أجرى ستيفن موس المحرر الثقافي بصحيفة «غارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الروائي والشاعر الليبي هشام مطر بمناسبة صدور روايته الأولى بعنوان «في بلد الرجال» والتعاقد على ترجمتها إلى أربع عشرة لغة، حيث ألقى الضوء على أجواء هذه الرواية وعلى ملامح روايته الثانية التي يعكف على انجازها حالياً، حيث يتطرق إلى أجواء المنفى التي يعيشها منذ مرحلة جد مبكرة من حياته وعلاقة هذه الأجواء بالشعور بالانتماء إلى الجذور القوية المنغرسة في الوطن. وفيما يلي نص المقابلة.

تعرض والد هشام مطر، الدبلوماسي جاب الله حامد مطر، للاختفاء في ظروف غامضة، وشنق أصدقاؤه، وأودع أقاربه السجون، فهل يعني ذلك أن الشيء الوحيد الذي يمكنه الكتابة عنه هو المعاناة؟ من المحقق أن هناك الكثير مما يمكن أن يطرح في النقاش مع مؤلف الرواية الأكثر سخونة في صيف هذا العام.

لماذا لا يستبد غضب أشد بهشام مطر؟ في عام 1990، عندما كان طالباً يدرس في لندن، اختطف أبوه، وهو منشق كان يقيم في القاهرة، وأعيد إلى طرابلس الغرب، حيث أودع السجن وتعرض للتعذيب، وتمكن من تهريب عدة رسائل من سجن أبو سليم أوضح فيها تفاصيل المعاملة التي يلقاها، ولكن أخباره انقطعت منذ ذلك الحين، وعلى وجه التحديد منذ عام 1995. ولابد أن انعدام الأخبار هذا أمر مريع، فكيف تعامل معه هذا الشاب الوسيم الجذاب، الصبور؟ اقترح هشام مطر، الذي جرى الاحتفاء بروايته الأولى باعتبارها الحدث الكبير على الصعيد الأدبي في صيف هذا العام، أن نلتقي في منتزه هولاند بارك، الواقع على الحافة الغربية لوسط لندن.

ولاشك في أن هذه طريقة لإبعادي عن الشقة المؤجرة، التي يقيم فيها مع زوجته المصورة أميركية المولد، ولكنه أمر مناسب أيضاً، فهو غالباً ما يتنزه هناك في الصباح قبل العكوف على الكتابة، وهو يوضح في هذا الشأن: «ذلك يدخل السكينة على نفسي، فهناك مشكلة عندما تبدأ في الكتابة، وفي بعض الأحيان تحتاج إلى أن تحسم أمراً ما ويمكن لمشهد ما أن يكون ملهماً».هذه الرواية التي أثارت الاهتمام الشديد من جانب النقاد تستمد إلهامها من طفولة هشام مطر المفعمة بالمتاعب في ليبيا، غير أنها تبتعد عنها أيضاً.

وإنني لأجد هدوءه حيال اختطاف أبيه أمراً غريباً، ولم أستطع الكف عن مناكدته بشأنه. وأسأله: لم لا تذهب إلى ليبيا حيث يفترض أن الأبواب التي أوصدت طويلاً قد بدأت تنفتح فيها الشقوق فتبحث عنه وتحاول معرفة ما حدث له؟ يقول: «ربما إذا شاهدت فيلم رامبو عدة مرات قد اقتنع بتلك الفكرة، ولكن الحياة لا تمضي على هذا النحو. وعلى أي حال فإن العودة ستعطي شعوراً بخيانة الكثير من الناس الذين أعرفهم، وأنا أعرف الكثيرين في ليبيا ممن أودعوا السجون، ثلاثة من أبناء العمومة وعم وأصدقاء قتلوا شنقاً».

عندما تطرق هذا الموضوع، فلابد أن تجد الغضب حيالك، بالطبع. وهو يصف الفراغ في حياته بأنه معذب، ويقول: «إنك لا تعرف مصير هذا الشخص الذي يمثل مركز حياتك، ويستمر أفقك في التهاوي. في البدء تنشد العدل، ثم ترغب في رؤيته والحديث معه. وأخيراً لاتريد حتى هذا، وكل ما تريد معرفته هو هل هو حي أم ميت».في عام 2003، كتب هشام مطر مقطوعة مؤثرة إلى لجنة العفو الدولية حول تأثير اختفاء والده في نفسه ونفس والدته وأخيه الأكبر، الذي لا يزال يقيم في القاهرة.

وأخيراً ظهر مع هارولد بنتر وتوم ستوبارد في مناسبة ذات مستوى راق أحيتها «مراقبة حقوق الإنسان» في الرويال كورت. وهو لا يتملص من العواقب السياسية لروايته، غير أنه لا يحدد هذه العواقب كذلك. وما شهدته ليبيا في السبعينات يشكل خلفية الرواية وليس جوهرها. وبدلاً من ذلك فإن في صميم الرواية صبياً يكافح لكي يفهم، ولكي يهرب في نهاية المطاف من المجتمع الذي يعاني من الرهاب الذي ولد فيه.

يقول هشام مطر: «تمنيت لو أنني أنجزت كتاباً لا علاقة له بالسياسة. وأنا أحسب أنني في نهاية المطاف من عشاق الحياة ومحبي الجمال، ولست مهتماً بالسياسة بصورة حقيقية، غير أن السياسة جزء من هذا النسيج، وعليّ أنا أقول شيئاً عنها، وإلا كانت كل القوى التي شكلت هذه الشخوص محض تجريد خالص».

