفا آخر، الطرف الثاني.
في معادلة العلاقة الاجتماعية بين الجنسين، أي بمعنى آخر أن المرأة تخرج من موقع «التابع» لتصبح «ذاتا» لها موقعها الذي لا يزال محدودا كون أن النموذج الاجتماعي السائد حتى في البلدان الغربية الأكثر تقدما يعيد إنتاج نمط يعطي الأولوية للرجل دون أن تكون النساء مع ذلك في وضع يبرر السيطرة «الذكورية».
وتؤكد المؤلفة أن النساء لا يشكلن «نوعا» متباينا عن «نوع» الرجال، وإنما كان التفريق بينهما تاريخيا هو وليد الثقافات المتعاقبة في مسيرة التاريخ البشري.
وتتم العودة في هذا السياق إلى مناقشة الأفكار التي طرحتها سيمون دو بوفوار في كتابها الذي حمل عنوان «الجنس الثاني» والذي أكّدت فيه أن المرأة «لا تولد» امرأة وإنما «تصبح» امرأة بالمعنى الثقافي والاجتماعي.
وهكذا كانت السيدة «دوبوفوار» في طليعة حركات الدفاع عن حقوق المرأة أثناء الأحداث المعروفة في فرنسا باسم «ثورة الطلبة» خلال شهر مايو 1968، وعندما رفعت النساء أثناء المظاهرات الشعار الشهير «جسدنا لنا».
ثم وكانت امرأة هي «سيمون فيل» هي التي أعدّت وأصدرت قانون «حق الإجهاض» من موقعها كوزيرة في إحدى الحكومات بعد أحداث 1968. تجدر الإشارة إلى أن «ميشيل بيرو»، المؤلفة، ترى في هذا القانون، أحد أهم المنجزات التي ساهمت في التدمير «الرمزي» لهيمنة الرجل.
ومن بين الأفكار الأساسية التي تتردد بأشكال مختلفة في تحليلات هذا الكتاب هناك تأكيد مؤلفته على التمايز الكبير بين التعريفات التي وضعتها الحضارات والثقافات المختلفة عبر التاريخ، وعلى قاعدة المعطيات الجغرافية، لمكانة المرأة والرجل في المجتمعات.
كما تؤكد على التمايز في إطار الثقافة نفسها، إذ أن التعريف الذي يتم تقديمه للتمايز بين الجنسين لا يمكن أن يكون اليوم كما كان قديما في فرنسا.
لكن في جميع الحالات كان هناك حدود تفصل بين المرأة والرجل على قاعدة مفاهيم تتعلق بالسلطة بالمعنى الواسع والعريض للكلمة الذي يشمل ما هو «عام» وما هو «خاص».
وعلى أساس مفهوم «الحدود» نفسه تطرح المؤلفة مسألة «الخاص» و«العام» أيضا، ولكن بعيدا عن اعتبار أن «الخاص» يعبّر عن النساء بينما أن «العام» هو شأن الرجال. وإنما بالأحرى تؤكد على ضرورة دراسة المكانة «العامّة» التي شغلتها المرأة خلال حقبة معيّنة وفي إطار جغرافي معيّن أيضا.
وما يتم التأكيد عليه أيضا في تحليلات هذا الكتاب هو حقيقة التغيير الذي شهدته حياة النساء في المجتمعات الغربية خلال القرن العشرين.
وهذا ما يبدو بوضوح عبر بداية حديثهن عن أنفسهن بضمير المتكلم «أنا» في الوقت الذي تُبدي فيه المؤلفة شكوكها حيال قدرة المرأة في الحديث سابقا عن هذه الـ «أنا» المستقلة إلا مشفوعة بتحديد هويتها بالتأكيد على «أنها امرأة» عبر علاقة اجتماعية تعطي امتيازاً للرجل. إنها «لم تكن تتجرأ على قول أنا» فهذا كان يشكّل «إنجازا كبيرا» يتطلب نضالات طويلة ومريرة.
