شكلت الحروب الصليبية دوراً بالغ الأهمية في تاريخ العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، فقد شغلت الحركة الصليبية ثلاثة قرون من الزمن، تطور فيها الكيان الصليبي في بلاد الشام في مقابل تطور وتغير أوضاع المسلمين فيها. عن طبيعة هذه المرحلة صدر حديثا كتاب (حلب والحروب الصليبية) إعداد جميل جمول إشراف الدكتور سهيل زكار من أعماله السابقة (الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية) و(إمارة حلب).

فقد كانت حلب واحدة من مدن بلاد الشام التي لعبت دوراً مهماً جداً في التصدي للصليبيين، وأسهمت إلى حد كبير في ثبات الأمة الإسلامية في وجه الغزاة ودحرهم. قدم الكاتب في بداية كتابه حقبة الحملة الأولى وموقف رضوان من الصليبيين، حيث كان موقفه في البدء سليباً نتيجة علاقاته السيئة مع ياغي سيان حاكم أنطاكية أولاً ولتصفية خصومه واستعادة حمص ودمشق ثانياً، لكنه ما لبث أن شعر بالخطر المحدق به وحاول وضع خطة لإنقاذ أنطاكية وشكل تحالفاً لتنفيذ خطته، إلا أن هذا التحالف أخفق.

ثم تعرض لموقفه المتخاذل من حملة كربوغا أمير الموصل ضد الحملة الصليبية الأولى ومحاولة استرداد أنطاكية، بعد ذلك تحدث عن حصار الصليبيين لحلب الذي أجبر رضوان ولأول مرة على دفع إتاوة لهم، ومن ثم انتقل للتحدث عن الأراتقة ـ الذين تسلموا الحكم في حلب بعد وفاة رضوان ـ مبتدئاَ بالأمير الأرتيقي إيلغازي والظروف التي أحاطت بوصوله إلى حلب والإجراءات التي اتخذها لتأمين سيطرته الكاملة ثم علاقاته بالصليبيين التي تميزت بكثرة المعارك التي خاضها ضدهم وأشهرها معركة ساحة الدم التي انتصر فيها إيلغازي نصراً حاسماً،

وجاء بعد ذلك إلى حلب حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي ولكنه لم يكن ذلك القائد الذي تنتظره حلب وأهلها، فقد وصل المد الصليبي إلى حلب، وفرضوا الحصار عليها . وقد استبسل الحلبيون في الدفاع عن بلدهم على الرغم من الظروف القاسية التي عانوا منها وأمام هذه الظروف أرسل أهل حلب وفداً من وجهاء المدينة إلى ماردين لاستدعاء الأمير حسام الدين تمرتاش لينقذ حلب مما هي فيه، ولكنه تقاعس ولم يتجاوب مع الوفد الذي اضطر إلى ترك ماردين سراً والتوجه صوب الموصل للاستنجاد بأميرها آق سنقر البرسقي الذي لبى الدعوة وتحرك على رأس قوات ضخمة.

وقد رحب به أهل حلب واستقبلوه وهاجم الصليبيين وأبعدهم عن حلب وقد بين أن مجيء البرسقي إلى حلب وتوحيد الموصل مع حلب كان نقطة تحول كبيرة في تلك الحقبة وشكل بداية جديدة من الصراع القائم في المنطقة بين القوى العربية الإسلامية والقوى الصليبية كما أوضحت أن الإخفاق الصليبي عند أسوار حلب كان بداية النهاية للوجود الصليبي في المنطقة مع ظهور عماد الدين زنكي.

وحدثنا الكاتب في فصل آخر عن انجازات عماد الدين الزنكي والتي تعد البداية الحقيقية للتفوق الإسلامي في الصراع مع الصليبيين، فقد ذكر المؤلف قدومه إلى حلب وقضاءه على الفوضى فيها، وكيف بدأ حكمه في منطقة بلاد الشام بتسلم زمان المبادرة، فقام بفتح حصن حارم، كما هاجم أنطاكية وأعمالها. ثم عاد زنكي ليحقق خطوة مهمة بنصره الكبير على الصليبيين في معركة بارين وفتح الحصن وكيف استنجد الصليبيون بالإمبراطورية البيزنطية، وبحث في ظروف قيام الحملة البيزنطية على بلاد الشام بقيادة الإمبراطور يوحنا كومنين، وزحفه صوب أنطاكية وتسلمه المدينة.

