جاكلين دوروميلي، 91 سنة، فاقدة للبصر تقريبا، وأحد أهم الاختصاصيين العالميين في الحضارة اليونانية القديمة التي كرّست لها عشرات الكتب والدراسات من بينها: «القانون في الفكر اليوناني» و«هوميروس» و«الاندفاع الديمقراطي في أثينا القديمة» و«موجز في الأدب اليوناني» و«البطل التراجيدي والبطل الملحمي»... وجاكلين دو روميلي هي أيضا أول سيدة فرنسية يتم انتخابها كي تكون عضوة في الهيئة التدريسية لـ «الكوليج دو فرانس» ـ أهم مؤسسة علمية تمنح أية شهادة ـ، وجرى انتخابها في عام 1988 عضوة في الأكاديمية الفرنسية. لا تزال السيدة دوروميلي تنتج حتى الآن، فهي بصدد إعداد كتاب «مقابلات حول الديمقراطية اليونانية».

«أزهار العزلة»، كتاب مذكرات، ولكنه أيضا وأساسا كتاب في التاريخ والفكر والسياسة، من خلال سيرة حياة كاتبته. إنها تعود إلى العديد من محطات مسيرتها إذ نعرف أن والدها «مكسيم دافيد» كان فيلسوفا بعد أن تخرّج من مدرسة المعلمين العليا التي مرّ بها كبار فلاسفة فرنسا الذين ليس أقلّهم شأنا سارتر وآرون ولويس التوسر... وكان والدها من بين أوائل القتلى الفرنسيين على خط الجبهة عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914.

وهنا تسهب المؤلفة في حديثها عن مسألة العلاقة مع الماضي، أو بتحديد أكثر مسألة «العيش في إطار الماضي» و«تمجيده» وحيث تعتبر أن الحنين إلى الماضي والإصرار على البقاء فيه يشكل قيدا يمنع من ولوج دروب الحياة المفتوحة. وبهذا المعنى تعتبر هذا الحنين بمثابة عاطفة «رجعية»، إذا صحّ التعبير. بالمقابل تؤكد مؤلفة هذا الكتاب على أن «الفرح» يمثل دافعا كبيرا نحو التفاؤل وحب الحياة وبالتالي الإنتاج والفاعلية، وهي تعيد هذا الجانب في حياتها إلى والدتها التي كانت هي الأخرى كاتبة وقد نشرت عدة روايات عند ناشر معروف «غراسيه»، وإنها لاقت بعض النجاح تحت اسم «حنّة مكسيم دافيد».

وهكذا لم تكن العلاقة مع الكتابة غريبة عن أجواء المنزل العائلي، ومع ذلك لم تبدأ جاكلين دو روميلي بالكتابة المكرّسة للنشر إلا بعد أن أصبحت في سن التقاعد في نهاية سنوات طويلة أمضتها في مهنة تعليم الحضارة اليونانية للطلبة. ولعلّ أجمل صفحات هذا الكتاب هي تلك التي تتحدث فيها عن ذكرياتها، هذه الذكريات غدت أكثر أهمية، كما تقول، بعد أن خفّ بصرها إذ أنها أصبحت موضوع حاضرها، الذي تحكي عنه.

ثم إن الكتابة عن الذكريات إنما هي أيضا محاولة عيشها من جديد، وهذا ما كانت قد شرحته طويلا في أحد كتبها السابقة «كنز المعارف المنسية»، ثم إن الحديث من جديد عن الذكريات يمكن أن يمثل وسيلة لقول الحقيقة «ولو مرّة واحدة». وتؤكد المؤلفة في هذا السياق على أهمية الحديث عن الأشياء السعيدة في الحياة، إذ لعل ذلك يجلب شيئا من السعادة إلى أولئك الذين يقرؤونها أو يسمعونها. ثم إنه يكفيها هي نفسها أن تسمع قولا لطيفا كي تمضي يوما جميلا. ولا تتردد في أن تعيد ذلك إلى ما «تعلّمته» من اليونانيين القدماء الذين «رافقوها» طيلة حياتها.

ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب بالقول أن «رفاق الدرب» القدامى هوميروس وتوسيديد وسوفوكليس وأخيل قد «نوّروا» دربها، وهي تصفهم بأنهم «حياتها ومصدر سعادتها». كما تؤكد أيضا على أن أولئك «القدامى» هم أيضا «حديثون»، بل ومعاصرون، أليس اليونانيون القدماء، وخاصة أبناء أثينا، هم الذين اخترعوا الديمقراطية؛ بل وإنها تؤكد على أن «اختراعاتهم» قد تعدّت الديمقراطية التي مارسوها على طريقتهم، ذلك أنهم كانوا وراء بدايات الفكر الفلسفي والمبادئ والقيم.

وكان الآثينيون يدلون بآرائهم حول جميع المواضيع التي تهم مدينتهم «الصغيرة». بالطبع كانت عمليات الاقتراع محكومة بسياقها وبعدم تعميمها على جميع فئات المجتمع إذا استثنيت منها فئات النساء والعبيد والأجانب، لكن هذا لا يمنع واقع أن أهل أثينا وحاكميها قد أطلقوا الفكرة التي لا تزال شرارتها تضيء حتى اليوم. وتعود مؤلفة هذا الكتاب طويلا إلى «الإلياذة» و«الأوديسة» لتتحدث عن «الدروس» التي لا تزال تحتفظ بالكثير من راهنيتها.

إن هاتين الملحمتين تبنيان وجود حالة «جنينية» من الممارسات الديمقراطية إذ تتحدثان عن وجود مجالس كان يحق للجميع أن يفصحوا عن آرائهم فيها. وكان فيها أيضا ملوك يمكن وصفهم بـ «ليبراليين»، حسب القاموس العصري المستخدم حاليا، مثل الملك «تيزيوس» الذي يعتبره العديدون بمثابة أحد الآباء المؤسسين للديمقراطية، وملك آخر أيضا كان ذا توجه ديمقراطي هو «سولون».

واليونانيون القدماء هم الذين اخترعوا التاريخ والتراجيديا (المأساة) والكوميديا (الملهاة) بالمعنى الإنساني. وبمعنى الصراع الدائم والمستمر بين الخير والشر، بين العقل والعاطفة، وحيث لا تزال المواضيع التي تطرقوا إليها تجد من يستعيدها حتى اليوم بصيغة أخرى وبفهم آخر. أو يعيد قراءتها من جديد على ضوء معطيات العصر الحاضر. هكذا لا يزال «هكتور» و«أخيل» و«أوديب» و«بروموفيوس» و«الكترا» وغيرهم شخصيات معاصرة وتكاد تكون شخصيات من «لحم ودم». إنها شخصيات جسّدت من حيث تناقضاتها وتحدياتها وانفعالاتها واقع البشر مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة.

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب معروفة خاصة أنها من أكثر الذين جعلوا من «توسيديد» الإغريقي موضع اهتمامهم الرئيسي، فإنها تفصح في هذا الكتاب - الذكريات عن أن «هواها» الأكبر قد ذهب باستمرار نحو «هوميروس»، وذلك على أساس أنه كان الأكثر «إنسانية». وتشير في هذا الإطار إلى الكثير من لحظات الانفعالات الإنسانية التي تزخر بها «الإلياذة» و«الأوديسة».

لحظات الفرح والخوف والحنان والحزن والشوق والحنين التي لم تجدها، كما تؤكد، في أية ملحمة أخرى من ملاحم الإغريق القدماء. وما جذبها إلى «هوميروس» هو بالتحديد هذا الجانب «الإنساني» وليس الجانب البطولي ومفاهيم المجد والعظمة. المهم هو إذن «الإنسان»، وبالمعنى الذي يخص شرطه البشري.

