قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور فريديريك س. بيزر أستاذ الفلسفة في جامعة سيراكيوز. كما أنه درّس مادة الفلسفة في كبريات الجامعات العالمية كجامعة هارفارد، وييل، وانديانا، الخ. وكان قد نشر سابقا عدة كتب عن هيغل والفلسفة المثالية الألمانية وقضايا أخرى عديدة. وفي هذا الكتاب الجديد يحاول المؤلف أن يموضع هيغل ضمن عصره وظروفه لكي نتمكن من فهمه على حقيقته، فهيغل نفسه كان يقول بأن الفلسفة هي بنت عصرها وبالتالي فلا نستطيع أن نفهمها جيدا إلا إذا وضعناها ضمن سياق ذلك العصر وهمومه وقضاياه الأساسية.
والواقع أن هيغل عاش وكتب مؤلفاته في النصف الأول من القرن التاسع عشر. نقول ذلك على الرغم من أنه ولد في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر (1770-1831). فما هي الأحداث الجسام التي حصلت في تلك الفترة يا ترى؟ ما هي هموم ذلك العصر ومشاكله الأساسية؟ يمكن القول بأن أهم حدث سياسي أثر على هيغل وجيله هو اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789.
فقد كان عمره آنذاك تسعة عشر عاما بالضبط. ويقال بأنه فرح كثيرا بالحدث الذي يشبه الزلزال في أوروبا. وقد بلغ به الفرح درجة أنه ذهب مع زميليه شيلنغ وهولدرلين إلى منطقة ما حيث زرعوا شجرة الحرية تيمنا ومباركة بالثورة الفرنسية. فقد رأوا فيها الحدث الذي لا يخطئ على استهلال العصور الحديثة والقضاء على العصور القديمة: أي عصور سيطرة الإقطاع والاستبداد السياسي والأصولية المسيحية. وتمنوا أن تنتقل شرارتها إلى أوروبا كلها لكي تدك معاقل الإقطاع في ألمانيا أيضا وليس فقط في فرنسا.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولهذا السبب رحب هيغل بنابليون بونابرت عندما غزا بجيوشه الجرارة ألمانيا ودخل إلى مدينة «يينا» ذاتها حيث كان هيغل يشتغل كأستاذ في الجامعة. فبدلا من أن يزعل على بلده المغزو في عقر داره راح يفرح ويتمنى لو أن حامل أفكار الثورة الفرنسية في الحرية والمساواة والإخاء يقضي على النظام العتيق السائد في ألمانيا مثلما قضى عليه في فرنسا وأسقط سجن الباستيل الشهير.
وبالتالي ففلسفة هيغل مرتبطة بفكرة الحرية والثورة الفرنسية بشكل مؤكد. بل يمكن القول بأنها عبارة عن ترجمة لهذا الحدث السياسي الضخم ولكن على الصعيد الفلسفي. وهيغل نفسه كان متأثرا بجان جاك روسو الذي قرأه في مطلع شبابه وأعجب به مثلما أعجب به هولدرلين. ومعلوم أن روسو هو أب الثورة الفرنسية التي رفعت صورته على رؤوس الأشهاد واتخذت كتابه العقد الاجتماعي كإنجيل لها. يضاف إلى ذلك أن هيغل جاء بعد كانط مباشرة.
وكانط كان أستاذ الجيل كله ويعتبر بمثابة الظهور الفلسفي في ألمانيا. كان يعتبر بمثابة «النبي الجديد» الذي سيهدي ألمانيا إلى طريق النور والحقيقة والتقدم. كان أستاذ الجميع من فيخته إلى شيلنغ إلى هيغل نفسه. وقد وصل الأمر بهيغل إلى حد قراءة كتبه تحت اللحاف عندما كان في الجامعة، وذلك لأن الأساتذة التقليديين المتعصبين كانوا يراقبون الطلاب لمعرفة ماذا يقرأون في خلواتهم أو غرفهم قبل النوم!
وبما أن كانط كان ممنوعا من قبل الأصوليين المسيحيين فإن الطلاب ما كانوا يتجرأون على قراءته علنا. ولذلك فإن هيغل كان يقرأ كتبه من حين إلى حين تحت اللحاف ثم يخبئ الكتاب خوفا من أن يدخل عليه أحد الأساتذة فجأة للتفتيش. وكذلك كان يفعل آخرون عديدون. وبالتالي فالحدثان الأساسيان اللذان أثرا على تكوين هيغل الفلسفي هما: كانط وفلسفته العقلانية التنويرية، ثم الثورة الفرنسية. يضاف إلى كل ذلك حدث آخر لا يستهان به ألا وهو الثورة الصناعية الإنكليزية.
فإنكلترا كانت قد سبقت كل أوروبا إلى مجال الصناعة والسيطرة على التكنولوجيا. وابتدأت الآلات الحديثة تظهر فيها منذ وقت مبكر، وهذا ما أعطى أملا كبيرا في تحقيق التقدم وتخفيف معاناة الإنسان والسيطرة على الطبيعة وتذليلها لخدمة البشرية. هذا الحدث ينبغي أن نأخذه بعين الاعتبار أيضا إذا ما أردنا أن نفهم المنطلقات الحقيقية لفلسفة هيغل. ثم يقول المؤلف بأن هذا الفيلسوف الضخم أثر على كل الفلسفات المعاصرة التي جاءت بعده.
