مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة كاثلين كرول المختصة بسير العباقرة وبخاصة عباقرة العلوم والفنون من امثال ليوناردو دافنشي وغاليليو ونيوتن وفي هذا الكتاب الجديد تكرس المؤلفة صفحات طويلة لحياة ذلك الشخص الذي وصفه أحد المفكرين الفرنسيين بانه اعظم عبقري في تاريخ البشرية على مدار العصور.. فهو الذي أسس العالم الحديث الذي أدى إلى تشييد كل الحضارة العلمية والتكنولوجية الراهنة وهذا لا يقلل من اهمية غاليليو او كيبلر او رينهارت أو سواهم .

ولكنه يشير الى حجم الانجازات التي حققها العالم الانجليزي الشهير على اثر كل هؤلاء فاكتشافاته كانت اكبر من اكتشافات جميع العلماء الذين سبقوه او لحقوه بمن فيهم آينشتاين نفسه . وقد ولد نيوتن عام 1642 ومات عام 1727 عن عمر يناهز الرابعة والثمانين وهو عمر طويل جدا بالنسبة لذلك الزمان ومنذ البداية تتوقف المؤلفة مطولا عند حياة الطفولة التي عاشها نيوتن ويبدو انها كانت طفولة حزينة لأن والده مات قبل ولادته بشهرين.

ثم تزوجت امه بسرعة وابعدوه عن المنزل حيث ذهب إلى عند جدته التي اهتمت بتربيته وهذا يعني انه خسر حنان الأم والأب معا منذ نعومة أظفاره.

ولا ريب في ان ذلك ترك آثاراً عميقة على نفسيته وميله إلى الوحدة والانطواء والعزلة ولعل عبقريته كانت نتيجة لهذه الطفولة غير الطبيعية، فمعظم العباقرة كانوا يتامى الأم والأب او الاثنين معاً. نضرب على ذلك مثلا ديكارت الذي فقد أمه وهو صغير، او بودلير الذي فقد أباه أو رامبو الخ. وفي اثناء دراساته الاولى، اي في المدرسة الابتدائية كانت نيوتن يبدو طفلا عاديا بل وأقل من عادي كان شارد الذهن ولا يهتم بالدروس ولكن في سن الثانية عشرة التقى بالصدفة بشخص صيدلي فنما لديه حب الكيمياء والعقاقير الطبية والتجارب العلمية.

وفي عام 1656 عندما بلغ الرابعة عشرة اجبرته أمه على ترك المدرسة وطلبت منه العودة إلى البيت من أجل الاهتمام بالمزرعة العائلية ولكن بما انه لم يكن يحب الفلاحة والاعمال الزراعية فان امه قبلت على مضض ان يعود الى مقاعد الدراسة من جديد لكي يكمل تعليمه بعد ان تفتحت عيناه على حب المعرفة.

وعندئذ ارسلوه الى جامعة كامبردج التي طالما خرجت العباقرة وهناك درس اعمال الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت «1596 ـ 1950» كما درس اعمال عالم الفلك والرياضات الايطالي الشهير غاليليو الذي مات في السنة التي ولد فيها نيوتن 1564 ـ 1642» كما درس اعمال عالم الفيزياء الالماني كيبلر «1571 ـ 1630». وكانوا اكبر علماء اوروبا في ذلك الزمان بل انهم هم الذين اسسوا العلم الحديث بالمعني الحرفي للكلمة. وقد جاء نيوتن على اثرهم لكي يرسخ اعمالهم ويضيف اليها انجازات واكتشافات جديدة باهرة.

ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي عام 1665 اكتسح وباء الطاعون انجلترا واضطرت جامعة كامبردج الى اغلاق ابوابها ومعلوم ان هذا الوباء كان يرعب الناس انذاك لانه كان يحصدهم بالملايين . ويقال بانه قتل ثلث سكان اوروبا في احدى المرات ولكن ذلك لم يمنع نيوتن من الاهتمام بالعلم ومواصلة بحوثه في بيته بعد ان اغلقت الجامعة ابوابها والواقع ان «جرثومة» العلم وحب المعرفة كان قد دخل الى قلبه فلم يعد قادرا على التخلي عنه.

والغريب العجيب انه في تلك السنة المرعبة استطاع نيوتن ان يحقق اعظم اكتشافاته، فقصة التفاحة التي سقطت على رأسه وهو جالس تحت الشجرة في احضان الريف الانجليزي حصلت انذاك وهي التي جعلته يكتشف قانون الجاذبية الكونية الشهير. لذلك دعيت تلك السنة من عمر نيوتن بسنة الالهام الرائعة. ولكن يبدو ان قصة التفاحة هي عبارة عن أسطورة لأن نيوتن لم يذكرها ابدا ومعلوم أن الأساطير تنتشر أحيانا وترسخ في عقول الناس أكثر من الحقائق.

