في مثل هذا اليوم ولد المهاتما غاندي أو «مهندس كرمشاند غاندي» عام 1869 أبو الهند الحديثة، أو صاحب النفس العظيمة، ولقبه الانجليز بالقديس، لأسلوبه السلمي في الكفاح لتحرير الهند. كان غاندي نسيجاً من ثقافة التسامح القائمة على التقبل واللاعنف، مدركاً أن العنف مصدر الكوارث، وأن الحروب ستدمر العالم. غاندي الذي توفي عام 1948 شهد حربين عالميتين، ولكنه شهد تقسيم الهند ونشأة الباكستان عام 1947، وكان لذلك الأمر بالغ الحزن في نفسه، فقد كانت طريقته السلمية في تحرير الهند ووحدة المسلمين والهندوس قد دفعت متعصباً ليطلق عليه النار ويرديه عن 79 عاماً.

في الوقت الذي يضرب فيه التعصب أركان المعمورة، على العالم أن يتذكر رجلاً مثل غاندي لم يلتقط قطعة سلاح بيده طيلة حياته، ولم يجد سبيلاً سوى اللاعنف لاقناع المتعصبين والمغالين للتحاور والاستفادة من الثقافات المختلفة وتوظيفها لما هو في صالح البشرية جمعاء، وعندما تكثر أفكار التعصب ضد فئة أو مجموعة عرقية أو دينية ينشأ الحقد ويتربى الثأر في النفوس، وعندما يصف البابا بنديكتوس السادس عشر الدين الإسلامي دين الشر، فإنه لا ينم عن جهل فقط، بل ينم عن لا وعي لما يمكن أن يخلفه هذا التصريح من حقد سيغلي كما هو الحقد الذي غلى في نفوس المسلمين عندما وصف بوش الإسلام بالفاشية، بينما لا يجرؤ صاحب عقل وحصيف على النيل من ديانة غير ديانته بألفاظ وعبارات غير مسؤولة ومحسوبة، فما بال العالم بشخص كالبابا أو كالرئيس الأميركي؟!

وليس من باب المقايسة اننا نقول ان غاندي كان سلمياً في حواره مع الاحتلال الانجليزي لبلاده، بل المقايسة الفعلية ما أدركه رجل التاريخ أن نسيج العقائد لا يمكن مسه ولو بكلمة لأن ذلك لا يؤدي إلى نار طائفية فحسب، بل يؤدي إلى كارثة، نشهد اليوم بعد ستين سنة من رحيل غاندي آثارها، أليست حرباً طائفية تلك التي تجري في العراق، وتحت ستار المقاومة يسن الأخوة كارامازوف سكاكينهم، وأليست التصريحات الفئوية في لبنان جمر نار طائفية تغلفها أحزاب اهترأت نظرياتها وتنظيرات قادتها؟!

ان ثقافة التقبل تقوم على ما هو ممكن وليس على ما يفترض، وحتى يدرك المتعصبون هذه الفكرة يحتاجون إلى قراءة عميقة لفكرة التقبل عبر كتب أثرت في البشرية مثل كتاب حتى الرجل الأخير لجون راسكين، وكتاب الخلاص في أنفسكم لتولستوي وقبل هذا وذاك لينظر كل متعصب إلى ما تركه أقرانه قبله، فقد ذهبوا مع أفكارهم إلى أقبية التاريخ بينما ذهب غاندي ورفاقه إلى قصور الحضارة. حضارة السلم واللاعنف والمحبة والتسامح.

hussain@albayan.ae