مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور فيليب آيرونسايد المختص بتاريخ الفكر الحديث عموما وفكر برتراند رسل خصوصا. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية عامة عن حياة رسل وأعماله وانخراطه في معملة الحياة السياسية لعصره. فعلى الرغم من اختصاصه بالرياضيات وفلسفة العلوم البعيدة جدا عن القضايا الاجتماعية والسياسية إلا أن برتراند رسل لم يجلس منعزلا في برجه العاجي كما يفعل بعض الفلاسفة وإنما نزل إلى الشارع وتدخل في الأحداث الجارية.
الرجل كان ذا نزعة إنسانية عميقة ويهمه مصير الشعوب والإنسانية ككل. كان يحس بآلام المعذبين والمضطهدين وكأنها آلامه. من هنا عظمة برتراند رسل وأهميته في تاريخ الفكر. نقول ذلك دون أن نهمل بالطبع ضخامة الإنجازات التي حققها في مجال فلسفة العلوم والرياضيات والفيزائي والمنطق، إلخ. ثم يردف المؤلف قائلا: ولد برتراند رسل عام 1872 في عائلة أرستقراطية إنجليزية كبيرة.
ومات عام 1970 عن عمر يقارب المئة عام! وكان عالما ورياضيا وفيلسوفا أخلاقيا من الطراز الأول. وهناك إجماع على كونه أحد كبار فلاسفة القرن العشرين بدون منازع. وقد ساهم في تبسيط مبادئ الفلسفة وأفكارها لكي يفهمها الجمهور الواسع العريض.
وعلى الرغم من أصوله الأرستقراطية وغناه إلا أنه كان مناضلا يساريا ومنخرطا في الهموم السياسية والقضايا الكبرى ضد مصلحة الرأسمالية الغربية والقوى المهيمنة. كان قريبا من الخط الاشتراكي ذي الاتجاه الديمقراطي لا الشيوعي الماركسي. ومعلوم أنه شكل المحكمة الدولية «رسل ـ سارتر» لمحاكمة جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام. وكان ذلك بالتعاون مع الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر.
وقد تلقى جائزة نوبل عام 1950 تقديرا لمنجزاته في مجال العلوم والفلسفة ثم بشكل أخص تقديرا لانخراطه في المجال السياسي الإنساني التحرري. وبالتالي فقد جمع المجد من كل أطرافه: مجد العلم، ومجد الفلسفة، ومجد السياسة وخدمة البشرية. من المعلوم أن برتراند رسل فقد أمه واخته عام 1875 أي وهو في الثالثة من عمره. ثم فقد أباه بعد عام واحد فقط أي وهو في الرابعة من عمره. وبالتالي فقد كان يتيم الأب والأم ولم يتح له أن يتعرف على والديه اللذين أنجباه.
وفي عام 1890 دخل إلى جامعة كامبردج لدراسة الرياضيات والعلوم الأخلاقية أو الإنسانية. وفي عام 1910 نشر كتابا مهما تحت عنوان: مبادئ الرياضيات. ثم أصبح أحد كبار ممثلي الفلسفة التحليلية الإنكليزية. وكان ذلك يعني أنه يستخدم المنطق الرياضي الدقيق لتوضيح المشاكل الفلسفية وتحليلها أو تشريحها من أجل حلها.
وبالتالي فهو أحد مؤسسي الفلسفة التحليلية المضادة لفلسفة هيغل ومجمل الفلسفة المثالية الألمانية القائمة على المفاهيم التجريدية العويصة وغير الدقيقة بحسب رأيه. إنها قائمة على الشطحات الفلسفية العمومية لا على العلم الفيزيائي أو الرياضي بحسب زعمه. وهذه وجهة نظر يمكن الدفاع عنها ونقدها في ذات الوقت.
ولهذا السبب فإن الفلسفة الإنجليزية تختلف عن الفلسفة الألمانية والفرنسية في آن معا. فهي فلسفة علمية إذا جاز التعبير، أي تابعة للعلم وليست مستقلة بذاتها. ويبدو أن المشكلة الأساسية التي كانت تهمه هي التالية: هل يمكن للإنسان أن يتوصل إلى المعرفة اليقينية المطلقة في هذا العالم؟ أقصد المعرفة التي لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يشك فيها أو ينقضها.
ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه: أما من حيث الانخراط السياسي فيبدو أن برتراند رسل كان من أتباع التيار السلمي المضاد للحروب والنزعة العسكرية. ولهذا السبب فإنه وقف ضد انخراط بريطانيا في الحرب العالمية الأولى. وكلفه ذلك غاليا لأنهم أقالوه من منصب الأستاذية في جامعة كامبردج. كما سجنوه لمدة ستة أشهر بتهمة العصيان المدني.
وفي السجن كتب برتراند رسل كتابا تحت عنوان: مدخل إلى الفلسفة الرياضية. وبالتالي فإن فترة السجن كانت منتجة ولم تذهب سدى. وقبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية دافع برتراند رسل عن سياسة السلام في أوروبا، ولكنه اعترف بأنه من المشروع محاربة شخص مجرم مثل هتلر. وبالتالي فموقفه كان يشبه موقف غاندي الذي اشتهر بميله إلى السلام واتباع سياسة اللاعنف. ولكنه أجاز محاربة هتلر لأنه لا تنفع معه أي سياسة سلمية.