ثم فتحت جامعة كامبردج ابوابها من جديد عام 1667 وعندئذ عاد اليها نيوتن لكي يتابع دراساته ويحصل على شهادة الماجستير، وعندما بلغ السادسة والعشرين من عمره عام 1669 اصبح استاذا للرياضات في نفس الجامعة وظل يمارس هذه المهنة لمدة ستة وعشرين عاما.

ثم تردف المؤلفة قائلة: في عام 1672 ارسل نيوتن نظريته عن كيفية تشكل الالوان الى الجمعية الملكية البريطانية وهي أعلى هيئة اكاديمية في انجلترا وربما في أوروبا كلها في ذلك الزمان ولكن نظريته لم تلق الترحاب الذي كان يتوقعه فقد انهالت عليه انتقادات العلماء المختصين وعندئذ عزل نيوتن نفسه اكثر وقرر الا ينشر شيئا بعد الان وراح يعيش حياة الوحدة والصمت ولكن دون ان يتخلى عن بحوثه على العكس لقد ظل يواصلها بكل عناية وحماسة منقطعة النظير.

وفي عام 1684 التقى نيوتن بعالم الفلك الانجليزي ادموند هالي فشجعه هذا الاخير على نشر ابحاثه التي اعجبته جدا بل وادهشته وعندئذ نشر كتابه الشهير المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية عام 1687 وهو من اعظم الكتب في تاريخ العالم كله. وفيه يشرح حركة الكواكب في السماء ويكتشف القوانين الثلاثة للحركة ثم قانون الجاذبية.

وعندئذ حقق العلم قفزة هائلة الى الامام فقد شعر الناس عندئذ انهم فهموا للمرة الاولى القوانين التي تتحكم بالطبيعة والكون عندئذ شعروا ان نيوتن اكتشف لهم سر الكون وحقيقة الجوهرية هذا ما شعر به الفيلسوف الالماني الكبير وعندئذ كتب عبارته الشهيرة: بعد رسو ونيوتن اصبح الايمان مبررا ومشروعا بمعنى ان روسو اكتشف القوانين الاخلاقية الحديثة ونيوتن اكتشف القوانين الفيزيائية والرياضية.

وبالتالي فالايمان بالله الذي خلق الكون على أحسن تقويم اصبح مبررا ومشروعا بعدهما وهذا يعني أن الايمان الحديث القائم على العلم والعقل أصبح كل يحل الايمان القديم القائم على التسليم الاعمى والجهل وهنا يكمن الفرق بين ايمان العصور الحديثة المستنير بضوء العقل وايمان العصور الوسطى القائم على الخرافات وظلام الجهل.

ثم تردف المؤلفة قائلة: في عام 1703 وكان قد بلغ الستين من عمره انتخب نيوتن رئيسا للجمعية الملكية الانجليزية بعد ان وصل الى ذروة مجده وعندئد راح يتربع على عرش العلم الانجليزي والاوروبي دون منازع حتى توفي عام 1727.

ثم خلعت عليه الملكة «آن» لقب النبالة الاستقراطية واصبح يدعى السير اسحاق نيوتن وكان اول عالم يتوصل الى مثل هذه المرتبة الرفيعة في المجتمع الانجليزي وعندما مات عام 1727 دفنوه في كنيسة ويستمنستر التي لا يدفن فيها عادة الا ابطال الانجليز وعظماؤهم. وهكذا وصل ابن الفلاح العادي الى اعلى المراتب ونال كل الامجاد وعوض بذلك عن طفولته البائسة الحزينة حيث تخلت عنه أمه وهو في الثالثة من عمره لكي تتزوج في مكان بعيد وتتركه في البيت لوحده مع جدته التي اشرفت على تربيته كما ذكرنا انفا.

نقول ذلك ونحن نعلم ان التحليل النفسي يفسر العبقرية على أساس أنها تعويض عن عقده نقص أصابت الإنسان في طفولته الأولى ولكن على الرغم من عظمة الانجازات التي حققها إلا أنه وقع في حالة من الاعياء العصبي والنفسي بعد موت أمه عام 1692 . ويقال بانه اصبح صريع الهذيان والجنون لفترة من الزمن ولكنه تجاوز هذه المحنة بعد بضع سنوات في المعاناة والعذاب وهذا يعني ان مؤسس العلم الحديث والعقلانية الحديثة لم يكن عقلانيا على طول الخط حقا لقد دفع نيوتن ثمن اكتشافاته الكبرى غاليا ولكنه قدم للبشرية اكبر خدمة يمكن أن تحلم بها.

*الكتاب: اسحاق نيوتن

*الناشر: فايكنغ بوكس ـ لندن 2006

*الصفحات: 126 من القطع الكبير

pisaac newton

kathleen krull

Viking books -london 2006

P.126