وترى المؤلفة أن تقدم المرأة قد ترافق بقدر كبير من «الضجيج» والذي لم تكن حركات الدفاع عن حقوق المرأة بعيدة عنه. ولكنه «ضجيج» فقط بالنسبة لحالة «الصمت» الذي أحاط به «الرجل» كل ما يتعلق بالمرأة خلال عدة قرون من الزمن.
لكن ورغم ذلك «وخلف جدران الأديرة أو المنازل البورجوازية تألمت النساء وعملن من أجل تغيير أقدارهن»، هذا ما تؤكده مؤلفة الكتاب وتقتفي آثاره في «تاريخ النساء» الذي تكتب عنه منذ أن كانت المرأة في العصور القديمة مرغمة على الصمت والقبول بما يقرره الآخرون من الذكور «الأب أو الأخ أو الزوج» لها إلى أن أصبحت هي صاحبة القرار فيما يتعلق بمصيرها، وخاصة في مسألة الزواج الجوهرية.
وبالتوازي مع هذا حصل تبدل جوهري في ميدان «تقسيم العمل» من حيث القطاعات التي كان يحق للمرأة العمل بها وأيضا من حيث التراتبية في الأجور إذ أن التفاوت بين الجنسين يضيق أكثر فأكثر، دون أن يختفي ذلك بالكامل.
وتفتح المؤلفة قوسين هنا كي تؤكد بأن الرجل «لم يساعد» المرأة في معركتها من أجل المساواة في الحقوق بل كان في الكثير من الأحيان عامل إعاقة. وبالتالي ترى أن مسؤولية «تحرير» المرأة تقع بالأحرى على عاتقها، وذلك تطبيقا للمقولة الشائعة المعروفة بأن «الحريات تؤخذ ولا تعطى».
وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تعود بتحليلاتها إلى عشرين قرنا من التاريخ اليوناني-الروماني القديم حتى بدايات القرن الحادي والعشرين فإنها تحدد المجال الجغرافي لعملها ما بين شواطئ البحر الأبيض المتوسط حتى شواطئ بحار الشمال وتغوص في قراءة الوثائق وصولا إلى تلك المكتوبة على أوراق البردي وبالطبع إلى أدبيات الإغريق واللاتين. وفي جميع الحالات الهدف هو المساعدة على فهم مكانة المرأة في المجتمعات المعنية والتحولات التي عرفتها تلك المكانة.
وفي المحصلة النهائية تقدّم «ميشيل بيرو» صورة للنساء في الغرب، حسب قراءتها لتاريخهن، من موقعها كمؤرخة وكامرأة أيضا، بأنهن «ضحايا وقابلات» بنفس الوقت.
لكن هذا «القبول» ليس سوى ظاهريا في أحيان كثيرة وبدافع البحث عن شيء من «السعادة» الهادئة بعيدا عن التوترات التي يخلقها «الشجار». وتحذر المؤلفة من تلك الآراء «المتزمتة» في تأييدها للمرأة وتعتبر أنها دائما على حق وفي معسكر «الصواب».
وتشير في هذا السياق إلى أعمال بعض «المؤرخات» اللواتي اعتبرن مثلا أن النازية من فعل الرجال ولم تساهم بها النساء على الإطلاق، أي بتعبير آخر ترفض تلك الأطروحات التي تضع النساء «الخيّرات» مقابل الرجال «الأشرار».
لكنها بالمقابل توجه رسالة عبر تحليلاتها تعلن فيها تأييدها لنضال المرأة كي تكون فردا «له حق الانتخاب» سياسيا وأن تتمتع بحقوقها كـ «فرد فاعل» على صعيد الحقوق المدنية والاقتصادية، وإجمالا أن تمثّل نفسها ولا يمثلها أي شخص آخر.
*الكتاب: تاريخي للنساء
*الناشر:سويل ـ باريس 2006
*الصفحات : 245 صفحة من القطع المتوسط
Mes histoires des femmes
Michelle Perrot
Seuil- Paris 2006
p. 245