ثم عودة الإمبراطور في العام التالي لمهاجمة حلب وفرض الحصار البيزنطي الصليبي عليها ولكن هذا الحصار أصيب بالإخفاق أمام صمود حلب ومناعة أسوارها، ثم انتقل إلى أهم إنجازات عماد الدين زنكي خلال حكمه لحلب، ومنها فتح الرها، وقد مهد الكاتب لها بشرح أوضاع الصليبيين في بلاد الشام قبيل الفتح، كما شرح أوضاع إمارة الرها الداخلية، ومن ثم انتقل إلى عمليات الفتح وأحداثه، ثم بين سياسة زنكي في الرها بعد فتحها،

وكذلك أوضح نتائج فتح الرها بالنسبة للصليبيين والمسلمين في بلاد الشام ونتائج فتح الرها بالنسبة لزنكي نفسه، كم لم يغفل علاقة زنكي بباقي مدن بلاد الشام وسعيه إلى ضمها إلى حلب فضم حماة، وهاجم حمص، وحاول جاداً ضم دمشق، إلا أن محاولاته جميعاً أخفقت في ضمها، ثم ذكر مقتل زنكي مع ما شكله ذلك من خسارة كبيرة للأمة الإسلامية.

ينتقل المؤلف بعدها للحديث عن الحملة الصليبية الثانية، ويبدأ معها حكم نور الدين محمود بن زنكي في حلب، والذي تفرغ تماماً لتوجيه الأحداث في بلاد الشام والإشراف عليها، وقد كشف نور الدين منذ البداية عن حزمه، فقضى على تمرد سكان الرها بقوة، وسعى إلى إتمام مشروع أبيه زنكي بتوحيد بلاد الشام، وعاد نور الدين مجدداً ليحاول ضم دمشق، ولكنه أخفق، إلا أن نور الدين صمم على ضم دمشق بعد سقوط عسقلان بأيدي الصليبيين،

ونجح في ذلك وقد أوضحت نتائج دخول نور الدين إلى دمشق، وأهمية ذلك وبينت الخيبة التي مني بها الصليبيون بعد توحيد نور الدين بلاد الشام تحت سلطته.وذكر بعد ذلك الزلازل العنيفة التي أصابت بلاد الشام، وذكر أيضا مرض نور الدين، ثم عرج على ذكر الحملة البيزنطية الجديدة بقيادة الإمبراطور مانويل كومنين على بلاد الشام وعودته السريعة إلى بلاده.

ثم انتقل إلى ذكر وفاة بلدوين الثالث ملك القدس وانتقال الحكم إلى أخيه عموري الأول، وقد بينت أن الصراع الإسلامي الصليبي قد أخذ حيزاً مع تسلم عموري الأول، إذ وجه أنظاره صوب مصر التي تعاني من الضعف والفوضى وانتشار الاغتيالات السياسية.وختم هذا الفصل بالتركيز على ما قام به نور الدين وما كان يطمح إليه من أجل تحرير القدس وطرد الغزاة الصليبيين.

أما الفصل الرابع فقد ذكر انتقال السلطة إلى الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين، الذي كان طفلاً صغيراً فتسلط عليه الأمراء، وتم انتقاله من دمشق إلى حلب، وهناك استبد به كمشتكين، وحاول إفساد العلاقة بينه وبين الناصر صلاح الدين، كما عمل على الاستعانة بالصليبين لإبعاد صلاح الدين عن حلب.عرج جمول في كتابه على توجه صلاح الدين إلى دمشق، ودخوله سلماً إليها، ومسيره صوب حلب وفرضه الحصار عليها، وبين تسليم حلب إلى عز الدين مسعود الأول الذي تنازل عنها إلى أخيه عماد الدين زنكي الثاني.

وتوجه صلاح الدين لحصار الموصل بغية الدخول إليها وبسط سلطته عليها، أو إضعافها على الأقل لتتم له السيطرة على حلب، وقد نجح في ذلك، إذ استطاع صلاح الدين قطع العلاقات بين الموصل وحلب، واتجه صوب حلب، وفرض عليها حصاراً لم يستمر طويلاً، إذ سرعان ما سلمها صاحبها عماد الدين زنكي الثاني مقابل سنجار، وبذلك انتهى دور حلب في حرب الاسترداد مع نهاية عصر الزنكي فيها وبداية العصر الأيوبي.

سليمان فاروق درويش

*الكتاب:حلب والحروب الصليبية

*إشراف : د.سهيل زكار

*الناشر: جامعة دمشق 2006

*الصفحات:192 صفحة من القطع الكبير