مؤلف هذا الكتاب هو الناقد والأكاديمي المغربي شرف الدين ماجدولين الحاصل على الدكتوراه في الآداب من جامعة محمد الخامس بالرباط. شارك في إعداد وتنسيق ملتقيات دراسية، وندوات أكاديمية عديدة، عن قضايا السرديات التراثية، والأدب الأندلسي، والبلاغة، وجماليات الصورة وسواها حيث أنجز الكثير من الدراسات والبحوث في هذه المجالات، ونشر بعضها في المجلات والدوريات العربية المتخصصة مثل: «الكرمل»، «آداب»، «نزوى»... وغيرها. صدر له كتاب «بيان شهرزاد: التشكلات النوعية لصور الليالي»، وله قيد الطبع «ترويض الحكاية: بصدد قراءة التراث السردي»، فضلا عن دراسات أخرى قيد الإعداد.
في كتابه الجديد «الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما ـ قراءة في التجليات النصية» الصادر عن دار رؤية (القاهرة ـ 2006) يخوض الباحث في مسألة الصورة السردية في هذه الفنون الثلاثة المذكورة في العنوان، وهو يستخدم في بحثه لغة علمية بليغة، عالية المستوى، ويصوغ جمله في شكل محكم ورصين، فرغم صغر حجم الكتاب ( 154 صفحة) لكن البحث يستعصي على القارئ غير المتخصص، فهو يعج بالمصطلحات والمفاهيم النقدية، مع إحالات إلى نظريات نقدية غربية قد تشكل عائقا أمام القارئ في التواصل مع الكتاب، فضلا عن الهوامش الكثيرة التي قد تربك سلاسة القراءة.
رغم هذه الإشارة إلا أن الباحث يذهب إلى اختيار نماذج تطبيقية في الرواية والقصة القصيرة والسينما معروفة جدا. تضفي على الدراسة نوعا من الألفة، ففي مجال الرواية يختار المؤلف رواية «شموس الغجر» للروائي السوري حيدر حيدر، وكذلك رواية «إنانة والنهر» للباحث والروائي السوري، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، حليم بركات، ورواية «بريد بيروت» لحنان الشيخ، ورواية بعنوان «المصري» للروائي المغربي محمد أنقار، ويختار من الآداب العالمية رواية «هذيان:
أيام فرناندو بيسوا الأخيرة» للروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي. أما في مجال القصة القصيرة فيعود الباحث إلى محمد أنقار ليختار مجموعته القصصية «زمن عبد الحليم»، والمجموعة القصصية «صمت البحر» للقاص العراقي علي القاسمي، بينما يكتفي في السينما بفيلم «سارق الفرح» للمخرج المصري داوود عبد السيد.
يسعى الباحث عبر فصول هذا الكتاب الثلاثة إلى تبيان بعض صيغ تشكل الصورة السردية في هذه الفنون الثلاثة المذكورة، وذلك لتحقيق مجموعة أهداف تتمثل في «بيان أن الصورة السردية في الرواية، والقصة القصيرة، والسينما ليست دون غيرها من الصور التي تتشكل في سياق التقاليد الشعرية أو التشكيلية».
وفق هذه التصورات الطموحة ينجز الباحث كتابه، إذ يبدأ بمناقشة فن الرواية، فيقول عن رواية «شموس الغجر» إنها تمثل «نسيجا بليغا من الصور الروائية، المتجانسة أشد التجانس، في تمفصلها السياقي الموحي بحدة الانفصام الذي طبع جيلا بأكمله، ومرحلة برمتها..»، بينما يرى في رواية «إنانة والنهر» تشكيلا نثريا بالغ الإتقان لتجليات الأنا الأعلى المثالي للأنثى العربية. «إنها إنجاز سردي للصورة الأنموذج، والحلم المفقود لهذه الأنثى».
لافتا إلى أن راءة هذه الرواية تعيد إلى ذاكرتنا «شخصيات روائية فتنتنا بوهجها الفني، وبهائها الشفاف، مثل (ماتيلد) في رواية «الأبيض والأسود» لستاندال، و(نستاسيا فيليبوفنا) في رواية «الأبله» لديستويفسكي، و(بدرية المنشاوي) في رواية «عصر الحب» لنجيب محفوظ...وغيرها.