وهكذا تتحدث في «أزهار العزلة» عن تلك الأحصنة «التي تبكي وفاة باتروكليس»، لقد «بكت» تلك الأحصنة لحظة الوداع النهائي والفراق الأبدي الذي يمثله الموت. تماما مثلما تكلم ذلك الحصان مع «أخيل» مرّة واحدة فقط كي يعلن له موته. وفي لحظة محددة تعود هذه السيدة الكبيرة لتذكّر بأن الذين يتقدمون بالسن مثلها لا بد وأن يعودوا إلى «هوميروس» إذا كانوا من المهتمين بالإغريق.

وهذا ما كان قد قاله لها ذات يوم «أستاذها» لويس بودان، الأخصائي الكبير الآخر بالحضارة اليونانية القديمة، عندما نبهها إلى أهمية «توسيديد» ليؤكد بنفس الوقت أن «هوميروس» سيكون «صديق» الشيخوخة. وتشير المؤلفة إلى أن «هوميروس» كان «معاصرا»، كما تدلّ المعلومات الخاصة بالفترة التي عاش بها، لبدايات «الكتابة» حيث يتم استخدام الحروف المشتقة، إلى هذه الدرجة أو تلك، من الأحرف الفينيقية.

لكنها تؤكد بنفس الوقت على أنه لم يتم البرهان أبدا عما إذا كان هو نفسه قد عرف الكتابة ومارسها، مع ذلك ترى أن الأبحاث العديدة التي شهدها القرن العشرين عن أصول الكتابة قد ألقت أضواء جديدة على هذه المسألة. وتذكر في هذا الإطار إلى أعمال باحث سويسري قدّم البراهين على وجود نسخة كاملة لعمل مسرحي كوميدي ألّفه «مياندر» اليوناني وحيث لم تكن هناك قبل ذلك سوى مقتطفات له.

وهذا يشكل تقدما كبيرا فيما يتعلق بتاريخ النصوص المكتوبة. ثم جاءت الحفريات والاكتشافات الأثرية كي تلقي أضواء جديدة على النصوص القديمة؛ ولا شك أن التوصل إلى «قراءة» أوراق البردي «المحترقة» يشكل خطوة مهمة في هذا الإطار. لكن المؤلفة ترى أن الأمر الجوهري والأكثر أهمية يتمثل في إمكانية إلقاء أضواء جديدة على كتابات أعلام اليونان القديمة من أمثال «اوريبيد» و«يوفوكليس»، وأن تجد الأجيال الجديدة في النصوص القديمة أفكارا لم يكن قد رآها أولئك الذين سبقوهم.

ولا تنسى جاكلين دو روميلي أن تبدي قلقها من الإهمال الكبير الذي يبديه القائمون على التعليم في فرنسا حيال تعليم اللغات القديمة، أي اليونانية واللاتينية. وتعيد أصل هذا «الخطأ» الكبير إلى الفهم القائل بأن التعليم يعني نقل معرفة ما مفيدة وليس تكوين العقل، واللغتان اليونانية واللاتينية تخدمان قبل كل شيء، كما ترى، في «تكوين العقل».

وإذا كان هذا الكتاب يحتوي الكثير من المعلومات حول العالم اليوناني القديمة وحضارته وأبطاله وقيمه وعبره، وبحيث يشكل الحديث عن ما هو قديم الخط الناظم لطرح أفكار مؤلفته عما هو آني وراهن، فإن شحنة التفاؤل التي تحاول أن تنقلها لقارئها تمثل درسا كبيرا في حب الحياة.

إنها تحكي عن ذكرى قريبة عندما رأت «قليلا» نهر السين ومتحف اللوفر والأشجار... وكان فرحها كبيرا: «لقد كان ذلك جميلا مثل ذكرى»، كما تقول.وما نفقده يصبح ثمينا جدا، ولكن ينبغي النظر دائما إلى المستقبل فهو الذي «سوف نمضي بقية حياتنا فيه». فللعزلة أيضا «أزهارها».

*الكتاب:أزهار العزلة

*الناشر:فالوا ـ باريس 2006

*الصفحات :160 صفحة القطع المتوسط

Les roses de la solitude

Jacqueline de Remilly

Fallois -Paris 2006

p.160