فكلها خرجت من معطفه بشكل أو بآخر: فإما أنها كانت مستلهمة منه وتدافع عنه، وإما أنها نشأت كرد فعل ضده. فالفلسفة الوجودية خرجت من معطفه، وكذلك الفلسفة الماركسية. أما الفلسفة الوضعية أو التحليلية الإنكليزية فقد تشكلت ضده أو كرد فعل عليه وعلى أطروحاته وأفكاره الأساسية. وبالتالي فتأثيره على القرن العشرين كان كبيرا جدا، ولذلك فلا توجد جامعة في العالم إلا وهي تدرس فلسفته وتشرحها وتحللها وتنقدها وتكشف عما مات فيها وعما لا يزال حيا حتى الآن. وللفلسفة الهيغلية اختصاصيون كبار في مختلف جامعات العالم تماما كالفلسفة الأرسطوطاليسية، أو الفلسفة الديكارتية، الخ.
ولكن فلسفة هيغل صعبة وغامضة، وينبغي على القارئ أن يبذل جهودا كبيرة لكي يفهم النص الهيغلي. فهو ليس في متناول أي شخص كان. ينبغي عليك أن تكون متعمقا في الشؤون الفلسفية لكي تستطيع أن تفهمه، ينبغي أن تعرف كل تاريخ الفلسفة لكي تستوعبه فعلا. ثم يردف المؤلف قائلا: بالطبع فإن أهم كتبه هو فينونيولوجيا الروح أو علم تجليات الروح الفكرية على مدار التاريخ منذ أقدم العصور وحتى اليوم مرورا بلحظة القرون الوسطى المسيحية، فلحظة الإصلاح الديني وعصر النهضة، فلحظة التنوير، وانتهاء بلحظة هيغل نفسه باعتبارها آخر اللحظات وأعلى اللحظات.
فقد اعتقد هيغل بأنه ختم العلم والفلسفة وتوصل إلى المعرفة المطلقة! ولكن هذا كان وهما بالطبع. فالعلم لم ينته بعد هيغل ولا كذلك الفلسفة، ولكن عظمة هيغل تكمن في أنه مشى بالفلسفة في عصره إلى نهاياتها القصوى، ووصل بها إلى نوع من النضج قلّ نظيره ولذلك توهم بأنه ختم العلم والفلسفة.
ومن أهم كتبه الأخرى التي جاءت بعد الفينونيولوجيا أو علم الظاهريات والتجليات نذكر كتابه عن علم المنطق، ثم كتابه موسوعة العلوم الفلسفية، ثم كتابه عن فلسفة التاريخ، الخ. وفي هذا الكتاب الأخير يبلور هيغل نظرية متكاملة عن أحداث التاريخ ومدلولاتها ويفرق بين ما هو أساسي وما هو ثانوي. ويكشف عن سر التاريخ وجوهره وكيف يتقدم إلى الأمام وضمن أية ظروف وبناء على أية تضحيات ومصائب بشرية.
ويقول المؤلف بأن هيغل كان أحد كبار فلاسفة التاريخ بالإضافة إلى الفيلسوف الإيطالي فيكو، أو الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت، أو كارل ماركس، أو سواهم. وقد ابتدأ يعطي دروسه في جامعة برلين عن فلسفة التاريخ عامي 1822-1823 ثم عاد إلى الموضوع لاحقا لكي يكمل أفكاره من جديد. وهي الدروس التي جمعها تلامذته ونشروها بعد موته تحت عنوان: دروس في فلسفة التاريخ.
والفكرة الأساسية التي ينطلق منها هيغل هي أن العقل يحكم العالم على الرغم من كل مظاهر الفوضى والحروب الأهلية والمجازر التي نجدها في التاريخ البشري. فهذه الكوارث هي أشياء إجبارية أو ضرورية لتقدم التاريخ، وذلك لأن ثمن التقدم إلى الأمام باهظ، ولا بد دون الشهد من إبر النحل. ولذلك فإن كل الأمم التي تقدمت إلى الأمام هي أمم دفعت ثمنا غاليا وتضحيات كبرى كالأمة الفرنسية مثلا.
فالثورة الفرنسية قطعت آلاف الرؤوس الإقطاعية، وجرت الدماء أنهارا في شوارع باريس قبل أن يتوصل الشعب الفرنسي إلى نظام سياسي عقلاني جديد. وبالتالي فمسيرة التاريخ الكوني هي مسيرة عقلانية على الرغم من كل شيء. والعقل هو الذي ينتصر في نهاية المطاف، وكذلك النظام، والرفاهية، والحياة الرغيدة، وهذا يعني أن النظام الجديد لا يتشكل إلا بعد المرور بمرحلة الفوضى الخلاقة المدمرة: أي التي تدمر أسس النظام القديم وتكلف الناس تضحيات كبيرة ومرعبة.
*الكتاب:هيغل
*الناشر:راوتليدج ـ نيويورك ـ لندن 2005
*الصفحات: 353 صفحة من القطع الكبير
HEGEL
FREDRICK BEISER
RUTLEDGE - N.Y,LONDON2005
P. 353
