من جديد يطل الكاتب الأميركي اللاتيني إدواردو غاليانو على القراء بالانجليزية بعمل جديد من أعماله العابرة للقوالب والأشكال، والتي تتحدى كل محاولات التصنيف، وهو هذه المرة مجموعته «أصوات الزمن».
في هذا العمل الذي يقع في 368 صفحة، يجد القارئ نفسه مع موزاييك مذهل من الذكريات، الملاحظات، والأساطير التي جمعت معاً لتكشف عن قصة المؤلف وعن رؤية شاملة ومتعاطفة للحياة نفسها.
في هذه التأملات التي تحظى برحابة الأفق ينتقل غاليانو من الطفولة إلى الحب، الموسيقى، النباتات، الخوف، الكبرياء والغضب وبالأسلوب ذاته الذي سبق أن اعتمده في ثلاثية «ذاكرة النار» التي تحظى بالكثير من الإعجاب على امتداد العالم، والمؤلف من مقطوعات صغيرة تتراص باطراد لتتحول إلى كل عضوي هائل، يقدم غاليانو تاريخاً بالغ الثراء لحياته وأوقاته يجمع بين كونه فلسفياً على نحو هادئ وسياسياً بصورة عاصفة.
تبدأ هذه المقطوعات التي يصل عددها إلى 333 مقطوعة من الأشنة الزرقاء التي تعد أقدم شكل من أشكال الحياة، لتقدم لنا ملامح من هجرة عائلة غاليانو إلى الأوراغواي في أوائل القرن العشرين ومصير رسائل الحب التي ترصدها دكتاتورية عسكرية، وما يقترفه الأثرياء وذوو السلطة.
وأحدث الفظائع التي أقدم عليها العسكريون ولقاءات المؤلف مع مختلف طرق الحياة وأساليبها بما في ذلك من قابلهم من الجنرالات والمتشردين والمنشقين ونجوم كرة القدم، والبط والأشجار. ومن قلب هذه التأملات لا يبرز الغضب ولا مشاعر المرارة، وانما يبرز احتفاء بالحياة في عالم لا تنقصه الضراوة.
إن كتاب «أصوات الزمن» يطل علينا شاعرياً ومفعماً بالعواطف، غاضباً وغنائياً، ليقدم لنا المزيج الذي يطرحه غاليانو من الكوميديا والحكم الأخلاقي الصارم، وهو بهذا المعنى طرح شخصي عميق من كاتب كبير يحظى بالمحبة والتقدير.
شأن كل أعمال غاليانو، كان من الطبيعي أن يلقى كتاب: «أصوات الزمن» لدى صدوره في ترجمته إلى الانجليزية اهتماماً حقيقياً على ساحلي الأطلسي كليهما.
في البداية نحن على موعد مع الروائية التشيلية إيزابيل الليندي التي تبادر إلى القول: «يستخدم غاليانو براعته المهنية ليغزو ذهن القارئ، وليقنعه أو يقنعها بالاستسلام لجاذبية كتابته وقوة مثاليته».
وعلى صفحات مجلة «النيويوركر» نقرأ عن الكتاب: «يحظى هذا الكتالوج للجرائم والعبثيات بكل من الطابع اللاذع لكتابات جوناثان سويفت وفكاهته السوداء. ترى من غير غاليانو يمكنه أن يجعل الهياكل العظيمة ترقص على هذا النحو؟».
وبدورها تقول عنه مطبوعة «نيويورك تايمز بوك ريفيو» المتخصصة إنه: «مليء بالتقمص، القوة، الارتباطات التي تهز القارئ هزا.. إن غاليانو خطير، لكنه بعيد عن أن يكون قاتلاً.. من الانترنت إلى الانتربول، من التلفزيون إلى تقنيات السيارات، ما من شيء يسلم من نزعته التفكيكية الملزمة».
