مؤلف كتاب « الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك»المؤرخ تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المولود سنة 1364 ميلادية بحارة يرجوان بقسم الجمالية بمحافظة القاهرة في أسرة معروفة أجيالها بالاشتغال بالعلم بدمشق وبعلبك والقاهرة. وقد بدأ حياته بدراسة علوم الدين وحفظ القرآن الكريم ومعرفة النحو ودراسة الفقه والتفسير والحديث وبعض العلوم الأخرى مثل التاريخ وتقويم البلدان والأدب والحساب على أن نظرة عابرة في مؤلفاته التي بلغت قرابة مئة كتاب تدل دلالة واضحة على مدى تأثره بمحيطه من الحوادث المضطربة ومثله في ذلك مثل أستاذه ابن خلدون الذي جاء لاجئاً إلى القاهرة
حيث أصبحت حلقات الدرس التي يعقدها نواة فكرية تخرج منها المقريزي وغيره من معاصريه وظل وفياً لها حتى توفي سنة 1442 ميلادية أما هذا الكتاب فيتناول موضوعاً طريفاً، فهو يؤرخ لكل من حج من الخلفاء والملوك . وقد بدأ المؤلف بالتأريخ لحجة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم» المعروفة بحجة الوداع، ثم قسم الكتاب إلى قسمين أرخ في القسم الأول، لمن حج من الخلفاء مدة خلافته وتبين من حديثه أن الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول قد حرصوا دائماً أداء فريضة الحج بل ان منهم من كان يحج كل سنة من سنوات خلافته كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد حج سنينه كلها وهي عشر سنين كذلك فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد حج في سني خلافته كلها وهي إحدى عشرة سنة.
أما خلفاء بني أمية، فلم يحج منهم أثناء خلافتهم الا خمسة منهم وهم: معاوية بن أبي سفيان، عبد الملك بن مروان، الوليد وسليمان وهشام أبناء عبد الملك، ومنهم من حج أكثر من مرة مثل معاوية وعبد الملك أما الثلاثة الآخرون فقد حجوا مرة واحدة. أما خلفاء بني العباس في بغداد فلم يحج منهم إلا ثلاثة من الخلفاء في العصر الأول وهم: أبو جعفر المنصور، وأبو عبد الله المهدي، وهارون الرشيد، أما خلفاء العصر العباسي الثاني فقد شغلتهم حياة الترف والانقسامات الداخلية وضعف الدولة عن أن يفكروا في الخروج إلى الحجاز لأداء الفريضة.
بل لعل ثورات القرامطة الذين اجترأوا على مهاجمة الكعبة وسلب الحجر الأسود وقيام الدولة الفاطمية في مصر وسيطرتها على الحجاز لعل هذا كله من العوامل التي حجبت الخلفاء العباسيين ومنعتهم من الحج. ولم يحج من خلفاء العباسيين بالقاهرة إلا أولهم وهو الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي فقد طالت مدة خلافته بمصر حتى بلغت أربعين سنة.
وهناك ظاهرة تستحق الالتفات ذلك أن أحداً من الخلفاء الأموين بالأندلس أو الخلفاء الفاطميين بالمغرب ومصر لم يحج في القسم الثاني من الكتاب، أرخ المقريزي لمن حج من الملوك والسلاطين منذ أن انقسمت الخلافة إلى دويلات يحكمها ملوك إلى عهد السلطان الملك الأشرف شعبان أحد سلاطين المماليك بمصر. وكان أول من حج من ملوك مصر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس ثم حج بعده الملك الناصر محمد بن قلاوون وبين ثنايا الكتاب تنثر معلومات قيمة عن كسوة الكعبة .
فالمؤلف يذكر أن الكسوة كانت تعمل من الديباج المذهب ويقول: وكانت الكسوة لا تنزع من الكعبة كل سنة، بل تلبس كل سنة كسوة فوق كسوة، فلما تكاثر العهد وكثر ذلك خافت السدنة على الأركان أن تنهدم لثقل ما عليها من الكسوة حدث هذا في عهد الخليفة العباسي المهدي، فنزع الكسوات القديمة وألبسها كسوتها.
و الباحث في الحياة الاجتماعية على عصر المماليك يجد في هذا الكتاب نصوصاً كثيرة ومهمة لعل أطرفها وصف المواكب التي كانت ترافق سلاطين المماليك عند خروجهم للحج . كما أن الكتاب يعطينا معلومات كثيرة ودقيقة عن علاقة مصر في العصور الوسطى بجيرانها في آسيا وافريقيا كالحجاز واليمن والشام، كما يعطينا فكرة واضحة عن النزاع الخفي الدائم بين ملوك اليمن الرسوليين وبين ملوك الأيوبيين.