ولد الروائي والفيلسوف الصيني لين يوتانغ سنة 1895 في فيوجيان جنوب الصين، تخرج من جامعة شنغهاي قبل أن يتلقى علومه العالية في عدة دول مثل انجلترا وفرنسا وألمانيا وأميركا حتى نال الدكتوراه من جامعة هارفارد. وقد دُعي للمشاركة في الحكم وبعد تجربة العمل السياسي هجره وتفرغ للأدب.
هاجر إلى أميركا ثم إلى فرنسا واستقر في الأخيرة مع عائلته. ومن أبرز أعماله في الفلسفة «لب الحياة» ضمنّه نظرته الفلسفية بصورة تهكمية، صدر سنة 1937، «حكمة كونفوشيوس» صدر سنة 1948. ومن مؤلفاته أيضاً «أمتي وبلادي» ويتضمن مجموعة المقالات الصحافية الصادرة له ما بين سنتي 1935- 1939. «حكمة الصين والهند»، «بين الدموع والضحك». أما زوجته فقد تخصصت في اصدار عدة كتب عن المطبخ الصيني.
وفي روايته «في مهب الريح» تحدث يوتانغ عن كفاح الصين لنيل استقلالها من اليابان وما عانته بلاده من ويلات خلال فترة الاحتلال الياباني (1895 1945. فبطل روايته بويا حفيد صاحب قصر بستان الأمير الشهير، خريج جامعة بكين، المترف والمدلل، الوسيم والمهندم، الفارع الطول حلم أي شابة ومن أي طبقة. متزوج غير أن علاقته بزوجته التي تنتمي إلى طبقة أدنى علاقة باردة، فما إن شاهد مالين الفاتنة وهي ضيفة على زوجة ابن عمه لولا حتى أعجب بها، وبادلته حباً بحب واتفقا على ألاّ يفترقا.
كان بويا يختلف يومياً إلى صديقه لاوبنغ الذي يكبره. وكان لاوبنغ حكيماً يؤمن بالفسلفة البوذية، نذر نفسه للخير ومساعدة ضحايا الحرب في بلاده، وما أكثرهم. وكان يعّلم الصغار القراءة والكتابة مجاناً ويشتري لهم الكتب من القليل الذي معه. تحدث بويا إلى صديقه لاوبنغ عن حبه الجديد والعنيف لمالين وطلب منه النصح والمشورة فقال له لاوبنغ: أحسن الظن بها.. فالمرأة سر من الصعب التكهن به.
كانت مالين لاجئة أخرجتها الحرب من ديارها واضطرتها إلى الاستنجاد بصديقتها لولا، تريد الوصول إلى شنغهاي التي جعلت الحرب الوصول إليها أمراً صعباً، وحين عرضت الأمر على بويا أخبرها أنه يريد اصطحاب زوجته إلى أهلها في شنغهاي وأنها يمكن أن ترافقهما، غير أن كاينان زوجة بويا التي كانت ومالين تتبادلان الكراهية رفضت أن تصطحبهما مالين.
كان الجيش الياباني يفتش البيوت ويسأل عن ساكنيها ويحكم حصاره على مدينة بكين بعد أن قامت أم المحاربين «شاوو» بتدبير هجوم محكم مع رجال عصاباتها على سجن كبير في المدينة واطلقت سراح المسجونين فيه. وحين جاء دور تفتيش بستان الأمير الذي يضم جميع أفراد عائلة بويا الكبيرة كانت مالين مريضة تعاني من آلام في رقبتها، سأل الضابط الياباني عنها فأخبره بويا أنها ضيفة عليهم وأن اسمها مالين فقال لها الضابط الياباني: أنت مريضة، عليك بالمستشفى الياباني فالأطباء اليابانيون مهرة جداً..