أما صحيفة «واشنطن بوست» فإنها تفرد لهذا الكتاب تحليلاً مطولاً، إلى أن بعض التأملات التي يضمها الكتاب لا تتجاوز المساحة التي تشغلها صفحتين، ولكن غالبيتها أقصر من ذلك، وبعضها في إيجاز قصيدة من شعر الهايكو الياباني.
ونجد مادة تستمد إلهامها من عالم الأساطير. ويوضح غاليانو في مقطوعة بعنوان «قاموس الألوان» المنطق وراء الألوان المتعلقة بالريش الذي يتزين به الهنود الذين يعيشون على امتداد نهر باراغواي. فريش طائر الماكاو الأحمر يدعو المطر إلى الهطول، أما الريش الأصفر فهو يستجلب الأخبار السارة. والريشات الرمادية الحزينة تضفي لمحة آسرة على الأنشودة الإنسانية.
وتشير الصحيفة الأميركية إلى أن مقطوعة أخرى في كتاب غاليانو قد تكون تأملاً لأحداث معاصرة، حيث تركز مقطوعة «الموسيقى الأولى» على رائدي الفضاء أرنو بنزياس وروبرتو ولسون فيما هما يقفان على هضبة في جبال أبالاشيا ذات ليلة من ليالي عام 1964، محاولين التقاط بث موجات قد تكون منبعثة من مجرة نائية على نحو مستحيل.
وهما يواصلان الاستماع إلى طنين يؤذي آذانهما، وفي وقت لاحق فحسب يخمنان السبب وراء ذلك، فهو ليس إلا جانب من أصداء الصدمة الكبرى التي استهلت الزمان والمكان والكواكب وكل شيء.
وتذكر «واشنطن بوست» قراءها بأن غاليانو هو واحد من أكثر الشخصيات الأدبية تميزاً في أميركا اللاتينية، ويرتبط اسمه بصفة خاصة بثلاثيته الشهيرة «ذاكرة النار» وهي تأريخ روائي لأميركا اللاتينية فاز بجائزة الكتاب الأميركي عام 1989، وهو أيضاً صحافي ومؤرخ اشتهر بنقده المعمق.
وتشير مطبوعة «لايبراري جورنال» المتخصصة إلى أن المقطوعات التي يضمها الكتاب، والتي تزيد على ثلاثمئة مقطوعة تكذب بساطتها تعقيدها، وهي تبدو أقرب إلى القصائد النثرية منها إلى القصص، وكل كلمة فيها مختارة بعناية فائقة، وكل عبارة هي استحضار لحدث أو لمناخ نفسي بكامله.
وتعيد هذه المطبوعة المتخصصة إلى أذهان القراء ما قاله غاليانو عن كتابه هذا من أنه يسرد قصصاً عاشها أو سمعها بنفسه، وتلفت أنظارهم إلى أنهم سيجدون في الكتاب مزيجاً من التاريخ العائلي وصوراً لوقائع حدثت جنباً إلى جنب مع ملامح من تاريخ أميركا الجنوبية والاكتشافات العلمية والملاحظات الانثروبولوجية.
وهي تشير إلى أن النتائج المترتبة على ذلك مثيرة للقلق، حيث نجد أن من الموضوعات التي يطرقها غاليانو كثيرا في كتابه افتقار الإنسان إلى الإنسانية، ولكن بدلاً من إثارة تجهم القراء فإن غاليانو يتفوق على نفسه في السخرية التي يجيد السيطرة عليها. وما يتم طرحه ينطق صارخاً عبر الصمت العميق الذي يسود عقب نهاية كل مقطوعة. وهو ما يذكر المرء بالذرى الإبداعية الشامخة التي صعد إليها خورخي لويس بورخيس.
*الكتاب: أصوات الزمن
*الناشر:متروبوليتان
نيويورك 2006
*الصفحات:368 صفحة من القطع المتوسط
Voices of The Time
Eduardo Galeano
Metropolitan - N.Y.2006
p.368
