دافيد باجيت ووليام أروين وشاون كلين المشرفون على إنجاز هذا الكتاب الجماعي هم أساتذة لمادة الفلسفة في المعهد الملكي ببنسلفانيا وجامعة المكسيك الجديدة. القاسم المشترك الذي يجمعهم هو أنهم تبنّوا طريقة تتمثل بدعوة الجمهور العريض إلى الاهتمام بالفلسفة عن طريق الثقافة الشعبية، والأعمال الأدبية الشائعة.
هاري بوتر معروف بدون شك من قبل عشرات الملايين في العالم من خلال سلسلة الكتب التي قدّمتها «ج. كي. رولينغ» لقرائها الذين تعوّدوا أن يتجمعوا بالآلاف أمام المكتبات و«مخازن» البيع المهتمة الأخرى، لساعات طويلة من أجل الفوز بـ «نسخة» قبل غيرهم من مغامرات «هاري بوتر وغرفة الأسرار» أو هاري بوتر ومدرسة السحرة أو «هاري بوتر وسجين أزكابان».
يساهم في هذا الكتاب سبعة عشر فيلسوفا من أكبر الجامعات الأميركية الذين يحاول كل منهم أن يحلل الدلالات العميقة «الأعمال العظيمة» التي قام بها هاري بوتر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن جامعيين من ولاية فلوريدا كانوا قد كرّسوا في عام 2003 سلسلة من المحاضرات لـ «هاري بوتر» وشارك فيها باحثون في الأدب والثقافة والفلسفة بل وتمّ التطرق فيها إلى مواضيع مثل دور المرأة في المجتمع وآليات عمل مفهوم البطولة.
بيع من سلسلة «هاري بوتر» ملايين النسخ ـ كما أسلفنا ـ وجرت ترجمتها ـ حتى الآن ـ إلى 64 لغة في العالم كما جرى إخراج فيلمين سينمائيين طويلين من السلسلة هما من الخمسة وعشرين فيلما التي حققت أكبر الأرباح في تاريخ السينما كله.
لكن هناك من لم يقبل أن يكون بين جمهوري المصفقين مثل الناقد الأدبي هارولد بلوم الذي اعتبر سلسلة هاري بوتر بمثابة مجموعة لا نهاية لها من الشعارات ـ الكليشيهات وإنها لا ترقى أبدا إلى مصاف أعمال مثل أليس في بلاد العجائب. وينتهي إلى القول بأن الساحر الشاب لن يقود الأطفال أبدا نحو الاهتمام بالأدب الحقيقي، وبالتالي لا يمثل هاري بوتر سوى ظاهرة عابرة سوف يمحوها الزمن.
بالمقابل لا يختلف اثنان على أن رولينغ ليست شكسبير. مع ذلك من المنطقي جدا القبول أن شعبية رأي ما ليست معيارا على صحته أو خطئه، الأمر الذي لم يمنع الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل من القول ذات يوم إنه نظرا لـ غباء الإنسانية فإن الشعبية التي يحظى بها رأي ما هي البرهان الأكيد على خطئه، ولا أحد يمكنه أن ينفي واقع أن مؤلفة هاري بوتر قد لامست حساسية شرائح هامة من الجمهور وأن السلسلة عرفت تأثيرا يقارب السحر. لكن لا شك أن الظروف وآليات التسويق قد كانت بمثابة عامل مشجع في الترويج لهذا المنتوج.
لكن ماذا عن «هاري بوتر» والفلسفة؟ تجدر الإشارة إلى أن الجزء الأول من السلسلة لم يكن يحمل في البداية عنوان: هاري بوتر ومدرسة السحرة وإنما بالأحرى: هاري بوتر وحجر الفلاسفة لماذا هذا التغيير؟ ذلك أن القرّاء ربما كانوا قد خف حماسهم بسبب استخدام مرجعية الفلسفة، كما يقول المساهمون في مقدمة كتاب هاري بوتر والفلسفة، ثم إن الفلسفة هي معرفة متمرّسة داخل برج عاجي لكن هذا قد يكون حساب خاطئ، إذ كان أفلاطون، أحد الآباء المؤسسين للفكر الفلسفي، قد قال: الفلسفة تبدأ بالاندهاش.
ويقال أيضا إن الأطفال أنفسهم يولدون فلاسفة، إذ ربما تبدأ مع ممارسة الكلام أسئلة مثل: من أنا؟ ولماذا نحن هنا؟على نفس مبدأ الاندهاش يرى المساهمون في هذا الكتاب أن مغامرات هاري بوتر زاخرة بما يثير الدهشة انفعاليا وفكريا، ثم إن هاري ورون وهيرميون، الشخصيات الشهيرة في السلسلة، ترشد القارئ إلى أكثر من حقل فلسفي.
ثم لا شك أن أي قارئ مثقف سوف يجد صدى أفكار نيتشه فيما يقوله غولديمور بأن القوة هي التي تتحكم بمصائر البشر.
ثم إن هاري الساحر مثل فيلسوف يعلّمنا كيف نعيش حياة سعيدة كما يقول توم موريس، في مساهمة بهذا الكتاب التي تحمل عنوان شجاعة هاري بوتر ثم يضيف: إن صفته الأكثر بروزا هي الشجاعة التي كان الفلاسفة القدماء قد أكّدوا على إعجابهم بها. ثم يشير إلى أن ما تعلمه هاري بوتر طيلة دراساته في مدرسة السحر ببودلار، إنما هو التأكيد على قدرة الفضائل في توجيه حياة البشر، وهي فضائل الذكاء والتصميم والاستقامة والكثير من الصفات الأخرى التي كان الفلاسفة الكبار قد أكّدوا عليها.