في مهارة الأطباء الألمان. ثم قرصها من خدها. اضطربت مالين لهذا التصرف وركبها الخوف وطلبت من بويا أن يخفيها بعيداً حتى موعد السفر وهو الأمر الذي دفعه إلى الاستنجاد بصديقه لاوبنغ فأخذها إليه ليلاً مع خادمه. تعرفت مالين على لاوبنغ عن قرب بعد أن كانت تسمع عنه من بويا وعرفت فيه الإنسان الطيب والودود،. وما إن أشرق الصباح حتى جاء من يحمل له رسالة من أم المحاربين شاوو : أن غادر المدينة حالاً.
طلبت مالين من لاوبنغ أن ترافقه وأصرّت على ذلك حتى بعد أن علمت أنها لكي تصل إلى شنغهاي ربما ستقطع الطريق سيراً على الأقدام، وأنه سيغادر دون أن يرى بويا نظراً للظروف المستجدة، ومع ذلك وافقت وهو الأمر الذي اضطره إلى إرسال خادمه في رسالة شفوية مستعجلة إلى بويا على أمل اللقاء في شنغهاي، ولكن بويا ظلّ مستغرباً موقف مالين من أوله إلى آخره خاصة خوفها المفاجئ.
هناك وفي الطرق الريفية شاهدت مالين الوجه الآخر للصين زمن الاحتلال، وهالها ما وجدته من أمراض وجوع وحرمان وجهل يعاني منه أبناء شعبها وشهدت معارك إبادة، شجعها ذلك على أن تحكي إلى لاوبنغ قصة حياتها حين كانت محظية يانغ الساعي لإقامة حكومة موالية لليابانيين شمال الصين بمساندة الجيش الامبراطوري ومتعاوناً مع الجنرال شي.
في شنغهاي التقت مالين بحبيبها بويا وعاشت معه أحلى أيام حياتها حين استأجرا غرفة في فندق. اختطف الثوار بويا وحين قابله زعيمهم طلب منه ارشادهم إلى عنوان مالين غير أن بويا أنكر معرفة عنوانها ولأنه أحس أنه مراقب اتصل هاتفياً بمالين التي كانت تعيش باسم آخر هو تاني وطلب منها مغادرة المدينة فظنت أنه يخدعها بعد أن نالها وباتت حاملاً منه فسارعت بالالتحاق بلاوبنغ وهي غاضبة. وهناك أخبرت لاوبنغ أن بويا تخلى عنها وهي حامل لا تدري ماذا تصنع.
أخبرها لاوبنغ بأنه سيكتب له ولكن اذا تخلى عنها بويا فسيقوم هو برعايتها ورعاية طفلها بل والزواج منها. وتساءل لاوبنغ عن الحد الفاصل بين الحب والصداقة. جاء بويا وشرح لمالين اضطراره عدم ملاقاتها في شنغهاي حرصاً على حياتها لأنه كان مراقباً. كانت مالين تفكر بلاوبنغ الذي حدّثها عن الجذوة المقدسة الكامنة في كل إنسان والتي تنطلق في لحظة قصيرة فتنقدح شرارتها الكامنة وتشرق أنوارها على النفس الإنسانية فيهتدي إلى طريق الحكمة وسعادة الروح، ولهذا كانت تفكر باسقاط كلمة «عم» لاوبنغ التي كانت تخاطبه بها. فكانت تفكر بمَنْ منهما يحبها أكثر، والأهم هي تحب مّنْ فيهما؟
تعرضت المدينة التي هم فيها لهجوم اليابانيين فحمل بويا حبيبته مالين على دراجة هوائية وابتعد، لكنه صادف مجموعة من اليابانيين فقتل بعضهم ثم أصيب، جاءت مالين من مخبئها فوجدته في الرمق الأخير، قال لها: أوصيت لك بكل ثروتي، ربي ابننا تربية صالحة. قال لها لاوبنغ: إن وافقت على أن يحمل الطفل اسم أبيه نعقد لك على روح بويا على حسب التقليد القديم، وبهذه الموافقة ستحصلين على الترمل الأبدي على أن يكون ذلك قبل تشييع الجنازة. فكرت مالين طويلاً ثم قالت: إذن أرملة بويا سأكون..إلى الأبد..
