ربما لم يقدر لرواية بالانجليزية لمؤلف عربي أن تحظى بالاحتفاء في الدوائر الأدبية العالمية في السنوات الأخيرة كالذي عرفته رواية «في بلد الرجال» للروائي والشاعر الليبي هشام مطر، إلى حد أنها وصفت بأنها الرواية الأكثر سخونة بامتياز في صيف العام الحالي، وينتظر الكثيرون بلهفة إصدارها في أميركا في يناير 2007 وترجمتها عن الأصل الانجليزي إلى أربع عشرة لغة من بينها اللغة العربية.
دعنا نبدأ من المحطة الأولى، المنطقية والطبيعية، لأصداء الرواية، حيث نجد أن موقع الناشر، دار بنغوين التي تعد الدار الأم لفايكنغ التي صدرت عنها الطبعة اللندنية، يشير إلى «في بلد الرجال» على أنها تكشف عن عالم نادراً ما نراه في القالب الروائي. ويتوقع أن تستقطب الرواية كل القراء الذين سبق لهم أن أحبوا رواية «عداء الطائرة الورقية» للكاتب الأميركي أفغاني الأصل خالد الحسيني التي صدرت عام 2003، ولقيت نجاحاً مدوياً فور صدورها في جميع أنحاء العالم.
الموقع نفسه ينقل عن الروائي جي. إم. كويتزي الفائز بجائزة نوبل للأدب قوله عن رواية هشام مطر إنها: «قصة حافلة بالشجن عن طفولة تعرضت في وقت جد مبكر لوحشية الحياة السياسية وفظائعها». لكن كويتزي ليس وحده هو الذي يبادر إلى إبداء إعجابه بهذه الرواية، فالروائية آن مايكلز تقول عنها: «إنها توضح لنا أن الحب، على الرغم من الخيانة والحزن والريبة والغضب والإرهاب السياسي، يظل هو الحب».
والروائية سارة برود هورست بدورها تقول عن روائية هشام مطر إنها: «قلقة، مؤثرة، بل انها تأسرك. إنها من ذلك النوع من الكتب الذي لا يتخلى عنك.. مدهشة وقوية». ويرى الكاتب البريطاني نديم إسلام أن الرواية: «ساحرة.. مليئة بالحقائق الأساسية، وكلما أوغلت في قراءتها أحسست بأن الطفولة التي يتم وصفها هي طفولتك». لم ينفرد الروائيون بهذا الاحتفاء الكبير برواية المؤلف الليبي، وإنما انبرى النقاد على صفحات كبرى المطبوعات العالمية للإشادة بها وكيل المديح لها.
ها هي ميليسا مكليمنتس تقول على صفحات «فايننشيال تايمز» عن هذه الرواية إنها: «حكاية موجعة عن خيانة شخصية وجماعية، وهي عنصر تذكير جاء في أوانه بالأساليب الوحشية المتبعة في بعض مناطق العالم العربي. وهي إطلالة روائية أولى مؤثرة ومهمة». ويكتب ديفيد دابيدين في «الاندبندنت» قائلاً عن هذه الرواية: «إن ما يبرز من هذه الرواية المؤثرة والرشيقة هو الإصرار الذي تواصل به ذكريات الحب صمودها في بلد الرجال».
وفي «الأوبزرفر» يقول أوسكار تيرنر عن هذه الرواية إنها: «رواية سياسية قوية واستحضار رهيف للصراعات الشاملة بين البشر حول الهوية، النسيان والحب. وهي من المقرر أن تصدر بثلاث عشرة لغة، واستغرق تأليفها سنوات عدة على الرغم من قصرها، وهي أكثر من جديرة بانتظارها كل هذه السنوات».
وعلى صفحات «صنداي تايمز» يقول تريفور لويس: «إن رواية مطر تشترك في موضوعاتها مع (الغفران) لإيان ماكوين ومع (توابل) لمايكل فريان، ويمكن أن تشمخ عالية في أي مقارنة أو في سياق مفرد. وبينما يشدد عنوان الرواية على الهيمنة الذكورية، فإن المؤلف يتحدى ويتصدى لافتراضات السيادة هذه». وفي «التايمز» تكتب سيليا برايفيلد عن الرواية قائلة: «في نص يتوهج بالحقيقة الانفعالية، يشيد المؤلف صرح رؤية الراوية الصغير ليستحضر مشاعر الطفولة الغلابة والتي تتحدى محاولات التحديد وفهم الكبار للأحداث التي تجد العائلة نفسها منغمسة فيها».
ويشدد الكثير ممن تناولوا الرواية على معالجتها لموضوع شديد التعقيد، هو موضوع المنفى، ويلفتون أنظار القراء إلى ما يقوله هشام مطر رداً على سؤال في هذا الصدد: «موضوع المنفى هو مفتاح الرواية فالمنفى في القص يتحدد بقدر ما تنقطع وشائج الحياة. هناك صدع أساسي في عملية الاقتلاع، وهذه الرواية تعالج ذلك الصدع، الحنين إلى العودة، إلى إعادة اللحمة، واستحالة الاثنين معاً».
وليس المنفى هو وحده الموضوع الذي يشدد النقاد على أهميته في الرواية، وإنما كذلك بصمة الحياة السياسية على الطفولة، وهم يشيرون في هذا الصدد إلى ما يقوله المؤلف الليبي: «يهمني كيف يتأثر الصغار وكيف تترسم شخصيتهم على ايقاع أحداث محيطهم بصرف النظر عن الفترة التاريخية. في سنوات الطفولة يعترينا شعور قوي بأهمية وجودنا، ولذا نتلقى بحيوية وسرعة، وليس شعورنا بالتورط قوياً جداً وحسب، بل أيضاً ملتبسا ونضرا».
ولعل خير ختام لتناول هذه الرواية هو ما يأتي من قارئ من هامبشاير، هو ماثيو أندرسون، في إطلالته على موقع «أمازون» المتخصص، حيث يقول في عبارات شديدة الدلالة من المؤكد أنها تعبر عن مشاعر الكثير من القراء: «هذا كتاب يضج بالحياة. وقد زرت ليبيا مرات عدة، وتطلعت على الدوام إلى كتاب مثل هذا.
وهذه رواية تحقق إطلالة على بلد موصد، بينما تفلح في انجاز ما يفوق ذلك بكثير. والموضوعات الشاملة للكتاب، الطفولة، الخيانة، الحب تحت أكثر الظروف صعوبة، تتجاوز الحدود الوطنية. والصبي الراوية سليمان يبقى في الذاكرة طويلاً، وهو يذكرني بنفسي في يفاعتي، وهو أمر مدهش اذا عرفت إلى أي حد أوغلت في مسيرة العمر».
ذكرى الصيف الآخير
أتذكر الآن ذلك الصيف الأخير، قبل أن يتم إرسالي بعيداً. لقد كان العام 1979، والشمس في كل مكان، طرابلس استلقت بتألق وسكون تحتها، كل إنسان وحيوان ونمل يجاهد للبحث عن الظل. الرحمة الحقيقية تأتي في الليل، نسمات باردة من الصحراء الحارقة، مرطبة بالبحر.. كانت الساعة تقارب الواحدة.
*الكتاب: في بلد الرجال
*الناشر: فايكنغ ـ لندن 2006
*الصفحات:256 صفحة من القطع المتوسط
In The Country of Men
Hisham Matar
Viking - London 2006
p. 256