في مجال القصة القصيرة يلاحظ الباحث، لدى معالجته للمجموعة القصصية «زمن عبد الحليم»، أن «الطفل يشكل قطبا من أقطاب السرد في هذه المجموعة»، والقصد من وراء ذلك ، كما يعلل الباحث ـ هو «الوقوف على اشتغال الصور في نسيج النصوص القصصية المفردة..
وكشف سبل انتمائها إلى أفق تمثيلي واحد يجعل من كيان الطفل قاعدة للتصوير وأفقا للرؤية»، وإذ ينهي الباحث هذا الفصل بقراءة مجموعة «صمت البحر» للقاص العراقي علي القاسمي، فإنه يخصص المساحة الأوسع في كتابه للحديث عن فيلم «سارق الفرح» لداوود عبد السيد، ممهدا لذلك بمقدمة نظرية يقول فيها إن «الصورة السينمائية تتجلى كإمكانية تمثيلية موازية للإمكانيات المتاحة في الصيغ المتعددة لفنون التصوير اللغوي والبصري،
غير أنها تمتاز عنها بكونها تمتلك القدرة على التواصل بأكثر من لغة، فهي (أي الصورة السينمائية) تنهض بالأساس على استثمار مجمل الوسائط والإمكانيات التعبيرية، المرئي منها والذهني، المحسوس والمجرد، الواقعي والتخييلي».
ويضيف الباحث في السياق ذاته «ولما كانت الصورة السينمائية تنطوي على كل هذا الثراء التعبيري، فقد شكلت آلية فريدة لتحقيق المتعة الذهنية وفتنة الحواس وتمرير الرسائل الفكرية والأخلاقية، بالنحو الذي يكسب الصور السينمائية بعدا نورانيا، سواء بالمعنى الحسي، الذي تورق فيه الصفحات الحياتية (المشخصة) وارفة على الشاشة البيضاء، أو بالمغزى الجمالي الذي تروي فيه الصور الفيلمية ظمأ الكائن إلى (المحتمل) الإنساني وقد جللته الأخيلة ببهاء التناسب اللوني والضوئي والإيقاعي».
من ثنايا هذا التمهيد ينطلق الباحث ليقدم قراءة ممتعة في فيلم «سارق الفرح» الذي يشكل ـ حسب رأيه ـ «أحد أهم الأمثلة السينمائية، في المشهد السينمائي العربي، على الرهان الجدي من قبل المبدع على التكوين الجمالي للصورة السينمائية، وقدرتها على الإقناع والإشباع الذهني والبصري في آن».
ورغم هذا التقييم الإيجابي الذي يشاطره فيه الكثير من النقاد، فإن الفيلم لم يحظ بالانتشار الجماهيري الواسع، ذلك أن داوود عبد السيد يعد ـ وفق تصنيف الباحث ـ «من المخرجين القلائل الذين لا يمكن وسم إبداعاتهم بسمات واضحة، تجعل المتتبع يستشرف ما قد يأتون به من جديد»، شأنه في هذا الأمر شأن أغلب مخرجي جيله ممن أطلق عليهم وصف (جيل السينما الجديدة)،
من أمثال خيري بشارة، ومحمد خان، وسعيد عرفة، ويسري نصر الله، والراحل عاطف الطيب، وسواهم من الأسماء التي أثبتت كفاءتها في الساحة السينمائية العربية منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، «بما أدخلته إلى تكوين الصورة السينمائية من خصائص فنية جديدة، ورؤى جمالية ناضجة في تفاعلها مع محيط الفعل الإنساني ومناحي التجربة الاجتماعية». ففي فيلمه «سارق الفرح» يراهن عبد السيد قبل كل شيء على «تقديم صورة فنية متجانسة عن السعي الإنساني الحثيث لاختلاس لحظات من الفرح والحبور من جوف الأسى والفقدان،
إبراهيم حاج عبدي
*الكتاب:الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما
*الناشر:دار رؤية ـ القاهرة 2006
*الصفحات: 154 صفحة من القطع الصغير