وبالتالي فبرتراند رسل لم يكن مسالما بأي ثمن. فقد كان يعتقد بأن الحرب يمكن أن تشكل ضرورة إيجابية في بعض الظروف. ولكن إذا كان بالإمكان تحاشيها ينبغي تحاشيها بأي شكل. ثم يردف المؤلف قائلا: وفي أوائل العشرينات من القرن الماضي زار برتراند رسل مع بعض أعضاء حزب العمال البريطاني الاتحاد السوفييتي لرؤية الشيوعية وهي مطبقة على الأرض.
وبعد أن حيّا الثورة البلشفية التي حررت الشعب الروسي من نير القياصرة راح ينتقدها بعنف لأنها تضحي بالحريات الفردية. وهذا ما أزعج زملاءه الاشتراكيين الذين اتهموه بخيانة المبادئ الاشتراكية. ولكن كيف يمكن لهذا الليبرالي الحريص على حريته الشخصية أن يؤيد نظاما شيوعيا لا يعترف بأي حرية شخصية؟ مستحيل. ولهذا السبب انتقد التجربة الشيوعية على الرغم من أنه كان يتمنى أن تكون أفضل لكي تقدم بديلا عن الأنظمة الرأسمالية التي يكرهها.
مهما يكن من أمر فإن الشيوعيين اتهموه عندئذ بأنه من عبيد البورجوازية وكلابها النابحين ضد الاشتراكية الحقيقية! وهكذا وجد برتراند رسل نفسه بين نارين: نار الرأسماليين، ونار الشيوعيين. ثم زار الفيلسوف الإنجليزي بعدئذ الصين عام 1921 ولم تكن قد أصبحت شيوعية بعد. كانت لا تزال فلاحية، إقطاعية، متخلفة. وعندئذ اقتنع بميزات الغرب على الرغم من رأسماليته ونواقصه. وعرف أنه يمثل مركز الحضارة العالمية.
وقال بأنه سيقدم النموذج الذي يحتذى للبشرية إذا ما اهتم بالعدالة الاجتماعية وقلّل من أنانيته وحبه للربح والفائدة بشكل جشع لا يشبع. فالغرب هو وحده الذي يسيطر على العلم والتكنولوجيا والصناعة وكل وسائل التقدم. كما أنه يوفر الحريات الفردية للناس على الرغم من كل نواقص هذه الحرية. يضاف إلى ذلك أن حرية الفكر والتعددية السياسية وكذلك حرية الصحافة، كلها أشياء غير متوافرة إلا في الغرب.ولكن الشيء الذي كان يكرهه برتراند رسل في الغرب هو النزعة القومية والأنانية الضيقة التي أدت إلى انفجار حربين عالميتين في ظرف عشرين سنة (1914 ـ 1918) و(1939 ـ 1945).
وقد أدى ذلك إلى قتل عشرات الملايين من البشر بشكل وحشي. لهذا السبب كان رسل من أتباع التيار السلمي، تيار اللاعنف في السياسة. ولهذا السبب لم يفهمه الآخرون فأدانوه بتهمة الانهزامية والسلبية والجبن. يضاف إلى ذلك أن برتراند رسل كان ضد الأسلحة الذرية لأنها فتاكة ومدمرة. وقد وقع مع البرت آينشتاين بيانا بهذا الخصوص. وسجنوه عليه عام 1961. وبالتالي ففي كل مرة كان يدفع ثمن مواقفه السياسية الجريئة.
هذا وقد نظم محكمة عالمية ضد جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الأميركي في فيتنام كما قلنا سابقا. وقد عابوا عليه ذلك وقالوا له: لا يحق لك أن تنظم أي محكمة بهذا الخصوص. ألا تنظر إلى الخطر الشيوعي وهو يزحف نحو أوروبا؟ ولا ينبغي أن ننسى أن برتراند رسل كان من أشد أعداء التعصب الديني من أي جهة جاء. وكان يعتقد أنه لا يوجد دين كبير إلا وفيه فئة متعصبة جاهلة تفهمه بشكل خاطئ ومضاد لطبيعته الجوهرية ومبادئه. وبالتالي فالمتعصبون أو المتطرفون بشكل أعمى يشوهون جوهر الأديان.
وتفكيره من هذه الناحية لا يختلف عن تفكير سلفه الكبير الفيلسوف: جون لوك. ومعلوم أن هذا الأخير كان من كبار فلاسفة التنوير العقلاني في أوروبا إبّان القرن السابع عشر. وقد كتب رسالة في التسامح ودعا إلى انفتاح الناس من مختلف الأديان والمذاهب على بعضهم البعض. كما وحذر من الحروب الدينية أو الطائفية الخطرة جدا. ولكن الحروب الدينية في القرن العشرين لم تكن بين الكاثوليك والبروتستانت وإنما بين الرأسماليين والشيوعيين وهكذا حلّت الأحزاب محل الطوائف والأديان سابقا.
*الكتاب: الفكر الاجتماعي والسياسي لبرتراند رسل - ظهور ليبرالية أرستقراطية
*الناشر: مطبوعات جامعة - كامبردج 2006
*الصفحات : 296 صفحة من القطع الكبير
The social and political thought of Bertrand Russel
the development of an aristocratic liberalism
Philp Ironside
Cambridge University Press 2006
p.296