هاري بوتر تحلّى بهذه الفضائل كلها ولو كان ذلك من باب السحر.وأثناء المهمة الثالثة لدوري السحرة الثلاثة نرى البطل هاري يسير في دهليز مزروع بالأفخاخ، ثم يلحظ ضبابا أمامه. إنه يتردد بسبب جهله لما ينتظره مع خشية أن تكون هناك قوة تعرّضه للخطر. فكّر عندها أن يتراجع ويتخذ طريقا آخر، عندها يسمع صراخ فتاة غير بعيدة، يناديها فلا ترد. نقرأ في هاري بوتر وكأس النار ما مفاده: عاد الصمت وملأ العتمة. لقد سمع صراخه على مسافة أمامه. لقد قرر أن يجتاز جريا الضباب السحري.
في هذا المقطع بدا الوضع ميئوسا منه مخيفا، لكن عدم فعل أي شيء كان يعني هلاك الفتاة. إن هاري بوتر، ومثل جميع الأبطال، قرر أن يتصدّى وليس أن يتراجع، إذ عندما يكون الرهان جوهريا ينبغي الاقتحام ولجم الانفعالات. تلك هي الشجاعة بمعنى القفزة التي يدفع لها الإيمان كما عبّر عنها الفيلسوف الكبير كيركيغارد، أب الفلسفة الوجودية، والذي يرى أنه عندما تكون القيم الكبرى هي موضع تهديد فلا ينبغي الاكتفاء بالتأمل، وإنما الفعل. يقول كيركيغارد: لا يمكن توقيف التأمل إلا عبر قفزة فعلية، تلك القفزة هي التي قام بها هاري بوتر من أجل إنقاذ الفتاة، كما يشرح توم موريس.
وترى ديانا ميرتزهيش أن استقامة هاري بوتر في مواجهة الشخصيات الشريرة وسيئة الطوية تتماشى مع موقف فلسفي قديم ـ جديد وقد سمحت له أن يتعرف على ذاته بعيدا عن كل الأوهام. وهذا يتماشى تماما مع المقولة السقراطية الشهيرة: تعرّف على نفسك أو قول أرسطو: البشر يحسّون بطبيعتهم رغبة المعرفة، وحديثا رأى جان بول سارتر أن سوء الطوية يشوه لدى البشر مفهومي المسؤولية والحرية.وفي مجموعة دراسات يضمن هذا الكتاب تحت عنوان «الأخلاق في عالم رولينغ» يكتب جيري والس بأن سلسلة هاري بوتر تصل إلى ذروتها أثناء معركة قاتلة من أجل امتلاك حجر استثنائي يمتلك قدرات خارقة.
هذا الحجر لا يستطيع فقط تحويل أي معدن إلى ذهب وإنما يستطيع إنتاج إكسير طول الحياة الذي يجعل كل من يشربه خالدا. عندما عرف هاري بوتر بوجود ذلك الحجر قال: إن حجرا تصنع الذهب و تجلب الخلود يريد كل إنسان أن يمتلكها لوحده فقط. لكن بمقدار ما تتقدم القصة نجد أن الشخص الوحيد الذي يرغبها أكثر من الجميع هو غولديمور الشرير؛ لكن هاري يمنعه من ذلك.
إن معالجة فلسفية هي التي تحتويها سلسلة هاري بوتر ويحددها جيري والس بالقول: ينبغي فهم أن الحب هو القوة الأكثر قدرة كي تجعلنا نعيش على أساس قواعد الأخلاق وليس خدمة أهداف أنانية، وفهم الحب، يعني اعتبار الحياة، وكذلك الموت، بمثابة مغامرة رائعة.وفي مساهمة تحمل عنوان السحر العلم وأخلاقية التكنولوجية يركز الباحثان بنيامين بروكسفورت ليبسكومب وكريستوفر ستيوارت على القول أن السحر والعلم ينتميان، كليهما، إلى العالم القديم، وأنهما كانا متلازمين دائما عبر القرون.
لكن العلم ابتلع السحر اعتبارا من القرن الثامن عشر، وإنما في عالم هاري بوتر، شكّل السحر وسيلة فعّالة وشائعة للسيطرة على الوسط المحيط مثل دور العلم الحديث بالنسبة لنا. لكن هاري يؤكد أن الاستخدام الأعمى للسحر يؤدي إلى بروز نفس المشاكل التي يطرحها الاستخدام الأعمى للعلم في عالم اليوم. ويتم التوصل في التحليل إلى نتيجة مفادها أن الدرس الأخلاقي الذي يمثله هاري بوتر يقول أنه لا يكفي تعليم الأطفال السيطرة على التكنولوجيات وإنما أيضا حثّهم للتفكير بعواقبها ونتائج استخدامها».
وبهذا المعنى يتم طرح الإشكالية «الفلسفية» التي يواجهها العالم اليوم فيما يخص استخدام «القدرات البشرية» باتجاه «يبني» و«لا يدمر». كتاب يهم بالتأكيد محبّي هاري بوتر، وهو أيضا دعوة لولوج عالم الفلسفة بصحبته.
*الكتاب:هاري بوتر والفلسفة
*الناشر:اوبن كورت - شيكاغو 2005
*الصفحات: 250 صفحة من القطع المتوسط
Harry Potter and philosophy
David Bagget and®.
Open Court- Chicago 2005
p.250