افتتن الروائي الليبي بالطريقة التي يهرب بها الناس من «القص العظيم» الذي يقولبهم ـ البلاد، الدين، العائلة الموروث ـ والصبي في الرواية الذي يدعى سليمان يرسله أبواه إلى مصر عندما يصل إلى التاسعة من عمره، لكي يتمكن، في وقت لاحق، من تجنب التعرض للتجنيد الإجباري. وهشام مطر هو نفسه كان قد غادر ليبيا وهو في التاسعة من عمره، عندما ظهر اسم أبيه في قائمة من ترغب الحكومة في التحقيق معهم، وقد هربت عائلته بكاملها إلى مصر، وانتظر مطاردو أبيه أحد عشر عاماً لكي يتمكنوا من إجراء التحقيق الذي أرادوه.

والصلات بين شخصية البطل والمؤلف بالغة الوضوح، فكلاهما ولد في عام 1970 واضطر للحياة في المنفى، بعيداً عن بلاده، ولكن هشام مطر يشدد على أن هذا الكتاب يتجاوز كونه سيرة حياة ذاتية. ويقول: «أنا وسليمان مختلفان في جوانب كثيرة، فكونه ابناً وحيداً لأبويه أمر مهم جداً، وهذا المونولوج الداخلي تواصل معه طويلاً، بينما كان لي أخ اتخذته قدوة لي وصاحبته معظم الوقت، فقد كان من أبطال السباحة، ومحاطاً دائماً بالأصدقاء وكثير من أبناء العمومة، وبالتالي لم تكن هناك عزلة.

يضاف إلى ذلك أن سليمان كان رهيفاً، عاطفياً، وأمه سيدة متقلبة لعبت دوراً كبيراً في حياته، بينما كان كل من أبي وأمي مستقيماً ويعتمد عليه. وما استعملته كان من خلال منظور الصبي، والمناظر الطبيعية كانت مألوفة لي، وكذلك حال عصر السبعينات، حيث كنت ماهراً آنذاك. وأحسست بأن هناك بعض الأمور لا يمكنك التفوه بها، حيث تكون جالساً إلى مائدة الطعام ويقول أحد الأعمام شيئاً، ويلزم الجميع الصمت لأنهم يتذكرون فجأة أن هناك طفلاً يجلس إلى المائدة قد يحمل هذه الكلمات إلى مكان آخر فيتعرض أحدهم لإلقاء القبض عليه».

ويضيف: «إن هناك فارقاً آخر هو أن والد سليمان كان ناشطاً في الحياة السياسية السرية في ليبيا بينما لم يكن أبي كذلك».من رحم الشعر بدأت رواية مطر في التشكل، وصارت هاجساً يسكنه، فكان يستيقظ في الخامسة صباحاً ليكتب ومن ثم يذهب إلى عمله، غير أن الكتاب سيطر عليه وجعله يهجر الهندسة المعمارية، ويمتهن أعمالاً متنوعة تتيح له مجالاً أكبر للكتابة، وكانت هذه الأعمال جميعها غريبة ومثيرة بالنسبة إليه، حيث عمل ممثلاً مسرحياً وعامل بناء ومجلد كتب ليسد احتياجاته المباشرة، وفي الحقيقة كان قليلاً ما يسدها بالفعل.

يقول هشام مطر في هذا الصدد: «الفكرة الرومانسية التي تدور حول الكاتب المفلس هي فكرة زائفة تماماً.. إنه لأمر فظيع، وأنا أكره أن أكون مديناً، وأكره التململ الذي يعتريني لمعرفة من أين نستطيع سداد الإيجار عن ذلك الشهر. ومما يثير الشعور بالامتنان أن لي زوجة مساندة إلى حد كبير، شاركتني جنوني.

ولقد تلقيت مكالمة من وكيلي الأدبي يقول فيها ان دار بنغوين قد اشترت الرواية كجزء من صفقة قيمتها مبلغ ذو ستة أرقام تتضمن تعاقداً على كتابين، وذلك في اليوم الذي كنت أتأهب فيه للذهاب إلى مالك الشقة التي أقطنها لأقول له إن عليك أن تضيف إيجار هذا الشهر إلى المبلغ الذي تدينني به. وهكذا فقد جاءت هذه المكالمة في موعدها تماماً».ولم يكن لدى هشام مطر من الرصيد في هاتفه ما يمكنه من محادثة زوجته لإبلاغها بهذه الأخبار السعيدة، ولهذا فقد قام مالك الشقة بإبلاغها بذلك نيابة عنه.

محطات في حياة مطر

*ولد الروائي والشاعر الليبي هشام جاب الله حامد مطر في نيويورك حيث كان أبوه يعمل ممثلاً لبلاده في الأمم المتحدة وأقام في طرابلس الغرب، والقاهرة، وباريس ومنذ عام 1988 في لندن.

* في العشرينات من عمره أنهى دراسة الهندسة المعمارية في معهد غولد سميث، وافتتح مكتباً للتصميمات المعمارية، لكن ميله إلى الأدب تغلب على مهنته فانصرف إلى كتابة الشعر والرواية، وعمل في غضون ذلك ممثلاً مسرحياً وعامل بناء ومجلد كتب.

*نشر قصائده في مجلة «ساوندز» وأصدر أولى رواياته بعنوان «في بلد الرجال» ويعكف حالياً على انجاز روايته الثانية. ويشارك بمقالات وعروض للكتب بصورة منتظمة في عدد من الصحف العربية من بينها صحيفة «الشرق الأوسط». وفي عام 2002 أدرج ديوان له في التنافس النهائي على جائزة إيست انجيلا لأفضل المواهب الجديدة.